مجزرة صبرا وشاتيلا في مقاربة روائية جديدة للفلسطيني أكرم مسلّم

الضحايا يروون مآسيهم في صيغة سردية مسرحية

 غلاف رواية اكرم مسلّم (الدار الاهلية)

في المشهد الفلسطينيّ، الممتدّ منذ نكبة 1948 على الأقلّ، إلى الآن، لا يمكن أن توجد، في آن واحد ، ضحيتّان، يهودية هي ضحيّة النازيّة، وفلسطينية عربية هي ضحية الدولة الإسرائيلية/ الصهيونية. المشهد لا يتّسع لضحيّتين. الضحيّة الأولى تحوّلت جزّاراً. في المشهد الآن ضحية واحدة، هي الفلسطينيّ، ضحية المجزرة الصهيونية، سواء كان في فلسطين المحتلة، أم كان من ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا الذين تمثّلهم الشاهدة "الحورية"، كما يرسمهم الروائي الفلسطينيّ أكرم مسلّم في روايته الجديدة "بنت من شاتيلا" (الدار الأهلية- عمّان 2019)، وهي الرابعة له بعد "هواجس الإسكندر"، "سيرة العقرب الذي يتصبب عرقًا" و"التبس الأمر على اللقلق".

"الذبابة ثقيلة جدًا. ذباب الجثث ثقيل جدًا. لقد خَبِرتُ ذلك جيداً"، تقول حورية الناجية من مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982، والتي يلتقيها الكاتبُ في مدينة هامبورغ الألمانية، عام 2004، "كنت جالسةً على عتبة البيت، العتبة عالية قليلاً، الباب الخشبي السميك مفتوح. جثة أمي وجثث أخواتي وإخوتي ورائي في الفناء. اضطر المصوّر للرجوع إلى الخلف؛ إلى داخل الفناء المقابل لفناء بيتنا. أراد أخذ مسافة كافية لنظهر جميعا في الصورة، فالعتبة ملاصقة للطريق، وطرق المخيم ضيقة جدًاً". وهي تكرّر عبارة "خبرت ذلك جيداً" غير مرة لتأكيد خبرتها.

حورية، الطفلة ذات الأعوام الستة، التي نجت بـ"التماوت" حين نفذ مجرمو "الكتائب" المجزرة برعاية شارون ودعمه وتغطيته، فيما قضت والدتها، وإخوتها وأخواتها: حيفا، وعلي، وجميلة، وحسام، ودلال، والجنين يونس. تظلّ هي الناجية الوحيدة، حتى يظهر أخٌ غير شقيق نجا أيضاً بالهروب مع خالته، ولم يشهد المجزرة.

حورية والمجزرة

الشهادة الأساسية على المجزرة هي شهادة حورية التي عملت لفترة راوية "موديلًا للمجزرة"، بوصفها ناجية جاءت إلى ألمانيا لترميم جرح في وجهها بقايا "جرح طويل غير منتظم الحواف على النصف غير المرئي من وجهها"، إثر إصابة من شظيّة، واستقرّت هناك، حيث تعمل ضمن فرقة مسرحيّة، أسّسها شبّان مغاربة، تحمل اسم "فنّ - شرق"، وتعزف الكمان، وتقيم تعود لعائلة يهوديّة سِيق أفرادها إلى معسكر الإبادة في أوشفيتز، تعزف ابنتهم، أو شبحها، على الكمان أيضًا.

في ألمانيا تلتقي "الشابّ الأنيق"، عام 2004، الباحث الفلسطيني القادم من رام الله، ليحاضر حول مجزرة "صبرا وشاتيلا"، هذا "الشابّ الأنيق" غير المُسمّى في الرواية يقع في غرام حورية التي تبادله الحبّ من دون أن تدري أن أخوها غير الشقيق، الناجي الثاني من المجزرة بالهرب مع خالته، حتى يأتي والدها الفدائيّ "الجمل" ليزورها من أجل "إنقاذها" من العلاقة، إذ يصدمها بحكاية الشابّ الأنيق وأنّه نتاج علاقة بينه هو الجمل وزوجة مقاتل صديق له.

يتحدث الكاتب عن مشاهدته المجزرة على التلفاز "وقف أبي حائلًا بيني وبين شاشة التلفزيون؛ كي لا أرى أكوام الجثث، ومنذ ذلك اليوم يسكنني هول ما رأيت خلسة، على حافّتين يتوسّطهما جسد لم يفلح في إخفاء الشاشة تمامًا، ومنذ يومئذٍ أحاول أن "أشوف" أكثر، ومنذ أدركت نفسي كاتباً، شعرت بدَين شخصيّ تجاه أكوام الجثث تلك، علّ روايتي تسدّد بعض الدَّين، علّها وعلّ هذا يُسهم بشيء ما في زمن تتحوّل فيه المجازر، وما يؤدّي إليها، إلى حدث شائع، في ما يحاول القتلة تقديم جرائمهم كمسؤوليّة ثقافيّة، بل وكاقتراح أخلاقيّ وإنسانيّ. تحدث أشياء من هذا القبيل، للأسف، ليس بعيدًا عن شاتيلا ذاتها".

تاريخ مأسوي

الرواية التي تبدو قصة المجزرة والعلاقة بين الحورية والشابّ الأنيق، توغل في التاريخ الفلسطيني، عبر محطّات فيه معروفة، بدءًا من نكبة عام 1948، ومعركة الكرامة 1968، واجتياح لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا 1982، والخروج من بيروت إلى تونس، والرجوع إلى فلسطين في عام 1994 وتأسيس السلطة الفلسطينيّة، ومعاناة الفلسطينيّين في الشتات، ومعاملة الأنظمة الرسميّة العربيّة عمومًا، إذ تأتي الحوادث في سياقات مختلفة، وربما بلا سياق محدد.

تتميّز هذه الرواية، عن غيرها ممّا كُتب عن المجزرة، بتركيزها على بناء شخصية الضحية الفلسطينية، سواء كان ضحية المجزرة نفسها أم سواها، وتتناول مقولات للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد حول موقع الضحيّة الفلسطينيّة وترحالها تاريخيّاً من "مجتمعات المقاومة" إلى "مجتمعات المعاناة". ففي معرض تفكيكه للصهيونيّة من وجهة نظر ضحاياها، كان سعيد يفضح الروابط العضويّة بين المشروع الصهيونيّ والإمبرياليّة الأوروبّيّة على مستوى النظريّة، والتنافذ الفعليّ بين الانتداب البريطانيّ والاستعمار الاستيطانيّ الصهيونيّ، على مستوى التطبيق في استعمار فلسطين، والتبعات الّتي نتجت عن ذلك التماهي على الشعب الفلسطينيّ الأصليّ في البلاد.

وعدا الشخصيتين الأساسيتين، تبرز شخصية والد حورية المدعو بـ"الجمل"، لقوته وصبره وخوضه المعركة تلو المعركة. وهو يحدد واحدًا من خطوط شخصيته وواقعه لينقل وجهة نظره غالباً فيجعله يقول مخاطباً ابنته "أنا فدائي، ليس دوري َشرح الانكسارات، بل منعها من التحول إلى وجهة نظر في الحياة... المجزرة مستمرة منذ "بلفور"، وكل ما نحاوله هو عرقلة القتَلة. ستلحق بنا فلسطين وإن توهّمنا الهرب منها، وستلحق بكِ إلى هنا". ويختم أنّ فلسطين، "تفرّق بين تجربة الثورة، وبين بؤس النموذج الذي قدّمته في تحولها إلى "سلطة انتقالية"...".

وفي فصل بعنوان "ملصق لشهيد بلا اسم"، وخارج سياق الحدث الرئيس/ المجزرة، نتعرّف على زوج "بنت لادن" التي تتحدّث عن كونه مسجوناً لدى الاستخبارات الجوية في بلد عربي معروف، و"هذا سجن عمل "النظام" بالممارسة على تكريس قناعة، وأن أحداً لن يعرف عنه شيئاً عند الناس أن داخله لا يخرج أبداً، وأن رئيس الجمهورية نفسه لا يمكن أن يتدخل في حال دخول أي متّهم سجون الإستخبارات الجوية".

يبدأ المؤلّف روايته على نحو مسرحيّ، ويختمها كما بدأها، "مشهد افتتاحي: مسرح معتم دون جمهور أو ممثلين. يُسمع فقط صوت أنثوي ممزّق من وراء ستارة سماوية. ّ"لا تتحركي" قال ذلك بلكنة غريبة لكنها مفهومة. قال المصور ذو الملامح الغربيّة...". وهو يقدّم شخوصَه ليروي كلّ حكايته/ دوره في الرواية، عبر السرد حينًا، والحوارات بين الشخوص حينًا آخر، والتأمّلات والحوارات الداخليّة (المونولوغ) حينًا ثالثًا. ولغويًّا، يقول المؤلّف، على لسان أحد شخوصه إن "الكلمات التي تحتاجها المجازر هي غير تلك التي في القواميس".

المزيد من ثقافة