هل يراهن العبادي على العودة إلى رئاسة الحكومة العراقية؟

بعدما خسر الانتخابات بسبب تحالفاته المتناقضة والاعتراض الإيراني على استمراره

يرى العبادي أن الضغط على إيران ربما يحد من نفوذها السياسي في العراق (أ.ف.ب)

يراقب زعيم ائتلاف النصر في البرلمان العراقي، حيدر العبادي، المشهد السياسي، متحيناً فرصة العودة إلى منصبه السابق، رئيساً للوزراء، إذ يعتقد المقربون منه أنه "البديل المناسب".

مثّل فشل العبادي، في الحفاظ على منصبه لأربع سنوات أخرى، مفاجأة في الوسط السياسي والإعلامي والشعبي في العام 2018، إذ ارتبط اسمه بسلسلة من الإنجازات خلال ولايته بين 2014 و2018.

اعتراض السيستاني

يتذكر العراقيون كيف صعد العبادي إلى هذا المنصب على عجل، عندما اعترض المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني، على استمرار نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق في ولايتين، إلى ولاية ثالثة.

دفع جناح في حزب الدعوة الإسلامية بالعبادي على عجل، ليخلف المالكي، سعياً إلى إبقاء المنصب داخل الحزب، وقد وجد هذا الترشيح تأييداً واسعاً، ليس لقيمة العبادي السياسية، وإنما حباً في التخلص من المالكي.

قبل ذلك، كان العبادي شغل منصب وزير الاتصالات في حكومة رئيس الوزراء إياد علاوي، قبل أن يصعد إلى رئاسة المكتب السياسي لحزب الدعوة الذي حكم البلاد بين 2005 و2018. ما يعني أنه لم يكن سياسياً مغموراً، لكنه لم يكن من قادة الصف الأول أيضاً.

داعش على الأسوار

تسلم العبادي مهماته رئيساً للوزراء في 2014 وسط إجماع سياسي شبه تام على دعمه، فتنظيم داعش في تلك اللحظة كان عند أسوار بغداد، بعدما أسقط نينوى وصلاح الدين، ومعظم أراضي الأنبار.

في ذلك الحين، كانت أسعار النفط على وشك أن تواجه انهياراً تاريخياً، لتفقد أكثر من نصف قيمتها. ما يعني أن على العبادي أن يقود الحرب ضد تنظيم داعش بخزينة حكومية خاوية.

سجل العبادي أول نجاحاته في معركة تحرير تكريت، مركز محافظة صلاح الدين، حيث مسقط الرئيس الراحل صدام حسين، العام 2015، عندما أشرف على العملية الأولى التي قاتل فيها الأميركيون جنباً إلى جنب مع الإيرانيين.

الاستفادة من التناقضات

كان الأميركيون يقودون قوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، وجبهتهم الرئيسة العراق حينذاك، ويعملون ضمن صفوف القوات العراقية، بينما كان المستشارون الإيرانيون يرافقون قوات الحشد الشعبي، التي تضم فصائل المقاومة الإسلامية المقربة من طهران.

في تلك اللحظة، بدأ الحديث من جانب ساسة ومحللين، عن "حكمة" و"هدوء" العبادي، وقدرته على جمع المتناقضين في جبهة واحدة، لتحقيق مصالح العراق.

لم تتوقف الانتصارات التي قادها العبادي على داعش لحين تحرير آخر المواقع العراقية من سيطرة داعش، ليعلن أواخر العام 2017 القضاء على القوة الرئيسة للتنظيم، واستعادة جميع الأراضي التي كان يحتلها.

عبور الأزمة الاقتصادية

ترافقت تطورات الحرب، بضغط اقتصادي هائل، إذ انحدرت أسعار النفط خلال حقبة العبادي من نحو 110 دولارات، إلى ما دون الخمسين دولاراً، ما مثّل مصدر فزع للعراقيين، الذين تعتمد موازنة بلادهم على البترول، مصدراً وحيداً، لتمويلها.

مع ذلك، خرجت البلاد من هذه المحنة متماسكة، وعلى الرغم من الاضطرار إلى سياسة تقشفية قاسية، تضمنت تخفيضاً للأجواء الحكومية وتوفير فرص عمل أقل، مع ديون داخلية وخارجية للدولة، إلا أن خبراء الاقتصاد قالوا في النهاية إن الحكومة نجحت في عبور الأزمة.

فضلاً عن الأمن والاقتصاد، يفخر العبادي علناً بإنجازاته في ملف العلاقات الخارجية، إذ نجح في تصحيح مسار العلاقات مع دول عربية عدة، في مقدمها السعودية، بعدما شهدت توتراً كبيراً في عهد سلفه المالكي.

الغرور السياسي

لكن جميع هذه الإنجازات لم تشفع للعبادي، كي يستمر في منصبه ولاية ثانية، إذ فشل في ترجمة نجاحاته على رأس الحكومة إلى مقاعد في البرلمان العراقي، بعدما تفوق عليه منافسان شرسان، الأول هو رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر، والثاني هو السياسي المقرب من إيران هادي العامري.

أعاد كثيرون سبب خسارة العبادي الكبيرة في الانتخابات إلى ارتباك موقفه السياسي قبيل لحظة الاقتراع، بعدما خرج ودخل في أكثر من تحالف سياسي من دون أن يوضح لجمهوره الأسباب، فضلاً عن استعانة قائمته الانتخابية المرشحة بشخصيات سياسية متهمة بالفساد والانتهازية والإسهام في بناء تجربة فاشلة خلال الأعوام التي تلت إطاحة صدام حسين في 2003، فيما يرى مراقبون أن الرجل أصيب بداء الغرور السياسي، إذ اعتمد على قراءة خاطئة، فحواها أن رصيد إنجازاته سيفرضه على الطبقة السياسية رئيساً للوزراء في ولاية ثانية، بسهولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الرغم من أن الصدر والعامري يتقاطعان بشدة، بسبب الموقف من إيران، إذ يريد الأول تحالفاً متوازناً يقوم على احترام المصالح المتبادلة، بينما يريد الثاني علاقة أقرب إلى التبعية، إلا أنهما اتفقا على استبدال حيدر العبادي بمرشح آخر، بعدما سجل حلفاء طهران اعتراضاً حاسماً على استمراره، فظهر اسم عادل عبدالمهدي، الذي كلف بتشكيل الحكومة الجديدة العام 2018.

خشي حلفاء طهران، من أن يؤدي استمرار العبادي في منصبه إلى فسح مجال أوسع للتيار السياسي الذي يطالب بعلاقات عراقية قوية مع المحيط العربي والدولي، والخروج من دائرة الموالاة الكلية لإيران.

لم يحاول العبادي التمسك بموقعه، كما فعل المالكي قبل أربع سنوات، بل عمد إلى تنظيم مراسم علنية لنقل السلطة، ما وضعه في دائرة تضم القلة من الساسة العراقيين الذين يوصفون بأنهم "رجال دولة".

في انتظار الفرصة

حاولت أطراف سياسية عديدة، بينها الصدر نفسه، إبقاء العبادي في الدائرة الحكومية، بترشيحه وزيراً للخارجية في حكومة عبدالمهدي مرة، ونائباً لرئيس الوزراء مرة أخرى، لكنه رفض.

لاحقاً، سرب مقربون منه ملامح خطته السياسية خلال المرحلة الجديدة، التي تقوم على الانتظار، إذ يعتقد العبادي أن التركيبة المتناقضة التي أنتجت عبدالمهدي ليست قابلة للصمود، وأن الخلاف السياسي العراقي بشأن الموقف من إيران، سيؤدي إلى انهيار التحالف الداعم لحكومة عبدالمهدي بين الصدر والعامري، وعندها ستكون الفرصة سانحة للعودة إلى منصب رئيس الوزراء.

عزز العبادي هذا الشعور، بمراوغته عندما يسأله الإعلام عما إذا كان راغباً في العودة إلى رئاسة الحكومة، وعادة ما يكتفي بابتسامة. فيما يشير مراقبون إلى أن رئيس الوزراء السابق يرى أن حملة الضغط التي تتعرض لها إيران، ربما تحد من نفوذها السياسي في العراق خلال المدى المنظور، ما يسمح له بالعودة إلى الواجهة.

المزيد من العالم العربي