Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بريطانيا تقلص الانفاق الاجتماعي فلا عجب أن الأطفال يسقطون في شراك العصابات

العقاب ليس الحل. نحتاج إلى استثمارات عاجلة في خدمات الشباب لثني الأطفال عن السعي وراء الكسب السريع من الاتجار بالمخدرات

ملصق حملة مساعدة الأطفال الواقعين في براثن عصابات المخدرات (موقع شرطة ليسترشاير.يوكاي)

تخيل حفلاً لأريانا غراندي حيث كل شاب تقريباً من الجمهور قد تعاطى الصنف الأول من المخدرات. هذه ليست تكهنات تافهة أو محض خيال، ولكنه واقع قاتم في بريطانيا الحديثة، حيث يتورط أكثر من 10,000 طفل في المملكة المتحدة حالياً في تجارة المخدرات عبر استغلال العصابات الأطفال والضعفاء لتوسيع عملها، استناداً إلى تقديرات بالغة الحذر صادرة عن الشرطة.

يُستقطب هؤلاء العبيد المعاصرين إلى شبكة منظمة للغاية تضم عدة آلاف من العصابات التي ترسل المخدرات من المدن إلى العملاء في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة. وهم أكثر فتوة مع ارتفاع عدد أطفال المدارس الابتدائية الذين يُستخدمون كمهربين أو سعاة في نقل المخدرات لعدم وجود سوابق لهم مع الشرطة. وتراجع عدد جرائم المخدرات في العديد من المدن في الواقع مع انتقال الأنشطة هذه إلى المناطق الريفية.

لا يمكننا ألا نحرك ساكناً بينما آلاف الشباب يُسلبون طفولتهم ويُغرر بهم بوعود وهمية من العاطفة والحماية من التنمر أو بمبالغ صغيرة تافهة أو حتى بالحلوى. فعندما يكون عمرك أقل من عشر سنوات، فإن جلّ ما تحلم بع هو أن تكون محبوباً – إذ لا تريد أن يضايقك أو حتى أن يلاحظك أحد. لذلك تستغل العصابات الشباب الضعفاء، وبمجرد خرقهم للقانون يصبح من الصعب عليهم للغاية التراجع دون التعرض لخطر الانتقام.

ويمثل كسر هذه الحلقة تحدياً كبيراً أمام الشرطة والعاملين الاجتماعيين. ففي وقت سابق من هذا العام، أطلقت شرطة مقاطعتي آفون وسوميرست برنامجاً رائدا ًلمحاولة توفير مخرج بديل من الإجرام، وقد تقصت قناة "بي بي سي" في فيلمها الوثائقي "فرونت لاين" هذه المساعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويستهدف البرنامج من تتراوح أعمارهم بين 16 و21 عاماً الذين سبق اعتقالهم بسبب تجارة المخدرات. وتقتضي المشاركة فيه تدريباً يصل إلى تسعة أشهر مع أحد المرشدين لاكتساب مهارات مهنية بدءاً من تعلم الملاكمة وإدارة الأعمال وإدارة الغضب وحتى القيادة، وقد صممت كلها لتأهيل المشاركين للعمل. لكن البرنامج هذا لا يتيح المشاركة سوى إلى 16 شخصاً في وقت واحد ممن لم تسبق إدانتهم جنائياً بسبب مخالفات جنسية أو جرائم عنيفة.

إلا أن البرنامج، الذي يعتمد على اتصالات المرشحين للمشاركة، لقي انتقادات بسبب استبداله العقوبات في حق المخالفين. وقد وصفه البعض بـ "الخيار الناعم،" لكن الشرطة تقول إن الأمر يستحق المحاولة، خصوصا وأنه في حال أُرسل المراهقون الى السجن فإن احتمال عودتهم إلى الجرائم مرتفع.

وفي الماضي، تم اختبار مثل هذه البرامج فقط مع متعاطي المخدرات، وليس المتاجرين في مقاطعات دورهام وكليفلاند وآفون وسومرست. وبالطبع فإن هذه البرامج محفوفة بالمخاطر وليس هناك ما يضمن الحصول على نتائج فورية، ولكن ما هو البديل؟ فهؤلاء الشباب غالباً ما ينقلون فحسب كميات صغيرة من المخدرات، وليسوا عادة من يستخدم المخدرات. وقد وجدوا أنفسهم عالقين في شراك إجرام العصابات التي تنشط في مناطقهم، وهي عصابات تسيطر على أحيائهم، وتزرع الخوف في أي شاب يجرؤ على تحديها.

ويشير تقرير حديث صادر عن منظمة "تشيلدرن سوسايتي" إلى إن عصابات تجارة المخدرات في إنجلترا وويلز وإيرلندا الشمالية تستهدف التلاميذ حتى في سن السابعة من العمر. وتتراوح أعمار الفئة الأكثر عرضة للاستغلال ما بين 14 و17 عاماً، بعضهم يعمل في مصانع حشيشة الكيف، وبعضهم الآخر ينقل المخدرات من مكان إلى آخر في أنحاء البلد بعد التغيب عن المدرسة والعمل تحت مرآنا كل يوم في الأسبوع.

وفي محاولة للتصدي لهذه المشكلة، خصصت وزارة الداخلية 3.6 مليون جنيه إسترليني لإنشاء مركز تنسيق وطني لكسر خطوط الإمداد بالمخدرات في عام 2018. وأدى الى اعتقال أكثر من 1600 شخص في العام الماضي. كما تستثمر الحكومة 22 مليون جنيه إسترليني في مشاريع "التدخل المبكر" – وهي قطرة في بحر عند الأخذ بالاعتبار  كون المشكلة وطنية وتشمل كل مدرسة في البلد. وأفادت معلومات كُشف عنها تحت بند حرية الإطلاع أن أكثر من 85 في المئة من جميع قوات الشرطة تعتقل الأطفال دون سن 16 عاماً للاتجار بالمخدرات من الصنف الأول. وعلى سبيل المثل، تُستدرج الفتيات بعضهن صغيرات في سن لا تزيد عن 12 عاماً إلى العصابات، ويتم اغتصابهن ثم "امتلاكهن" من قبل زعماء العصابات مقابل خدمات صغيرة.

من جانبها، تسعى الحكومة للتشدد مع تجار المخدرات، والتزمت تقديم 85 مليون جنيه إسترليني إضافياً إلى النيابة العامة للتصدي لجرائم العنف، ولكن العمل الحقيقي يجب أن يتم مع الأطفال الصغار في مدارس مدننا الذين يستدرجون إلى شبكات العصابات قبل أن يتمكنوا حتى من القراءة أو الكتابة بشكل صحيح. وبدلاً من التركيز على العقوبات، فإن الطريقة الأكثر فاعلية للمضي قدماً هي الاستثمار في أنشطة ما بعد المدرسة، وخدمات الشباب، ومراكز تقديم الاستشارة، والمزيد من الدورات العملية التي تمكن الشباب على وجه الخصوص من العمل بدلاً من السعي وراء الكسب السريع من تجارة المخدرات.

وتزعم الحكومة أنها تشعر بقلق بالغ إزاء ثقافة العصابات، لكن السياسيين خفّضوا تمويل الخدمات الاجتماعية وتمويل نوادي الشباب والمراكز الرياضية والأنشطة خارج المدرسة. فثمة قرار سياسي يقضي بحرمان أطفالنا من الموارد التي كانت متاحة أمام جميع الأجيال السابقة.

يجب أن تصبح المدارس الحديثة نقطة محورية في حياة الأطفال، إذ لا يمكن إلقاء التلاميذ في الشارع للتسكع خارج متجر للدجاج في الساعة 3 بعد ظهر كل يوم. وينبغي توفير أنشطة في الميكانيكا والسباكة والصيانة الكهربائية والطبخ والبستنة على سبيل المثل عند انتهاء الدروس الرسمية. ويجب تخصيص التمويل لتمديد الدراسة حتى صباح يوم السبت. أما حقيقة أن برنامج شرطة آفون وسومرست لا يستوعب سوى 16 شخصاً في وقت واحد فهو أمر محزن فعلياً.

قد أكون ساذجة، لكني أعتقد أن جميع الشباب لديهم إمكانات هائلة. إن الرابط بين حاجة كل طفل للقبول الاجتماعي والإغراء الذي توفره العضوية في إحدى العصابات لا يمكن بتره إلا من طريق توفير فرص للتألق واكتساب الثقة في النفس. أريد أن يحصل الأطفال على القدر نفسه من الفرص التي أتيحت لي، وهذا ليس بالكبير، أليس كذلك؟

© The Independent

المزيد من آراء