Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أساء الغرب فهم بوتين لعشرين عاماً... فهل يُفيد إدراكه حالياً أنه قد أخطأ؟

أتساءل عمّا إذا تخطى الرئيس الروسي ذروته سلفاً  وما إذا تراجعت قدرته حالياً على استشعار تفاصيل بلاده ومتغيراتها

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الشيشاني رمضان قديروف في اجتماع عمل قرب موسكو (أ.ف.ب) 

من الصعب تخيل هذا المشهد اليوم. لكن عندما اختار الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين رئيساً للوزراء وخلفاً له، لقيت هذه التسمية اثنين من ردود الفعل، واحد في روسيا وآخر خارجها. 

وجاء رد الفعل الأول على شكل تساؤل عن هذا الشخص المجهول الذي يبدو شديد الخجل وضئيل الحجم أمام يلتسين الأشبه بالدبّ الضخم. أما الثاني، وهو منطقي في السياق العام نظراً إلى أنّ بوتين خامس رئيس للوزراء عيّنه يلتسين خلال سنة واحدة فقط، فكان عبارة عن تساؤل من نوع آخر: كم سيستمرّ هذا التافه في منصبه؟  

باتت الإجابة على السؤال الثاني واضحة حالياً بعض الشيء. فلربما جاء بوتين من المجهول ولكنه لم يكن تافهاً أبداً. وقد مرّ عشرون عاماً حتى الآن على تربّعه فوق عرش السياسة الروسية، إمّا كرئيس وزراء أو رئيس جمهورية. وتمتدّ ولايته الحالية إلى العام 2024. كما أنّه شخصية عالمية، وفي بلده الأم، يكفي مجرّد ذكر الأحرف الأولى من اسمه أغلب الأحيان للدلالة عليه: ف.ف.ب.

لكن الإجابة عن السؤال الأول أصعب، حتى بعد مرور عقدين على حكمه، بل أصعب بكثير مما تقوله غالبية أعضاء فريق مراقبة روسيا في الغرب. والنقطة الوحيدة التي يمكن النقاش  حولها، وهو نقاش أشارك فيه بشيء من الحماس،  هي أنّ بوتين قد أُسيء فهمه بشكل فادح على امتداد سنوات ولا سيما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ما أدى إلى تصوير روسيا الخاطىء على أنها العدو السوفييتي القديم، وهو خطأ كانت له عواقب وخيمة في مجال العلاقات الدولية إجمالاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعتبر تاريخ فبراير (شباط) 2007 بشكل عام نقطة التحوّل.  فهو تاريخ الهجوم العنيف الذي شنّه بوتين على الغرب في مدينة ميونيخ الألمانية واعتبر فيه أنّ توسّع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وصولاً إلى الحدود الروسية انتهاك صارخ لتعهدات سابقة (مع أنّ الناتو يرفض هذا الاتهام قطعاً).

أذهلت مواجهة ميونيخ الكثيرين، مما كشف بوضوح مدى إساءة فهم بوتين. كما ساهمت في تعزيز صورة سلبية له كزعيم غير منطقي وعدواني، وهي صورة بدأت تتبلور منذ انتخابه بجهوده الذاتية في عام 2000 رئيساً لروسيا.  في هذا السياق، يمكن النظر إلى مزاعم "التدخل" الروسي، التي لم تثبت صحتها،  في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 كالمثال الأكبر على إساءة فهم بوتين. 

إن تعامل الغرب مع بوتين الذي لايمكن وصفه إلا كمحاولة لشطينة الزعيم الروسي وتشويه سمعته، استناداً إلى عدد من العوامل أكتفي بذكر بعضها. ولعل أولها وأكثرها بديهية، هو انتماؤه السابق إلى جهاز الاستخبارات السوفييتي "كي جي بي"، وذلك بغض النظر عن أنه اتخذ خطوة جريئة وغير اعتيادية بالانتقال إلى الحياة المدنية بعد عودته من ألمانيا الشرقية المنهارة. فالاعتقاد السائد هو أنّ "من كان من عناصر كي جي بي مرة يبقى دائماً عضواً  في الجهاز"، وخصوصاً بعدما سلّمه يلتسين، ولو لفترة وجيزة، رئاسة جهاز الأمن الفيدرالي لروسيا الاتحادية وهي المنظمة الاستخباراتية التي حلت محلّ الـ "كي جي بي".

وقيل وقتها إن يلتسين اختار بوتين خلفاً له كي يحمي نفسه وعائلته من ادعاءات الفساد بعدما يترك منصبه. ربّما كانت هذه الأقاويل صحيحة أو خاطئة،  لكن فكرة أن رجلاً بمفرده يستطيع حماية عشيرة يلتسين من المافيا التي كانت تتربص بها، تبدو َفكرة واهمة بعض الشيء.

على الرغم من هذا كله، فإن التهمة المتعلقة بصلته المفترضة بجهاز " كي جي بي"، تُوجه إلى بوتين مرة إثر أخرى،  وهناك أتباع مخلصون في المملكة المتحدة لهذه النظرية ممن يشيرون إلى عمل بوتين في جهاز الاستخبارات السرية ، مع أن دوره فيها لم يكن لافتا على الإطلاق، كإثبات على تورّطه الشخصي بوفاة ألكساندر ليتفينينكو ومحاولة قتل سيرغي سكريبال المزعومة إضافة إلى ضلوعه بقتل غيرهم من المنفيين الروس.

والعامل الثاني هو ما يمكن تسميته بـ"عقدة القيصر"، وهذه فكرة  تقول إن بوتين ينتمي إلى تاريخ طويل من الزعماء الديكتاتوريين الروس، وهو بالتالي الآمر الناهي لكافة أتباعه. ما عليه سوى الإشارة بإصبعه، حسب هذه المزاعم، كي يتعرّض قيادي في المعارضة أو صحافي للاغتيال أو الاعتقال، أو يجري إسقاط طائرة مدنية فوق أوكرانيا.   

تظهر بين الحين والآخر حقيقة أخرى، من خلال الجلسات الماراثونية التي يجيب فيها عن مختلف الأسئلة وتبثّها شاشات التلفزة مثلاً، تبدو فيها الإدارات الإقليمية جامحة وعصيّة على الضبط، ويبدو الكرملين بالمقابل عاجز عن كبحها أو السيطرة عليها ببساطة. ولا تدلّ دعوات بوتين لما يسميه "هرم السلطة" بالتحرك لمعالجة الاخطاء، دليلاً على تمتعه بالقوة والنفوذ، بل تبدو إثباتاً لافتقاره إليهما.

وثالث تهمة كبيرة يتعرض لها بوتين هي أن ميوله توسّعية وأنه يسعى إلى إعادة إحياء الاتحاد السوفييتي. لكن يكفي النظر إلى خريطة أوروبا وإلى تغيّر الأحلاف فيها خلال العقدين الأخيرين للتحقق من سخف هذا الرأي. فروسيا لم تضمّ إلى أراضيها أية دولة حصلت على استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

والأرض الوحيدة التي استولت عليها، أو أعادت ضمّها بحسب تعبيرها، هي شبه جزيرة القرم في عام 2014 في خطوة سبّبها على الأرجح خوف روسيا من خسارتها عقد استئجار القاعدة البحرية في سيفاستوبول، في أعقاب خلع الرئيس الأوكراني المنتخب (بدفع من الغرب؟).     

إذا اعتبرنا أن رؤية بوتين كشيطان، وذلك عبر موشور مؤلف من ثلاثة عناصر هي علاقته بكي جي بي، وكونه القيصر الجبّار، والزعيم القادر على استعادة النفوذ السوفييتي وإحيائه، هي رؤية خاطئة للغاية فكيف يمكن النظر إلى بوتين بطريقة أخرى؟

يجب النظر إليه أوّلاً في سياق عصره، كرجل قضى سنواته الأولى في لينينغراد خلال الظروف القاسية التي أعقبت الحرب. أمّا شبابه فطبَعته فترة الاضطراب والشك وعدم الأمان التي سبقت انهيار الاتحاد السوفييتي وتلته.

اعتبرت روسيا في ذلك الوقت أنها تعرضت للإذلال على يد الغرب، قولاً وفعلاً. وبعد وصوله على مضض إلى سدة الرئاسة، جعل بوتين أولويته فرض الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وهو ما يمكن أن يساعد على تفسير المبالغة المتكرّرة في الردّ على احتجاجات الشارع. وبوتين محافظٌ في عاداته الاجتماعية كمعظم مواطني بلاده.

والنقطة الثانية الجديرة بالذكر على الرغم من بديهيتها، هي أنّ بوتين روسياً. وهو بالتالي يرى العالم، من جوانبه الجغرافية والتاريخية والأمنية، من منظور موسكو. ويتمتع بإحساس قوي بالكرامة الوطنية الروسية كما يعي جيداً ما هو المطلوب منه كزعيم ورمز وطني. ليس هذا ضرب من الجموح القومي، ولكن كان من الضروري أن نشهد رئاسة ترمب وحقبة أميركا أولاً، وأن نرى أيضاً، ولو بدرجة أقل، رئاسة إيمانويل ماكرون الديغولي الجديد، كي نستوعب أن حاكم الكرملين يضع روسيا أولاً وفوق كل اعتبار.   

أما ثالث نقطة فهي أنّ بوتين سحق نفوذ الأقلية الحاكمة في روسيا دون شفقة أو رحمة. رفض ميخائيل خودوركوفسكي وحده في عام 2001 تنفيذ الأمر بالاختيار بين المال والسياسة. وتحمّل عواقب قراره ذاك من سجنٍ وتجريد من الممتلكات ونفي. لكن يكفي النظر إلى أوكرانيا حيث ما تزال قلّة من أقطاب المال والموارد تتمتع بنفوذ واسع داخل الأوساط السياسية والاقتصادية والعسكرية حتى، على حساب السلطة المنتخبة، كي يستنتج المرء أن القسوة التي أبداها بوتين في بادئ الأمر كانت في محلها، أقلّه على هذا النطاق.    

ورابعاً، يتمتع بوتين ببعض الصفات التي يغفلها تصويره كشيطان. فهو سريع البديهة والإدراك بشكل استثنائي ويتحكّم بالمشهد العام وبالتفاصيل في الوقت نفسه. وهو يتعلّم ويطور نفسه، فمثلاً الكارثة التي حدثت على إثر مأساة الغواصة كورسك لم تتكرر. ومع أنه أصرّ في البداية أنه "تكنوقراطي" وليس سياسياً ، فهو تحول إلى سياسي على امتداد عقدين في الحكم. مهما كان رأيك في نوعية النظام الديمقراطي الروسي، لا شك أنّ بوتين يتمتع بموهبة فائقة في التواصل ومهارة في فن الدعاية والحملات.

كما أنّه يتقن فن النجاة أيضاً. وكانت غريزة البقاء بين الدوافع التي حملته على تعلّم رياضة الجودو الدفاعية في صغره. لكنه استطاع الاستمرار كرئيس لروسيا بفضل قدرته الخارقة على استشراف نقطة التوازن والاعتدال في ميول الرأي العام الروسي مع أنها سريعة التحول، والحفاظ على موقع متقدّم دائماً.  

لكن أتساءل إن تخطّى بوتين ذروته، في هذا الصدد، وما إذا تراجعت قدرته حالياً على استشعار تفاصيل بلاده ومتغيراتها. فهو يبلغ 66 عاماً من العمر. وقد وصل جيل جديد إلى عمر الاقتراع اليوم، لا يتذكر التجربة الشيوعية السوفييتية ولم يعش انهيار الامبراطورية والفوضى والإذلال خلال تسعينيات القرن الماضي. فهو جيل ينتمي أفراده "إلى جنس حي مختلف كلياً" بحسب ما وصفهم لي أحد أساتذة التاريخ في مدينة سانت بطرسبرغ.

ومرة أخرى يمكن أن يضطر الغرب إلى الركض كي يستدرك الأمور. إذ يبدو الآن أن صفحة بعبع "البوتينية" قد بدأت تُطوى، ولو في وقت خاطئ  يكاد يدعو إلى السخرية. فقد ظهرت أخيراً كتب كثيرة تسعى إلى نسف صورة بوتين المخيفة المضخّمة وإعادته إلى حجمه الطبيعي. من المبكر للغاية، الحكم على ارتباط هذا التوجه بظهور جيل جديد هنا،  وآخر هناك،  أو بإدراك أن شيطنته كانت عبارة عن خطأ ارتكبه الغرب. 

على الرغم من ذلك، يصعب عدم التفكير في أنه لو حاول الغرب أن يفهم بوتين وبلده بشكل أفضل، وليس أن يسايره بل أن يفهمه، ربما كان الوضع الدولي أفضل حالياً. لكن بدلاً من ذلك، خلقنا صورة لبوتين مختلف، في قالب سوفييتي إجمالاً، تعكس غرورنا ومخاوفنا. يا لخسارة الفرص والوقت المأساوية. 

© The Independent

المزيد من آراء