الجزائري ياسمينة خضرا يروي جريمة اغتصاب... في طنجة

جو بوليسي وتفكيك لآليات المجتمع المغربي

الكاتب الجزائري الفرنكوفوني ياسمينة خضرا (اندبندنت عربية)

بعد رواياته الكبرى، مثل "ما يدين النهار به لليل" (2008)، وسردياته المكرَّسة لموضوع الإرهاب، مثل "الاعتداء" (2005) و"خليل" (2018)، يعود الكاتب الجزائري الفرنكفوني ياسمينة خضراء (واسمه الحقيقي محمد مولسهول) إلى شغفه الكتابي الأول، الرواية البوليسية، في عمله الأخير "الاعتداء على سارة إيكر" (دار "جوليار")، أو هذا ما يجعلنا نعتقد حين ننطلق في قراءتها.

وفعلاً، منذ الأسطر الأولى من هذه الرواية، يُسقطنا خضراء في قلب أحداثها المتسارعة، فنجد أنفسنا عالقين في خيوط حبكتها المشوِّقة، من حيث لا ندري، ونستسلم لها مغتبطين، من دون مقاومة. ولا عجب في ذلك، فالأسلوب الكتابي الذي يعتمده فيها سيّال، كالعادة، ومحرّكاتها السردية بسيطة لكن فعّالة، كما في جميع رواياته السابقة. لكن يجب التقدّم جيداً في قراءتها كي يتبيّن لنا أن التزام الكاتب فيها هو ليس حيث نظّن في بدايتها.

أحداث الرواية تقع في مدينة طنجة المغربية حيث يعيش بطلها، إدريس إيكر، وهو شاب ذو أصول ريفية فقيرة اختار في صغره الدراسة كي لا ينتهي راعي غنم مثل والده وإخوته. وهذا لا يعني أنه لم يكن يحترم أفراد عائلته، بل كل ما في الأمر هو أنه كان يريد أن يكون مختلفاً وأن يصعد قليلاً على السلّم الاجتماعي. ولذلك، بعد دراسته الحقوق وعدم تمكّنه من العمل في هذا الميدان، يدخل إلى مدرسة الشرطة على رغم علمه بأن تخرّجه كضابط مستحيل من دون واسطة لا يملكها. لكن في إحدى الليالي، يلتقي خلال سهرة بسارة، ابنة مدير المدرسة المذكورة. ولأنه يدرك جيداً أصوله المتواضعة، لا يفهم لماذا تختار هذه الشابة تمضية السهرة معه وتحاول إغراءه، في حين أنها من طبقة غير طبقته وجميلة إلى حد "يخال لنا أنها خارجة توّاً من رواية لترومان كابوتيه، بنظرتها الجريئة وسحرها العفيف". لكن حين يبتسم القدر لنا بهذه الطريقة، يتعذّر العبوس في وجهه.

هكذا نراه في زمن الرواية ضابط شرطة برتبة ملازم سعيداً في حياته الزوجية مع سارة. وكيف لا يكون كذلك، بما أن زواجه من هذه الشابة سمح له بتحقيق حلمه؟ لكن حياته لا تلبث أن تنقلب رأساً على عقب حين يعود في إحدى المساءات باكراً إلى منزله ويجد زوجته مقيَّدة بأغلال وممدَّدة على السرير عاريةً وغائبة عن الوعي، والكدمات تعلو جسدها...

الجريمة والشرف

وعبثاً سيحاول مدير الشرطة وزملاؤه إبعاده عن التحقيق في جريمة الاغتصاب هذه، ليس فقط لأن زوجته هي الضحية، بل لأن إدريس يدرك أيضاً بأنه لن يجد السلام مجدداً إلا إذا كشف هوية المجرم الذي مسّ بشرفه. ولذلك، بموازاة تحقيق الشرطة الرسمي، سيقود بمفرده تحقيقاً هلسياً يذهب به إلى مناطق وأحياء مختلفة من المدينة التي تتجلى لنا بكلّ رقيّها ووحشيتها في آنٍ واحد. لكن هل كان يمكن لهذا الشاب أن يحزر مسبقاً بأن حلّ هذه القضية سيؤدّي إلى شرٍّ أكبر من ذلك الذي تعرّض له هو وزوجته؟

بعض النقّاد في فرنسا وصفوا هذه الرواية من دون تردد بـ "البوليسية". لكن هل هي كذلك حقاً؟ فأبعد من التحقيق الذي سيقوده بطلها، يتابع كاتبها بحثاً من نوعٍ آخر: تفكيك آليات المجتمعات المغاربية ومساءلة ظروف حياة المرأة فيها ومدى حقّها في الكلام والإغراء والمتعة والحب. وبقيامه بذلك، يسلّط ضوءاً كاشفاً على حسّ الشرف المرهف في هذه المجتمعات، ومنطقتنا العربية ككُلّ، الذي غالباً ما يقود إلى مآسٍ ما أن نمسّ به.

وفعلاً، بعد حادثة الاغتصاب، كان من المنطق أن يتقرّب إدريس من سارة ويجهد في مواساتها ويساعدها على الخروج من الصدمة الكبيرة التي تلقّتها. لكن بدلاً من ذلك، يتّبع سلوكاً آخر فينطوي على نفسه ويرفض أي اتصال جسدي بها، قبل أن ينطلق في بحثه المسعور عن المجرم.

وثمة هدف آخر يسعى خضراء خلفه وينجح في بلوغه داخل هذه الرواية، ونقصد كشفه كيف يتحوّل الإنسان إلى عبدٍ يخدم سيّده في مجتمع تتحكّم به المحسوبية ويعاني من تباين صارخ بين الطبقات الاجتماعية على مستوى الحقوق والواجبات، وكيف يتمتع من يملك السلطة والعلاقات والثراء في هذا المجتمع بمعاملة تفضيلية حيثما يحلّ. وبقيامه بذلك، يتمكن الكاتب من فضح الآفات الناتجة من هذا الواقع، وفي مقدّمها الفساد المتفشّي في دوائر السلطة الذي يتجلى في عمليات الاحتيال والرشوى داخل الإدارات العامة، والتعسّف في استخدام السلطة الذي يتجلى في العنف المجاني الذي تمارسه عناصر الشرطة على الضعفاء.

تشويق سيكولوجي

وعلى ضوء كل ذلك، نعيد طرح السؤال: هل هذا العمل هو رواية بوليسية؟ نعم، لكن فقط في ظاهره. ففي العمق، إنه رواية سياسية بامتياز، إلى جانب كونه رواية إثارة (thriller) تمسك بأنفاسنا حتى الصفحة الأخيرة بجانبها السيكولوجي. فصحيح أن اغتصاب سارة يشكّل قصّتها المركزية، لكن بطلها هو إدريس. وصحيح أن هذا الرجل شرطي، لكنه أيضاً شخصية معقَّدة ومعتمة تعاني من حادثة الاغتصاب أكثر من الضحية نفسها. وعلى طول الرواية، يعمل الكاتب على تعرية ما يدور في خلدها.

لا نخفي أن ثمة قليلاً من الحشو في عملية السرد، لكن الرواية تبقى جيدة وآسِرة بالموضوعات الراهنة الكثيرة التي تقاربها بذكاء وبصيرة، وأيضاً بجُمَلها المحبوكة بخيطٍ من حرير، بصورها الشعرية المبتكَرة، بصرحها المشيَّد بإحكام، من دون أن ننسى عنصر التشويق الموظَّف جيداً فيها وتلك الطرافة التي تميّز كتابة خضراء وتحضر في هذا النص بلمسات خفيفة تلطّف قسوة مضمونه.

يبقى أن نشير إلى أن "الاعتداء على سارة" ليست سوى الجزء الأول من ثلاثية، وهو ما يفسّر خاتمتها الصاعقة وغير المتوقّعة التي تتركنا على عطشنا وتجعلنا تتنظر بفارغ الصبر جزأيها التاليين لمعرفة مآل قصّتها.

المزيد من ثقافة