"أستريكس: سر الجرعة السحرية" قصة فرنسية بامتياز أمام العالم الأوسع

يرى لوي كليشي الذي شارك في إخراج الفيلم إن التقليل من أهمية حكاية بلاد الغال الشهيرة لم يكن خياراً وارداً حتى عند طرح الامتياز للمشاهدة خارج فرنسا

فيلم "أستريكس وأسرار الجرعة السحرية" من فرنسا إلى العالم (يوتيوب)

مرة أخرى، تنطلق إحدى الشخصيات المبتكرة التي تتمتع بصبغة فرنسية واضحة جداً إلى العالمية.  حيث يُعرض في دور السينما في المملكة المتحدة حالياً فيلم "أستريكس: سر الجرعة السحرية"، أحدث فيلم رسوم متحركة يوثق مغامرات البطل من بلاد الغال أستريكس ورفاقه، وذلك بعد تسعة أشهر تقريباً من عرضه الأول في فرنسا. بالنسبة إلى لويس كليشي، الذي شارك في إخراج الفيلم مع صانع الأفلام الفرنسي ألكسندر أستير، فإن فكرة إخراج قصة أستريكس خارج حدود الأرض السداسية (وهو الإسم المحبب الذي يعرف المواطنون الفرنسيون بلدهم به) كانت مربكة نوعاً ما.  أولاً،  توجب عليهم ضمان أن تكون القصة منطقية بالنسبة للجمهور العالمي. لكن من ناحية ثانية، لم يكن صانعا الفيلم مستعدين لتجريد العمل التابع لسلسة قصص أستريكس من طابعها الفرنسي - حتى لو عنى ذلك أن الجمهور الدولي لن يتمكن من فهم بعض الإشارات في الفيلم.

يقول كليشي بلغته الأم الفرنسية: "نحن شوفينيون جداً ... في المقام الأول والأخير، صُنع هذا الفيلم من أجل الأشخاص الذين يعرفون أستريكس ويتحدثون الفرنسية". ويقول أيضاً، إن الفيلم يفترض أن يكون المشاهدون على دراية إلى حد ما بامتياز قصص أستريكس، على الرغم من أن كليشي كان حريصاً على تذكير الجمهور بأكثر العناصر الأساسية في الحكاية (حيث يقاوم الغاليّون أصحاب العزم الغزاة الرومان بفضل جرعة سحرية يحضّرها الكاهن، وتمنحهم قوة خارقة).

لكّن رفْض المخرجَيْن كليشي وأستير التقليل من أهمية الطابع الفرنسي الطاغي على أستريكس لم يكن نابعاً من الكبرياء الوطني فحسب، أو رفضاً لتكييف قصة فرنسية محببة لتلائم جمهوراً دولياً. بل كان أيضاً وسيلة للحفاظ على سرد الحكاية الأصلية وجاذبيتها.  يضيف كليشي: "كي تتمكني من الحديث عن أستريكس لسكان المعمورة أجمعين، عليك تذكير الجمهور بأشياء كثيرة ... وسيكون هذا الأمر مُملاً بالنسبة لأولئك الذين يعرفون القصة للتو."

كانت مشاهدة الفيلم باللغة الإنكليزية، بالنسبة لي أنا كمواطنة فرنسية، تجربة مثيرة للاهتمام. من منظوري، فإن فيلم "أستريكس: سر الجرعة السحرية" هو فيلم ناجح على مستويات عدة - إلى حد بعيد، مثل الأفلام التي تنتجها شركة بيكسار. هناك الحبكة الرئيسية التي يمكن أن يفهمها أي متفرج بغض النظر عن جنسيته (حيث يدرك كاهن القرية بانوراميكس الذي يحمل اسم غيتافيكس في النسخة الإنكليزية، أن نهاية خدمته باتت وشيكة ويقرر أن يبحث عن شخص يخلفه ويشاركه وصفة تحضير الجرعة السحرية السرية الخاصة به).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ثم هناك إشارات محددة قد لا تكون واضحة تماماً للمشاهدين غير الفرنسيين (مثلاً، نرى فتاة اسمها بكتين، يتوجب عليها الظهور بشخصية صبي كي تكون مقبولة بين زملائها كهنة بانوراميكس، وبالتالي يُطلب منها أن تجيب عن أي سؤال يواجهها بقول "بففففت" وهي تزم شفتيها، وهذه طريقة رد فرنسية نمطية تشير إلى قلة المعرفة و/ أو الاهتمام، لكنها ليست أسلوب كلام معروفاً بشكل واضح خارج فرنسا).. والأهم من ذلك كله، هناك إشارات قد يصعب فهمها حتى على الفرنسيين - بالتحديد تلك الإشارات إلى سلسلة "كاميلوت" الكوميدية التي كتبها وأخرجها وقام ببطولتها أستير، وهي إعادة سرد لأسطورة الملك آرثر التي لا تزال تحظى بشعبية لدى الجمهور الفرنسي ولكنها قد لا تكون معروفة بالنسبة للمشاهدين الأصغر سناً.

تجدر الإشارة إلى أن شركة بيكسار، التي عمل فيها كليشي لمدة ثلاث سنوات تقريباً ( قام خلالها بتحريك مشاهد في فيلمي "وول إي" و "آپ")، قد أنشأت نمطاً له كيانه الخاص من خلال إصدار أفلام قد تبدو ظاهرياً مخصصة للأطفال ولكنها تنطوي على إشارات أكثر عمقاً للبالغين، دون أن يؤثر ذلك على درجة استمتاع الجميع. ينطبق الأمر ذاته هنا: حيث يقول كليشي، إذا لم يتمكن الناس من فهم تلميحات إلى كاميلوت بين الحين والآخر، فإن ذلك "ليس بالمشكلة الكبيرة" - فما زال بإمكانهم التركيز على الكثير من الأمور.

من ناحية أخرى، إن توقيت إصدار أستريكس في المملكة المتحدة مثير للاهتمام بالتأكيد. في نهاية المطاف، أليس كل من أستريكس وأوبليكس وبقية الغاليّين جزءً من بلد منغلق هدفه الرئيسي هو حماية هويته ضد التأثيرات الخارجية؟ وهي قصة تكتسب أهمية إضافية في وقت تمر فيه بريطانيا بجدال حول خروجها من الاتحاد الأوروبي. يقول كليشي: "صحيح أن قصة أستريكس بالعموم مضحكة للغاية إزاء بما يحدث هناك"، رغم ذلك، فهو يوضح أن حكاية الفيلم، وجوهره، هي عن بانوراميكس، وليس عن الديبلوماسية التي باتت جزءًا لا يتجزأ من تركيبة امتياز القصص منذ انطلاقها قبل ستة عقود من الزمن.

إذن، كيف يمكن للمرء أن يقدم امتيازاً مثل أستريكس إلى العالم؟ أولاً، قام كليشي وأستير (الذي شارك أيضاً عام 2014 في فيلم "أستريكس: قصور الآلهة" بتقديم الفيلم باللغة الفرنسية. أما من الناحية الفنية، فكان لكل واحد منهما مهام منفصلة، تم تحديدها بشكل واضح في عقود العمل الخاصة بهما، لكن بطبيعة الحال، راحت الحدود تتلاشى بمجرد أن بدآ العمل سوية. ومع ذلك، كتب أستير القصة، بينما أشرف كليشي على جُل عملية تحريك الرسوم في الفيلم.  ثم كان هناك الجزء المتعلق بترجمة العمل، والذي قام المنتجون بتولي مهمته في الغالب. بكل الأحوال، كان كليشي معيناً إلى حد ما بهذا الجانب - ومما يثير الدهشة بالفعل، أنه وجد بعض النواحي في الفيلم ، عندما تقديمها باللغة الإنكليزية، أكثر نجاحاً مما كانت عليه بالفرنسية.

ليس استخدام مفردات عالية الجودة الإسهامَ الوحيد الذي يقدمه العالم الناطق باللغة الإنكليزية إلى فيلم "أستريكس: سر الجرعة السحرية". حيث أغنت التجربة التي اكتسبها كليشي في بيكسار صياغة قصة العمل أيضاً. وكما يقول: "إن القصة هي الملكة" في عالم الرسوم المتحركة الأميركية و"عليك أن تتأكدي حقاً من أن القصة ناجحة، حتى لو عنى ذلك أن تضطري إلى إعادة القيام بالأشياء مرة أخرى، أو حتى التخلص من نكتة جيدة لا تخدم القصة ... هذا هو منطقهم. وبشكل عام، لديهم مهارات رائعة ساعدتني بشكل كبير".

من جهة أخرى، فإن كليشي، وهو رجل رسوم متحركة قلباً وقالباً، ، ليس معجباً جداً بالنسخ الحية التي قُدمت في السابق لقصص أستريكس. حتى الآن، يوجد أربعة أفلام، اُصدرت بين عامي 1999 و 2012. ويقول: "بشكل طبيعي، أنا لا أحب  تقديم الكتب المصورة على شكل أفلام حية. أنت تفقدين كل شيء. يجب عليك إلصاق صفات بشرية على أشياء لا ينبغي أن تكون بشرية". لكن فيلماً واحداً فقط يحظى بإعجابه من بين الأفلام الحركية الأربعة، وهو فيلم "أستريكس: مهمة كليوباترا" الذي أنتج عام 2002 (وهو إشارة لعمل كلاسيكي بالنسبة للفرنسيين المولودين في فترة التسعينيات من القرن الماضي). ويتابع كليشي: " لقد أضحكني الفيلم، مثل أي شخص آخر ... أنا أجد بقية الأعمال الأخرى سيئة للغاية. لا أفهم الهدف منها."

إذن، ماذا عن أفلام مارفل للأبطال الخارقين؟ يبدو أنها نجحت بلا ريب في تقديم القصص المصورة كشخصيات حية على الشاشة. ويعترف كليشي أن "أفلام مارفل تتبع نهجاً واقعياً جداً في تعاملها مع القصص المصورة. حيث تتمتع الشخصيات بصبغة إنسانية تامة، كما أنها تتطور. أظن أنها وسيلة أفضل [للمعالجات السينمائية الحية] ... لكن هذا التوجه المتمثل في تحويل كل أفلام ديزني إلى أفلام مؤنسنة ... أعتقد أنه لا يقدم أي جديد على الإطلاق، باستثناء إحياء شخصيات بارزة معروفة جداً ستحقق بعض الأرباح".

© The Independent

المزيد من سينما