سياحة بريكست... شاهد على الانقسام البريطاني

الرايات المتناقضة جذبت الزوار... والوافدون يلتقطون الصور الشخصية وسط اختلافات أيديولوجية

محيط مبنى البرلمان البريطاني صار قبلة للسياح لتوثيق الخلاف حول بريكست والتقاط الصور الشخصيَّة (أ.ف.ب)

عَرِفت لندن على مدار تاريخها الحديث كل أنواع السيَّاحة: ثقافيَّة، وترفيهيَّة، وتاريخيَّة، وفنيَّة، واستشفائيَّة، ورياضيَّة. وبعدما ظنَّ أهلها أنهم شهدوا كل ما يمكن أن يخطر على بالٍ أو يطرأ على فكرٍ من أنواع الأنشطة التي يمكن أن يمارسها الزوَّار القادمون إلى المدينة التي تستقبل كل عام نحو 19 مليون زائر من بلاد العالم، إذ بسياحة البريكست تنتعش وتزدهر.

محيط مبنى البرلمان البريطاني يشهد هذه الأيام حركة أكبر من المعتاد من قبل السيَّاح الذين يمضون وقتاً أطول في المكان تفقداً لحراك البريكست واطلاعاً على صخب الخروج وتصويراً لآمال البقاء، مع الحرص على التقاط الصور الشخصيَّة على خلفية التراشقات اللفظيَّة والاحتكاكات الأيديولوجية التي تعمل الشرطة المنتشرة بكثافة على إبقائها على نار هادئة.

الهدوء الذي يلوح على مرمى البصر من الجانب الآخر لنهر التمز يتحوَّل إلى أصوات مبحوحة تهتف للخروج، وخطب مرصوصة تعظ بالبقاء، وثالثة قررت أن تفتئت على الأجواء الملتهبة والكاميرات المنتصبة وجحافل السيَّاح المنكفئة من أجل "سيلفي مع البريكست".

ذكريات بريكست
عائلة إسبانية اصطفت على بعد خطوات قليلة من خطيب مفوَّه يصرخ من أجل الخروج اليوم لا غداً وسط هتاف زاعق وتصفيق حاد من مجموعة من أنصار الخروج.

ملامح الوجوه الهاتفة ذات المشاعر الملتهبة لفرط كلمات التهديد وعبارات الوعيد بالمستقبل الذي ينتظر بريطانيا حال التفافها على الديموقراطية التي اختارت الخروج تقف على طرف نقيض من ملامح وجوه العائلة، حيث الابتسامات تكسو الوجوه، وأجواء البهجة تهيمن على اللقطة.

يقول الأب، "مسألة بقاء بريطانيا بالاتحاد الأوروبي أو خروجها لا تعنيني كثيراً، لكن ما يهمني في هذه الرحلة أن أوثق الأجواء التي فوجئت بها لدى زيارتي وأسرتي محيط وستمنستر، لأنها ستكون جزءاً من الذكريات".

ذكريات السيَّاح الموجودين في محيط وستمنستر هذه الأيام لن تحوي فقط صور المبنى العريق الذي شُيّد في سبعينيات القرن الـ19، لكنها ستتضمن كذلك توثيقاً لحالة الانقسام الحاد في بريطانيا تجاه الخروج أو البقاء في الاتحاد الأوروبي.

مجموعة من الشباب والشابات اليابانيين انتدبوا أحدهم ليستأذن حامل راية "الاستقلال" الضخمة ذي البنيان الضخم والعينين الغاضبتين ليلتقطوا صورةً معه، وافق الرجل على مضض، وبمجرد أن أحاطته المجموعة ابتسم ابتسامةً باهتةً، لكن لم يكتب لها البقاء بعد ما سُئِل: هل أنت مع أم ضد الخروج؟ طالبهم الرجل بـ"غوغلة يوكيب" ليحصلوا على الرد.

"يوكيب" يميناً
ردود كثيرة يسمعها السيَّاح لإجاباتهم عن البريكست وأجوائه العجيبة التي لا يفهمها كثيرون. راية "يوكيب" التي يحملها الرجل تشير إلى حزب الاستقلال البريطاني اليميني الذي يصفه البعض بـ"المتطرف" و"عدو الاتحاد"، الذي يعارض الاتحاد الأوروبي، ويدعو ويدعم فكرة الخروج، ويبذل جهوداً عاتية للتمسُّك بها هذه الآونة، خوفاً من "الانقلاب على الديموقراطيَّة".

"I Voted Leave"  "EU Later" "أراك (الاتحاد الأوروبي) لاحقاً"، و"صوَّت من أجل الخروج"، وغيرها من العبارات المطالبة بالخروج العاجل و"Cancel Brexit" "Citizen of Europe" "مواطن أوروبا" و"الغوا الخروج" عبارات مطبوعة على تيشيرتات يشتريها السيَّاح لتخليد ذكرى الزيارة بريطانيا، ومعها أكواب عليها صورة الملكة إليزابيث ومغناطيس يوضع على الثلاجة عليه "أنا أحب لندن".

أحد باعة الهدايا التذكارية يقول إنه "لا يعتقد أن السيَّاح الذين يشترون التيشيرتات المطبوع عليها عبارات تعكس موافقة أو معارضة على الخروج من الاتحاد الأوروبي يعتنقون توجهات أيديولوجية بعينها".

ويضيف "في الأغلب يتوافدون على محيط وستمنستر هذه الأيام لالتقاط صور معارضي ومؤيدي بريكست، وتصوير أنفسهم معهم كجزء من الرحلة السياحية التي يزورون فيها بريطانيا".

أُجريت دراسة أشارت إلى انخفاض أعداد السيَّاح القادمين إلى بريطانيا منذ الاستطلاع الذي صوتت فيه بـ"الخروج" من الاتحاد الأوروبي.

وحسب الدراسة، فإن الاهتمام ببريطانيا بعد "بريكست" انخفض من 76% في أغسطس (آب) 2017 إلى 69% في أغسطس (آب) 2018، مع توقعات أن يستمر الانخفاض هذا العام.

خروج أو بقاء في الاتحاد
هذه الأيام تعيش بريطانيا أوقاتاً صعبة بين خروج وبقاء في الاتحاد الأوروبي مع انقسام غير مسبوق، لكنها في الوقت نفسه تعيش مشهداً سياحياً غير مسبوق أيضاً بعد ما تحوَّلت تظاهرات ورايات "بريكست" المتنافرة والمضادة لبعضها بعضا إلى نقطة جذب للزوار.

يقول أحد رجال الشرطة المكلفين بتأمين محيط وستمنستر ضاحكاً "على مدى عشرات السنوات، يحرص السيَّاح على زيارة سبيكرز كورنر (ركن المتحدثين) في متنزه هايد بارك، إذ كانوا يستمعون ويستمتعون بأصحاب الآراء والمواقف والتوجهات السياسية والدينية والفكرية والفلسفية والهزلية المختلفة. يخطبون في الناس، ويتجاذبون أطراف الحديث صباح كل أحد، وربما يتراشق الخطباء فيما بينهم وسط متابعة الحضور، ويعشق السيَّاح التقاط الصور لهم ومعهم".

ويضيف، "اليوم أصبح لدينا ركنان للمتحدثين، الأول لجميع الأفكار والتوجهات ومكانه هايد بارك كورنر، والثاني محلي خاص ببريطانيا هنا في وستمنستر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جانب من جذب "بريكست" السيَّاحة يكمن في متابعة وتصوير رجال ونساء الشرطة المنتشرين في المكان. السيَّاح القادمون من مشارق الأرض ومغاربها لا يأتون بالضرورة من بلدان تعي وقوف رجال الشرطة على الحياد من طرفي نقيض المتظاهرين.

الصور الملتقطة توثق ابتسامات هادئة محسوبة لأفراد الشرطة وسط رايات متناقضة للخروج والبقاء، ومعها أفراد أتوا من هنا وهناك يطالبون بترشيد استخدام البلاستيك الذي يدمر الكوكب أو الرجوع إلى الله لتخليص الأرض من الأوجاع أو التدخل لإنقاذ كشمير، وذلك على خلفية منزوعة الأيديولوجيات ملتقطة في مجتمع عميق الانقسامات.

ويشرف على هذا المشهد السيَّاحي الغريب تشرشل بنفسه إشرافة غريبة. المنطقة العامرة بالتماثيل التاريخية والنصب التذكارية التي يمثل كل منها لقطة ضاربة في عمق تاريخ مسيرة بريطانيا تحوي تمثالاً لرئيس وزراء بريطانيا الراحل الأشهر ونستون تشرشل متكئاً على عصاه بيد والثانية في جيبه.

فكرة التمثال المنحوت على يد النحات أيفور روبرتس جونز مأخوذة من صورة فوتوغرافية شهيرة التقطت لتشرشل ليلة الـ10 من مايو (أيار) عام 1941 عقب قذف غرف مجلس العموم بالقنابل.

التمثال تعرَّض لكثير من النقد وقت نحته بسبب هيئة جسم تشرشل و"الطريقة التي ينظر بها، وكأنه ينظر إلى موسوليني"، وهو ما يستوقف آلاف السيَّاح لالتقاط الصور مع هذه الوضعية المثيرة.

المثير للتدبر والتفكر والتقاط الصور كذلك لافتة صغيرة ثُبتت على السور الحديدي للبرلمان، الذي يخضع لعملية ترميم وبناء برج جديد إلى جوار الكنيسة الملحقة به، تقول اللافتة "البرلمان مفتوح أثناء الهدم"، وهو ما اعتبره البعض من السيَّاح المفضلين لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي "لافتة خير من ألف كلمة"، ولقطة تستحق التصوير من أجل التوثيق السيَّاحي لبريكست.