هل يوقف فايز السراج الحرب في ليبيا؟

حثت قمة السبع الكبار في باريس الأطراف في ليبيا على وقف القتال والعودة إلى العملية السياسية

يدعو السراج إلى عدم انتظار ما يعد في الخارج من قوالب بل يتوجب أن نكون مستعدين بمشروعنا الوطني (أ. ف. ب)

لا يزال رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج يعاني صعوبة في تفكيك ثنائية الحرب والسلام، بعد مرور خمسة أشهر على بدء عملية عسكرية أطلقها الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لـ "تحرير طرابلس من قبضة الميليشيات"، فيما أسهمت نتائج آخر لقاءاته بقيادات عسكرية وسياسية، تسيطر على قرار معسكر طرابلس، في وصوله إلى مرحلة متقدمة من أجل إقناعهم بضرورة القبول بوقف القتال والخضوع للإرادة الدولية في هذا الشأن.

نتائج اللقاء الذي جمع السراج بمن وصفهم مكتبه الإعلامي بـ "النخب والفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية لصوغ رؤية وطنية مشتركة تمكن بلادنا من تجاوز الأزمة الراهنة"، السبت الماضي، توقفت عند طلب السراج منهم "تقديم آرائهم وتصوراتهم لحلول عملية منطقية"، مشدداً على عدم انتظار "ما يعد في الخارج من قوالب، بل يتوجب أن نكون مستعدين بمشروعنا الوطني".

لكن الأبرز في كلمته قوله إن "لا مكان لحكم العسكر وكذلك لن نسمح بسيطرة التشكيلات المسلحة على مؤسسات الدولة وتكرار أخطاء الماضي"، في إشارة إلى سيطرة الميليشيات على قرار العاصمة في السنوات الماضية.

خطاب أكثر تحرراً

خطاب السراج الأخير يبدو أنه بات أكثر تحرراً وقوة. ما يعكس تفهم قيادات سياسية وعسكرية تقود الحرب ضد الجيش لضغوط المجتمع الدولي الرامية إلى وقف القتال وإحياء العملية السياسية، التي لا يبدو أن ملامحها قد اتضحت بعد.

وحثت قمة السبع الكبار في باريس، مؤخراً، الأطراف في ليبيا على وقف القتال والعودة إلى العملية السياسية من خلال عقد مؤتمر دولي تشارك فيه الأطراف المعنية على المستويين المحلي والإقليمي. وهي الدعوة التي وصفها المبعوث الأممي لدى ليبيا غسان سلامة بـ "التطور المشجع لترميم موقف دولي موحد من المسألة الليبية".

ويبدو أن ذهاب السراج للعمل على "صوغ رؤية وطنية مشتركة" جاء استجابة لمطالب دولية كمرحلة أولى من مراحل القبول بالحل السياسي. لكن تلك الرؤية يبدو أنها ستستهلك زمناً أطول، فأولى حدودها تشديده على رفض "سيطرة التشكيلات المسلحة على مؤسسات الدولة وتكرار أخطاء الماضي". ما يعني ضرورة تغيير خريطة السلاح والمواقع السياسية في طرابلس.

الخطوة التي يمكن قراءتها بالتحول الكبير في مسار كواليس الأحداث في طرابلس، لم تأت صدفة أو بشكل مفاجئ. فالصراع الخفي أبرزته تصريحات وانتقادات كبيرة في صفوف قادة التيار الإسلامي المتعدد الانتماءات المتنفذ في طرابلس، مثل دعوة مفتي البلاد المعزول والداعم لتيار الإسلام المتشدد الصادق الغرياني إلى استبدال حكومة الوفاق بـ "حكومة ثوار". كما وصفت قيادات تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين الليبية بيانات السراج التي عكست ميله لمطالب وقف القتال بـ "الخطب الانهزامية"، بل سرب المستشار السياسي للمؤتمر الوطني السابق أشرف الشح عبر شاشة إحدى الفضائيات الموالية للإسلاميين طلب السراج من وزرائه تقديم تصورات لكيفية وقف الحرب، خلال لقاء مغلق للحكومة، مضيفاً أن "السراج قال إن الحرب قد طالت ويجب الخروج منها بأقل الخسائر"، مشيراً إلى أن الاجتماع المغلق عقده السراج إثر رجوعه من إجازة عيد الأضحى التي قضاها في لندن.

مجبر على مجاراة خطة السلام

لكن في الوقت نفسه، أكدت مصادر في حكومة الوفاق بطرابلس لـ"اندبندنت عربية" أن ميل السراج للقبول بالحل السياسي وعمله على إقناع شركائه في معسكر طرابلس لا يعني قبولاً كلياً بخطة سلام في ظل التوازن الميداني الراهن، الذي يميل بشكل قوي لمصلحة الجيش، لكنه مجبر على مجاراته في الوقت نفسه ليس بسبب الضغوط الدولية التي يتعرض لها فحسب، بل أيضاً بسبب الحصار الذي تعيشه حكومته وقواته داخل طرابلس، بعد خسارتها كثيراً من قواعدها الخلفية في مصراته وطرابلس، لاسيما قواعد تسيير الطائرات المسيرة التركية التي تعتمد عليها في معركتها وقصف أكثر مخازن الذخيرة والأسلحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتؤكد تلك المصادر أن المساحة السياسية والعسكرية التي تتحرك فيها الحكومة وحلفاؤها المسلحون باتت ضيقة جداً. وأضافت "لقاء السراج بتلك النخب ونشر صور اللقاء كانا رسالة تهديد ضمنية، وحضور محافظ البنك المركزي في اللقاء إلى جانب السراج كان رسالة أوضح لزعماء الميليشيات لتذكيرهم بأن مصدر التمويل بيده".

وتكشف هذه المصادر تغييراً وشيكاً باستبعاد قيادات بارزة من المشهد في طرابلس، سيرتب استمرارها آثاراً سلبية في موقف الحكومة دولياً.

وبناءً على معلومات أكدتها تلك المصادر، فإن السراج لا يزال مصراً على رفض الجلوس مع المشير حفتر، ويحاول بشتى الطرق استبعاده بشكل شخصي. ومن تلك المحاولات قوله لمسؤول رفيع في إحدى الدول الغربية إنه يعترف بمؤسسة الجيش وجهودها في مكافحة الإرهاب وبسط الأمن، لكنه يتهم رئيسها المشير حفتر بـ"ارتكاب جرائم حرب في الماضي والحاضر"، ويطالب بضرورة تنحيته وتعيين ضباط آخرين لقيادة مؤسسة الجيش ليتسنى له إقناع قادة الميليشيات في طرابلس بالقبول بالحلول السياسية.

وعن مشروع الرؤية الوطنية المشتركة، تذكر المصادر أن السراج يسير حالياً في اتجاهين متوازيين، وفق نصائح تلقاها خلال لقاءات سرية عقدها مع عدد من مسؤولي دول تدعمه. الأول، باتجاه صوغ مشروع سياسي داخلي يتم إشراك أطياف مجتمعية واسعة في صناعته من بينها ضباط وسياسيون من شرق البلاد. والثاني، تعيين شخصيات جديدة في حكومته تتولى معالجة أبرز ملفين يمكن من خلالهما كسب تأييد دولي مجدداً، وهما ملف الإرهاب المهم بالنسبة إلى واشنطن، وملف الهجرة غير القانونية المهم بالنسبة إلى أوروبا.

المزيد من العالم العربي