الركود الاقتصادي... أزمة مفتعلة أم مؤشرات لمرحلة صعبة؟

خبراء: التقلبات الحادة في الأسواق العالمية قد تكون البداية

هبوط الأسهم في البورصة الأميركية بسبب مخاوف الحرب التجارية مع الصين (أ.ف.ب)

آراء كثيرة وربما يناقض بعضها البعض، دراسات يقابلها دراسات أخرى، محللون يرون أن الاقتصاد الأميركي يقترب بقوة من الركود، يجدون أنفسهم في مواجهة مع خبراء يرون أن الموضوع لا يتعلق بالركود وأن الأزمة القائمة في الوقت الحالي ربما تكون مفتعلة.

ما يحدث على الساحة العالمية من توترات وحروب تجارية، وما استتبعها من دراسات وتحذيرات مستمرة بشأن التباطؤ والنمو العالمي، وبدء مرحلة ركود عنيفة تنطلق من السوق الأميركي، إلى أن شبهها البعض بأزمة مالية عالمية جديدة، كل ذلك قاد مراكز الدراسات إلى القول بأن الاقتصاد العالمي بالفعل على أبواب أزمة جديدة.

مقابل ذلك، يصر الرئيس الأميركي وفريق الإدارة الأميركية على أن الاقتصاد الأميركي لا يواجه أي مشاكل في الوقت الحالي، مستشهدين ببيانات ومعدلات النمو، وانخفاض معدلات البطالة إلى مستوى الـ"صفر"، هذا بخلاف أن الحروب التجارية التي يشعلها الرئيس دونالد ترمب بدأت تؤتي ثمارها وبالفعل أبرمت الولايات المتحدة صفقة تجارية جيدة مع إيران، فيما لا تزال الضغوط مستمرة على الصين لعقد صفقة تجارية يكون الرابح فيها هو الاقتصاد الأميركي.

لكن المعطيات القائمة هل تشير إلى أن هناك ركودا فعليا ينتظر الاقتصاد العالمي، وهل هذه المؤشرات كافية لأن يطلق البعض العنان لتوقعاتهم بالاقتراب من أزمة مالية عالمية جديدة، وما هو تأثير الركود المتوقع – حال حدوثه – على المستقبل السياسي للرئيس دونالد ترمب وخاصة في الانتخابات المقبلة؟..

الخبير الاقتصادي الدكتور صادق الركابي يرى أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو ركود اقتصادي قد يكون من الصعب احتواؤه من خلال السياسات النقدية للبنوك المركزية التي تقوم على حفض سعر الفائدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذه مؤشرات وبودار الركود

"الركابي" قال إن بوادر هذا الركود تتمثل في الحرب التجارية المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة، التي تعطل سلاسل التوريد العالمية المعقدة وتفرض على الشركات إنشاء سلاسل توريد جديدة. وهذا الأمر يعطل عجلة الإنتاج الصناعي المتباطئة أصلاً وينعكس سلباً على أرباح الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات ومعدلات النمو في الاقتصادات العالمية.

الاتجاه نحو بريكست من دون اتفاق سيؤثر سلباً على أداء الاقتصاد البريطاني وعلى أداء الجنيه الإسترليني، ما يرفع من معدلات التضخم ويزيد من تكلفة استيراد السلع والخدمات، ليس فقط للاقتصاد البريطاني وإنما للاقتصاد الأوروبي أيضاً.

وتراجع العائد على السندات الحكومية سواء أكان هذا في الاقتصاد الأميركي أو الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، واللافت في الأمر هو أن العائد على سندات الثلاثين سنة والعشر سنوات كان متراجعاً أكثر من العائد على سندات العامين ما يعني ضعف كبير في ثقة المستثمرين وترددهم في اتخاذ أي قرار بشأن الاستثمار.

وأضاف "وبمراجعة تاريخية وبيانية للاقتصاد العالمي نرى أن هذا الأمر يحدث قبيل أي ركود اقتصادي. أيضاً هناك تراجع ملحوظ في الاقتصاد الصيني خصوصا الإنتاج الصناعي وحتى الطلب المحلي، وتراجع ملحوظ في الإنتاج الصناعي الألماني مع تراجع ثقة المستهلكين".

فيما يتعلق بالاقتصاد الأميركي، فعلى الرغم من البيانات الجيدة في مبيعات التجزئة وتراجع معدلات البطالة، فإن ثقة المستهلكين في الاقتصاد الأميركي بدأت تتراجع عما كانت عليه خلال الربع الأول من هذا العام مع ارتفاع مؤشر الاضطراب في الأسواق العالمية لأعلى مستوى منذ أشهر طويلة.

توقعات بتراجع الطلب على النفط

وبالنسبة لتأثيرات هذا الركود المتوقع على اقتصاديات دول الخليج، فإنه سيكون هناك تراجعاً في الطلب العالمي على النفط نتيجة تراجع الإنتاج الصناعي واستمرار الحرب التجارية بين بكين وواشنطن.

وهذا الأمر سيزيد من الضغط على الموازنات العامة لتلك الدول وسيفرض حالة من التقشف أو مزيد من الإجراءات الضريبية التي تطال جميع المواطنين. كما سيقلل من احتياطات تلك الدول النقدية ويؤدي إلى تراجع الاستثمارات في الحقول النفطية.

أيضاً سيؤدي ذلك إلى لجوء منظمة "أوبك" إلى مزيد من الخفض في معدلات الإنتاج لرفع أسعار النفط التي ستتراجع، وهو ما يهدد باستمرار الاتفاق خصوصا أن الجانب الروسي سيرغب في زيادة الانتاج وتحديداً في فصل الشتاء لأسباب تقنية تتعلق بالضغط في الحقول الباردة وضمان تدفق الإنتاج من دون تكلفة إعادة التاهيل في بعض الحقول ذات الضغط المنخفض.

الأزمة مفتعلة وليست حقيقية

في المقابل، قال الخبير الاقتصادي د.عبد السميع بهبهاني، إنه لا يوجد أي مؤشرات تؤكد أن الاقتصاد العالمي سيدخل في كساد كبير، خصوصا أن الأزمة الحالية سببها الحروب التجارية ومتى توقفت هذه الحروب فإن الاقتصاد العالمي سوف يتعافى.

وأضاف "أعتقد أن الأزمة الحالية مفتعلة وليست أزمة حقيقية، ولا يمكن مقارنة مع يحدث في الوقت الحالي بما كان يحدث أثناء الأزمة المالية العالمية في 2008".

وأوضح أن التكنيكات الحديثة في معالجة الأزمات الاقتصادية أثبتت قدرتها على إعادة الاقتصاد للتعافي سريعاً من أي أزمة، ولكن الأزمة بين الصين والولايات المتحدة سياسية لكن تم توجيهها بقوة نحو الاقتصاد.

وقال إن الصراع بين الولايات المتحدة والصين هو صراع جيوسياسي حيث إنه صراع بين اقتصاد عمره 20 عاماً مقابل اقتصاد أميركي عمره يتجاوز 100 عام، وأدى ذلك إلى خلاف في القوى العالمية ربما تتحول إلى حرب حسب رؤية المحللين السياسيين.

والكساد أو الركود هو انخفاض كبير في النشاط الاقتصادي يستمر لبضعة أشهر ويكون واضحاً في الناتج المحلي الإجمالي، وهذا لا نلاحظه في الوقت الحالي، في النصف الأول يشير مؤشر النمو الاقتصادي إلى تحقيق الصين لنسبة نمو بلغت 6.3% مقابل نحو 3.4% في الاقتصادي الأميركي، وهذه الأرقام أكبر من الأرقام المحققة خلال نفس الفترة من العام الماضي. أيضاً البطالة اقتربت من الصفر في الولايات المتحدة والصين سجلت نموا كبيرا في مبيعات التجزئة وهذه مؤشرات لا تقول إن هناك ركودا أو كسادا بين أطراف الحرب التجارية المشتعلة في الوقت الحالي.

أما مؤشر النفط الذي هو محكم أكثر من أسواق المال، فتماسك سعر البرميل حول مستوى 60 دولارا، على الرغم من ارتفاع قيمة الدولار والحروب التجارية التي تشير إلى تباطؤ نمو اقتصادي وعالمي، رغم زيادة المخزونات الأميركية، واستمرار أوبك بخفض الإنتاج، رغم نمو الطلب العالمي المتوقع، كل ذلك يؤكد أن الاستقرار قادم والتفاؤل في النمو الاستثماري قادم مع زيادة الطلب الآسيوي على نفط أوبك بأسعار أعلى.

كما أن تقلبات نفط أوبك أقل من تقلبات خام برنت وتكساس، والمشروعات الاستثمارية في آسيا مستقرة، كل ذلك مع بداية تغيير العملات في التعاملات النفطية في هذه الطروف إلى اليورو واليوان، وكل هذه إشارات لا تدل على وجود ركود اقتصادي يلوح في الأفق.

ما دور الغرور الأميركي في الأزمة؟

وحسب " بهبهاني"، فإن الأوضاع الحالية لا تشير إلى وجود أزمة اقتصادية وما يحدث في أسواق المال من صعود أو هبوط يتعلق بتوترات جيوسياسية ولكن الأزمة تتلعق بالغرور الأميركي، ولا نسمع عن هذه الأزمة في أوروبا.

وانقلاب منحنى العائد الأميركي نتجية تكدس المنتجات الزراعية والحيوانية أم هو التفوق الصيني وغزو العالم وخروجه عن سيطرة الولايات المتحدة، أم هو التوسع الصيني مع ألمانيا عبر اتفاقيات التحفيز، أم الشركات الأميركية التي تتكاثر بشكل رعب في الصين، أم مشروعات البنى التحتية التي دخلتها فيها الصين في إفريقيا.

وقال إن الصين غير مكترثة وأميركا هي المندفعة إلى الحل، ويبدو أن هناك قراراً صينياً بعدم حل هذه الأزمة إلا بعد إجراء الانتحتبات الأميركية.

أما في قضية بيع السندات بأسعار زهيدة، فعلا هناك سندات بيعت وهناك سعر فائدة منخفض والصين تدخلت وأنزلت اليوان، الألمان طرحوا سندات بسالب 1.1 إلا أن الأعداد التي اشترت في السندات الألمانية كبيرة وهذا لا يعني أنها لا تعاني أزمة تجارة، حيث إن 38% ينظرون بتشاؤم إلى مستقبل الاقتصاد العالمي فقط.

هكذا تتأثر دول الخليج

دول الخليج سوف تتأثر بالفعل لأن أي ركود اقتصادي عالمي أو أي تباطؤ سيؤثر على الطلب على النفط، وهو ما يؤثر على الإنتاج والعائدات الرئسيية لدول مجلس التعاون وإيران، وبالتالي فإن هذا التأثير طبيعي، وذلك وفقا للخبير الاقتصادي الدكتور محمد رمضان.

وأوضح أن التوقعات غير أكيدة حتى الآن بأن هناك ركوداً يلوح في الأفق، ولكن المشكلة في من يستسلم في البداية سواء الجانب الأميركي أو الصيني، ولكن بالتأكيد سواء الصين أو أميركا لا يريدون استمرار الحرب.

أضاف، أعتقد أن الدول الأقل في معدلات النمو سوف تتأثر كثيراً حال استمرار الحرب التجارية، وبالنسبة لدول الخليج فإن التأثير سيكون من خلال تراجع عائدات النفط فقط.

المزيد من اقتصاد