ثلاثة أفلام وثّقت اليوم الذي غيّر وجه التاريخ… تعددت الروايات والكارثة واحدة

اعمال سينمائية جمعت بين السرد والتوثيق البصري لتنقل حادثة تفوق التصور

لطالما كانت السينما الأميركية سبّاقة في "أفلمة" الحدث السياسي بعد وقت قصير على وقوعه. من الحروب التي شنّتها أميركا في أنحاء مختلفة من العالم إلى فضائحها وأزماتها، كان السينمائيون، سواء الذين يعملون في هوليوود أو على هامشها، يسارعون إلى توثيقها على الشاشة، وهذا أحد الأسباب الذي جعل السينما الأميركية الأكثر ديناميكيةً في العالم. وكغيره من الأحداث والمآسي والخضّات والكوارث، ألهم اعتداء 11 سبتمبر (أيلول) 2001 عدداً من السينمائيين الذين ألفوا سابقاً التحرش بوكر الدبابير، أبرزهم بول غرينغراس الذي وثّق عملية خطف الطائرة التي وقعت في بنسيلفانيا يوم 11 سبتمبر ، ومايكل مور الذي حكى عن اليوم المشؤوم من خلال جورج دبليو بوش، نزيل البيت الأبيض آنذاك، وأخيراً المشاكس أوليفر ستون، الذي جاء برؤية رسمية وعاطفية لـ11 سبتمبر ، تناولها من خلال رجال الإطفاء يخمدون النيران فوق ركام مركز التجارة العالمي. في الآتي، إطلالة على الأفلام الثلاثة التي تُعد أهم ما قيل سينمائياً في هذا الحدث الذي غيّر وجه التاريخ إلى الأبد. تعددت الروايات والكارثة واحدة. 

"يونايتد 93" لبول غرينغراس

أول فيلم روائي طويل عن الحادي عشر من سبتمبر. ينطوي النصّ السينمائي على وثائق وأبحاث وشهادات عائلات الضحايا الذين قضوا إثر خطف الطائرة الرابعة، وهي الطائرة التي تحطّمت في بنسيلفانيا، ولكن بعدما انتفض ركّابها على خاطفيهم، للأسف بلا نتيجة.  

هذه الطائرة حوّلها غرينغراس نعشاً متحركاً في انتظار لحظة إغلاقه كلياً على المسافرين الضحايا. العشرات منهم لقوا حتفهم في نهاية الرحلة، لكن غرينغراس ينحاز إلى "قاعدة هيتشكوك" التي تضعنا أمام حالة من الهلع والتشويق: نعلم أن القنبلة ستنفجر، لكن لا نعلم متى ولا نعلم الأضرار التي ستلحقها. 

ساعة وخمسة وأربعون دقيقة هي الفترة التي نعيش فيها على أعصابنا. يحملنا الفيلم من غرف المراقبة في المطار إلى مقصورة الركاب. أما القلق فهو يتعقّبنا. يأتي غرينغراس بعمل محمل بهمّ نقل معلومات ليس لغير السينما القدرة على نقلها للمُشاهد. السينما هي الوحيدة القادرة على وضعنا في جلد الشخصيات وتحسيسنا ما حسوا به لحظات قبل رؤيتهم للموت بأم عينيهم. 

الفيلم يحرص على مفاجأة الطرفين: العربي والغربي. لا يوجد تسطيح للشخصيات. يرفض الفيلم التنميط والكليشيه والاستهتار بمظهر الآخر. الإرهابيون الذين تسللوا داخل الطائرة ليسوا أصحاب لحى طويلة وأزياء تشير إلى عقيدة. هم مثل أي مواطن "عادي"، لا يميزهم شيء عن أي راكب آخر على متن الطائرة.

من خلال تصوير الحادثة الوحيدة التي لم يوثّقها التلفزيون في ذلك اليوم، يعرف غرينغراس كيف يستعمل الموارد البصرية لهز القلوب وصناعة حالة من التعاطف. السيناريو يعطي الانطباع بأنه من تأليف ساعاتي أو ميكانيكي يضيف بلمساته بعضاً من الترتيب على شيء كان ضائعاً وسط كم المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام. لملم الفيلم أجزاء الرواية المبعثرة، من دون أن يكون في نيته إرضاء صنّاع القرار في أميركا وقادة الحرب على الإرهاب من ناحية، ومراعاة شعور العرب من ناحية أخرى. 

من السذاجة الاعتقاد أن غرينغراس موضوعي، إذ لا موضوعية في توثيق لحظة كهذه على الشاشة. إلا أن ما هو مؤكد هو أنه يتعالى على صغائر الأمور في الصدام الأيديولوجي الحاصل بين الذين تلقوا الضربة الموجعة ومَن قرروا معاقبة أميركا.

بعضهم قد لا يصدّق هذا، لكن على الرغم من كلّ شيء، لا تزال للغرب القدرة على صوغ نصّ سينمائي لا يكون مجرد رد فعل على الحوادث، الأمر الذي تعجز عنه سينمات أخرى، أقل ديناميكية منها. بهذا المعنى، يلقي الفيلم مسؤولية الاعتداء (فشل في المواجهة، وتأخّر في اتخاذ التدابير العسكرية) على الدولة الأميركية، في نوع من نقد محدود التأثير.

يتجاهل غرينغراس الخطاب الأخلاقي ويتغاضى عن بنود إعادة تجسيد مأساة سرعان ما ارتبطت بالذاكرة الجماعية الأميركية والعالمية. هذا كله بعد فقط خمسة أعوام على الكارثة، متخطياً معادلة الفاصل الزمني بين الحدث وتجسيده. في البداية، كان مأخوذاً بحلم صناعة فيلم وثائقي عن الحادثة، لكن عدم توافر شهود عيان حال دون تحقيقه. لذلك، أصبح الخيال تحت مجهره علماً. يعيد غرينغراس النظر في الشيء الذي يصنع مطلق أي فيلم مقتبس من الحقيقة، متسائلاً أيهما يأتي بسينما أكثر اتزاناً ووضوحاً وفاعلية: الأرشفة والدقّة في صناعة التفاصيل أو الاحتكام إلى حرية الخيال المعطاة للفنان؟

"فهرنهايت 9/11" لمايكل مور

لمايكل مور أهداف أخرى غير السينما. فهو مخرج مسيس حتى النخاع الشوكي. مؤلف كتاب "رجال بيض أغبياء" المشاغب على الدوام والمؤمن باستمرار في نظرية المؤامرة، فعل كلّ ما في وسعه من خلال "فاهرنهايت" لإبعاد رئيس بلاده جورج دبليو عن البيت الأبيض، بعد هجمات 11 سبتمبر. كأي مواطن، يملك مور الحقّ في الاعتراض، وكشف النقاب عمّا آل إليه الحلم الأميركي في زمن بوش، شغله الشاغل وعدوه اللدود. 

في هذا الفيلم الذي فاز بـ"السعفة الذهبية" في مهرجان كانّ 2004، يحقق مور في موضوعين أساسيين: وقع مأساة 11 سبتمبر وفساد الطبقة السياسية التي تحكم أميركا. ولكن يفترض قراءة الفيلم من منظور ساخر، وكل غوص في التفاصيل المتصلة بأدوات الإدانة المستخدمة من مور غير نافعة كونها تذهب في الاتجاه المعاكس لرغبات المخرج الذي أراد فيلماً مركباً هو بمنزلة مسودة فيلم، عفوي ومقلق، يرينا الغطرسة والجنون اللذين وقع فيهما عالمنا اليوم، بعدما أصبح في قبضة حكّام مصابين بعقدة العظمة ويعتقدون أنهم أصحاب مهمة تبشيرية ستنقذ الدنيا من نار جهنم. الفيلم أكثر من مجرد عمل وثائقي جدلي، فذ وجريء، وهو في الواقع رسالة هجاء، ترمي النار على الزيت.

الفيلم يوسّع الحدود الفاصلة بين أميركا التقدّمية وأميركا المحافظة. كنّا نعلم أن الرئيس الأميركي، يتميز بحبّه للحروب، لكننا كنا نجهل كيف أن شخصاً مثله استطاع تضليل الأميركيين حول الأسباب الفعلية التي كانت وراء غزو أفغانستان والعراق. أيضاً، من الاتهامات التي يوجّهها مور إلى رئيس بلاده هو عدم اهتمامه بشيء، وإهماله للمهمات التي انتُخب على أساسها. فبوش يمضي غالبية وقته في العطل، ولا تدوس قدماه البيت الأبيض، إلا في الحالات الطارئة. يزور المستندات ويلعّب أقرب المقربين إليه على رؤوس أصابعه، ويغش الكلّ، ويحرّف الحقائق لعلها تتماشى مع رؤيته السياسية وطموحاته. وكلما ازدادت سياسته خطورة، ازداد الفيلم لؤماً وتهكّماً. ومن خلال صور الأرشيف يرينا مور كيف أن وفداً من نظام طالبان زار تكساس في أواخر القرن الماضي، عندما كان لا يزال بوش حاكماً للولاية، لمناقشة خط الأنابيب، ويتطرق أيضاً إلى زيارة قام بها مبعوث طالباني إلى واشنطن، قبل أشهر من هجمات 11 سبتمبر، فيستغرب مور ويتعجّب: كيف من الممكن استقبال مبعوث ينتمي إلى نظام يحمي بن لادن ويفجّر السفارات الأميركية في الدول الأجنبية؟ 

"مركز التجارة العالمي" لأوليفر ستون

فيلم أوليفر ستون، اليوم بعد أكثر من عشر سنوات على خروجه إلى الصالات، يحتاج إلى إعادة نظر، قراءة جديدة، بعد سلسلة المقالات التي كُتبت عنه وقتها، تحت هول الصدمة، إذ كان العالم لا يزال يعيش تحت تأثير 11 سبتمبر. الفيلم بدا لنا عادياً وقتها، يخلو من وجهة نظر حقيقية على ما جرى في ذلك اليوم. "تسخيفه" للحدث أثار بعض الغضب: فانهيار البرجين صوّره ستون كما في أي من أفلام الكوارث التي باتت من اختصاص هوليوود منذ سحيق الزمن، مع الفرق الوحيد أن لا مؤثرات بصرية وصوتية تدعم الصدقية وتحاكي البصيرة وتصم الآذان. على الرغم من أن ستون كان ولا يزال ضد السلطة وواحداً من الذين فضحوا ممارستها على مر الزمن. لكن هنا انتقل إلى معسكرها، مجسّداً "النسخة الرسمية لمَا حدث". لم يستطع ستون أن يذهب أبعد من هذا. وقف على حافة النقد بخجل واحترام وتريث، متنكّراً لتاريخه وجذوره. الفيلم عن الحداد والعنفوان الوطني والوفاء. إلا أن نظرة ستون لا تخلو من كليشيهات ثقيلة وشخصيات نمطية وعرض مسطّح للقيم الأميركية ورومانسية مفرطة في طرح موضوع متشعّب. 

البطلان يجدان أنفسهما تحت الركام طوال مدة الفيلم. أحد الشرطيين لم يُسنح له المجال لمعانقة زوجته قبل الذهاب إلى العمل، الأمر الذي يحسسه بالندم. 

المُشاهد لا يسعه أن يفصل فكرة ورؤية وموقف المخرج ممّا جرى، عن الكلام الذي يخرج من أفواه الشخصيات. هل يتبنى ستون كلّ ما تقوله وتفعله شخصياته التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى؟

نخلص إلى رسالة مفادها بأن "11 سبتمبر علّمنا أن للخير وجوداً". وفي قراءة بين سطور الفيلم، فالولايات المتحدة خرجت من هذه الاعتداءات أكثر صلابةً وقوةً وحصانةً، لأنها لم تواجه الشر بالشر بل تلقّت الضربة واستوعبتها وتصالحت معها، وتعاطت معها بحكمة!

مجمل العمل لا يخرج من دائرة الميثولوجيات الأميركية المبنية على مبدأ مشاركة الألم والتضحية وإعطاء العائلة مفهوماً خاصاً. وفي هذا المجال، يبدي ستون التزاماً صارخاً بمبدأ الديماغوجية.

المزيد من سينما