نص الألماني برتولد بريخت… لا يحتمل مجانية اللعب المسرحي

"الإنسان الطيب في سيتشوان" في صيغة مصرية حرة

لقطة من المسرحية (اندبندنت عربية)

ليس سهلاً أن تكون إنساناً طيباً على الدوام. فالطيبة المطلقة ثمنها باهظ، وعليك أن تدفعه، بخاصة إذا كنت تحيا وسط عالم يعتبر الطيبة نوعاً من الضعف أو السذاجة، ويسعى إلى التهام صاحبها، والعالم، منذ الأزل وإلى الأبد، يفعلها.

هكذا تُمكن قراءة نص بروتولد بريخت "الإنسان الطيب في سيتشوان" الذي كتبه ما بين عامي 1938 و1940، وهي بالتأكيد ليست قراءة نهائية أو وحيدة، فثمة قراءات أخرى يمكن تقديمها للنص، وتلك طبيعة النصوص المهمة والكبرى التي تتعدد قراءاتها ودلالاتها. غير أن العرض الذي قدمته "فرقة كفر الشيخ"، ضمن عروض المهرجان القومي للمسرح المصري أخيراً، انحاز إلى هذه القراءة. وهذه الفرقة تتبع الهيئة العامة لقصور الثقافة (إحدى هيئات وزارة الثقافة المصرية)، ومعظم أعضائها هواة، وإن استعانوا- بحسب متطلبات العمل - بمخرجين وممثلين محترفين أو شبه محترفين. مخرج عرض "الإنسان الطيب في سيتشوان" سعيد منسي، وكذلك مهندس الديكور محمود الغريب، هما من الشباب الفنانين المحترفين وقدَّما عدداً من الأعمال المهمة، سواء مع المحترفين أو الهواة.

كان المخرج واعياً بطبيعة الفرقة التي يتعامل معها، وطبيعة جمهورها الذي لا تربطه علاقة قوية بالمسرح، ولذلك اختار تقديم "لعبته" في شكل بسيط، وإن أفصح عن عمق وعيه، وقدرته على توظيف ممثليه رافعاً شعار "كلٌ ميَّسرٌ لِما خُلِق له"، فنجحت خياراته في تقديم عرض أهلته جودته للمشاركة في المهرجان القومي للمسرح المصري، وهو أكبر المهرجانات المحلية التي تجمع أفضل ما تم تقديمه في الموسم المسرحي من جهات الإنتاج المختلفة سواء للهواة أو المحترفين. لم يلتزم سعيد منسي- لاعتبارات ربما اجتماعية ودينية- بالنص كاملاً، فالآلهة الثلاثة الذين أسقطهم بريخت من عليائهم إلى الأرض بحثاً عن إنسان طيب، تحوَّلوا إلى ثلاث شخصيات أسطورية فحسب. ولم يقترب من إنجاب البطلة "شن تي" من حبيبها من دون زواج، وإن قدَّمها كبائعة هوى وفي شكل عابر لا يكاد يلحظه المشاهد. لكن ذلك لم يؤثر في جوهر الدراما، الذي جاء متماسكاً في شكل ملحوظ. تأتي الشخصيات الأسطورية إلى إحدى القرى الصينية بحثاً عن إنسان طيب. يستعينون بسقَّاء القرية ليدبر لهم بيتاً يسكنون فيه، لكن جميع السكان يرفضونهم، باستثناء "شن تي" التي تمارس البغاء لتدبر حاجاتها وعلى رأسها إيجار البيت الذي تقيم فيه. يعتبرها القادمون إنسانة طيبة على الرغم من محاولتها نفي ذلك، ويمنحونها مبلغاً من المال تشتري به دكاناً لبيع السجاد (في النص الأصلي دكان لبيع التبغ). لكن الجميع، من فرط طيبتها، يحاولون استغلالها في شكل سيء، بمن في ذلك صاحب البيت الذي استأجرت منه الدكان، والحبيب الذي كان يعمل طياراً واستغنوا عنه ويحتاج مبلغاً من المال لكي يعود إلى عمله. وهكذا تجد نفسها مستنزفة، فقط لأنها طيبة، ما جعلها تضع قناعاً على وجهها مدعية إنها ابن عمها، ولتمارس قسوتها على مجتمعها، عبر هذا القناع، وتكتشف أن الطيبة الكاملة محض هراء أو خيال أو هي المستحيل الرابع بعد الغول والعنقاء والخل الوفي.

ماهية الطيبة

المشاهد يدرك ما يحدث، وهو ما كان المخرج حريصاً عليه، فهو دائماً ما يوحي للجمهور بأننا أمام لعبة مسرحية لنخرج منها في النهاية بمغزى ما، أو، إن شئت الدقة، بسؤالٍ ما حول ماهية الطيبة، وهل هناك خيرٌ مطلق وشر مطلق، أم أن الحياة تحتاج الاثنين معاً؟

وسط هذا اللعب لم يغفل المخرج عن الجماليات، فهو أولاً وأخيراً يقدم عملاً مسرحياً يجب أن تتوافر له الأدوات التي تجعله جاذباً وعاكساً في الوقت نفسه لقدراته وقدرات فريق عمله. اهتم بأن يعكس الديكور الذي صممه محمود الغريب منطق اللعب أيضاً، لكنه اللعب المحسوب بعناية. فهو ديكور رمزي، فلا قرية ولا محال تجارية ولا بيوت، فقط بعض "البانوهات" التي يشكل منها مناظره المسرحية. وهي نفسها "البانوهات" التي تشكل كل منظر بتحريكها على وضع معين، مع إسقاط بعضها من "السوفيته"، واستخدام أجساد الممثلين لتتشكل منها بيوت وطرقات وغيرها، وهو أيضاً ما يتوافق مع منطق اللعب. هذا بالإضافة إلى الأزياء التي حاولت أن تعكس الأجواء الصينية التي يدور فيها العمل. كل ذلك دعمته إضاءة نجحت في تشكيل الفراغ في شكل ناعم وثري ومتناغم مع أجواء العرض. فضلاً عن موسيقى صينية تم اختيارها كعنصر شجني يتماس هو الآخر مع " الشجن العام" الذي يعكسه العرض.

الممثلون الذين استعان بهم المخرج، وجميعهم هواة، كانوا عجينة طيعة بين يديه، شكَّل منهم عرضه وقدم من خلالهم رؤيته، وكان واضحاً مدى وعيهم بفكرة "لعبة المسرح"، أو منطق هذه الفكرة الذي يلح دائماً على أننا هنا نمثل. وهو ما يشير إلى التزام المخرج بالمنهج البريختي الذي يقوم على فكرة هدم الحائط الرابع وإشراك المشاهد في اللعبة، والمراوحة بين الوعظ والتسلية، وكذلك دفع المتفرج إلى التأمل والتفكير وطرح السؤال. ذلك كله تحقَّق في هذا العرض الذي كان بسيطاً في إنتاجه، لكنه كان- على الرغم من قلة الإمكانات- عميقاً ومؤثراً، ولم يكن مبالغاً في منافسته لعروض يقدمها محترفون بإمكانات إنتاجية ضخمة، ربما تصل إلى خمسين ضعف ما أُنفق على مثل هذا العرض.

التحدي الأكبر الذي واجهه المخرج هو أن "الإنسان الطيب"، مِن العروض التي بقيت في ذاكرة المهتمين بالمسرح منذ أن قدَّمه المخرج الراحل سعد أردش في ستينيات القرن الماضي بممثلين في حجم سميحة أيوب وعزت العلايلي. استغرق عرض أردش حوالى ثلاث ساعات ونصف الساعة، فجاء مخرجنا ليقدمه في حدود 90 دقيقة فقط وبممثلين هواة ونجح في أن يصنع إضافة واعية.

المزيد من ثقافة