المواجهة الحدودية الأخيرة في جنوب لبنان تذكي جمر الخلاف بين منطق "الدولة والدويلة"

واشنطن لم تحسم بعد مبدأ التمييز في أي إجراءات مستقبلية بين الحكومة اللبنانية وحزب الله

الحريري متحدثاً خلال مؤتمر عن نهر الليطاني في السراي الحكومي في بيروت (دالاتي ونهرا)

هل حقق حزب الله عبر الصاروخ الذي أطلقه على مركبة إسرائيلية ما تعهّد به أمينه العام حسن نصرالله برد قريب على اعتداء الضاحية الجنوبية في بيروت؟ وهل كان الصاروخ على منطقة أفيفيم، قرب حدود لبنان الجنوبية، الرد الأول على الغارة التي استهدفت عناصره في سوريا، فيما الرد الثاني على استهداف منطقته في بيروت بطائرتين مسيّرتين آتٍ بالتوقيت والمكان المناسبين وبالطرق المسيّرة، كما قال نصرالله؟ عندما سُئل رئيس الحكومة سعد الحريري بعد انتهاء الاجتماع السياسي - اﻻقتصادي في قصر بعبدا الاثنين، عن الاتصالات الدولية التي أجراها للحد من تصعيد الوضع على الحدود، أجاب "قمت بواجبي كرئيس للحكومة لوقف أي حرب محتملة على لبنان"، ليضيف سريعاً "الرد حصل وليس هناك ردٌّ آخر".

الحريري ونصرالله

بدا الحريري واثقاً مما يقوله لجهة أنّ رد حزب الله هو اﻷخير وأنّه نجح في إبعاد شبح توسع إسرائيل في ردها على لبنان، عبر القنوات الدبلوماسية على خطَّيْ الولايات المتحدة وفرنسا، لكن في اليوم ذاته، أطلّ الأمين العام لحزب الله معلناً أن "المقاومة ثبتت المعادلة وليست هناك خطوط حمراء، وانتقلت من الرد من أراضٍ لبنانية محتلة إلى أراضي فلسطين المحتلة". ويعني ذلك أن نصر الله أسقط كل الخطوط الحمر بمجرد إعلانه أن الجبهة بينه وبين إسرائيل، حدودها مفتوحة وغير مقيّدة بأي منطقة منزوعة السلاح حدّدها القرار 1701، الذي نص أيضاً على وقف العمليات العدائية جنوب الليطاني.

القرار 1701

كلام نصر الله استدعى رداً سريعاً من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي كتب في تغريدة "إلى فخامة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، هل أخذتم علماً قبل أو بعد كلام نصر الله أمس بإلغاء قرار مجلس الأمن 1701؟ وهل أنتم موافقون على ذلك؟". لم يعلق رئيس الجمهورية على كلام نصر الله ولم يرد على سؤال رئيس "القوات". في المقابل، رد الحريري في حديث تلفزيوني، مطمئناً إلى أن القرار 1701 لم يسقط ولا يزال موجوداً. وأكد أن الخطوط الحمراء ما زالت موجودة "والمهم أن نستمر في تطبيق القرار 1701".

هواجس جعجع

منذ حوالى خمسة أشهر عندما وقف نصرالله محذراً من أن الحرب على إيران لن تقف عند حدودها، وهدّد أميركا بأن طهران لن تكون وحدها في هذه الحرب، سارع جعجع إلى إيفاد وزير الإعلام السابق ملحم رياشي إلى قصر بعبدا والقصر الحكومي، الذي حمل إلى الرئيسين عون والحريري طلب رئيس القوات ضرورة التواصل مع نصرالله لعدم توريط لبنان بأي شكل من الأشكال في مسألة ﻻ تعنيه. وذكّر بأهمية التشديد على سياسة النأي بالنفس التي وردت في البيان الوزاري للحكومة الحالية. وبعد الاعتداء الإسرائيلي اﻷخير على بيروت، وفي خطابه في ذكرى شهداء القوات اللبنانية، جدد جعجع التزام لبنان بالصراع العربي - الإسرائيلي، لكنه رفض جر لبنان إلى أتون المواجهة الأميركية- الإيرانية، مذكّراً بأهمية إمساك الدولة وحدها قرار الحرب والسلم، ومحذراً من انتصار منطق الدويلة على الدولة. وعندما وقعت عملية أفيفيم وما أعقبها من كلام خطير لنصر الله، انتقل فيه من مبدأ الدفاع عن مزارع شبعا المحتلة وتحريرها لإبقاء سلاحه، إلى استعادة كل الحدود ومن الداخل الفلسطيني، اعتبر جعجع أن نصر الله تجاوز كل الخطوط الحمر، وتجاوز الدولة اللبنانية ممسكاً قرارها ومسقطاً القرار 1701، آخر خط دفاع دولي عن لبنان وأرضه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خطورة سقوط الـ1701 قد تكون نتائجها الأولية، ارتفاع أصوات بعض الدول المشاركة في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في الجنوب للمطالبة بإلغاء مهمتها، التي جددها مجلس الأمن منذ أيام، قبل كلام نصر الله. ويُدخِل كلام نصر الله لبنان وفق مصادر "القوات"، في مرحلة خطيرة، قد ﻻ يكون فيها تمييز بين الدولة والدويلة التي باتت هي المتحكمة بقرارات الدولة. وسقوط مبدأ التمييز يعني أنّ أي استهداف للدويلة سيصيب الدولة أيضاً، والعقوبات على الدويلة قد تشمل أيضاً الدولة. أما في الولايات المتحدة، فإن الموقف النهائي ممّا سمعه الأميركيون من عرض مفصل قدمه الحريري خلال زيارته إلى واشنطن عن ضرورة التمييز بالنسبة إلى أي إجراءات مستقبلية بين الحكومة اللبنانية وحزب الله، فلم يُحسم بعد.
أما العقوبات على وزراء في الحكومة اللبنانية وإمكانية شمولها وزير الخارجية جبران باسيل، فتتوقف على مدى الارتباط المالي للأخير، بحزب الله، إضافة إلى وجود أمور مالية مشتركة تجمع الحزب وباسيل أو التيار الوطني الحر الذي يرأسه، علماً أن قانون العقوبات الأميركية على حزب الله بصيغته المعدلة نصّ على وجوب تقديم تقارير دورية عن حلفاء حزب الله في لبنان، أي المتعاونين معه سياسياً ومنهم التيار الوطني الحر وأمل والمردة، يمكن أن تُستخدم ﻻحقاً لفرض العقوبات عليهم. وهذه التقارير لم تنجزها الإدارة الأميركية بعد ولم تصل إلى الكونغرس.

المزيد من العالم العربي