هل تنتقل "نواة النظام السوري الصلبة" إلى آل الأخرس؟

بشار الأسد محاصر بالاعتبارات العائلية والنفوذين الإيراني والروسي

آل مخلوف كانت لهم اليد الطولى في الإقتصاد السوري (أ.ف.ب)

بالرُغم من عدم صدور أية تأكيدات رسمية بشأن اتخاذ النظام السوري مجموعة من الإجراءات السياسية والمالية والأمنية بحق رامي مخلوف رجل الأعمال، وابن خال الرئيس السوري، ووالده النافذ محمد مخلوف وابنيه الآخرين، إلا أن الصمت الذي يكتنف المسألة، يعزز من احتمالات وجود تباين ما، داخل أسرتي الأسد ومخلوف.

وفي حال صحت معلومات تقييد حرية حركة آل مخلوف ومجموعة من رجال الأعمال والأمن، فهي تشير إلى بداية تفكك في دائرة "نواة النظام السوري الصلبة"، وإعادة تنظيم هذه الدائرة الصلبة وفق معطيات أخرى.

أكثر التفسيرات موضوعية للأسباب التي قد تدفع الأسد إلى اتخاذ هذه الإجراءات بحق خاله وأولاده وشبكاتهم، تذهب باتجاه خلاف مالي شديد نشب بين الطرفين، بالإضافة إلى خشية الأسد من تعاظم نفوذ رامي مخلوف في العديد من الأوساط، وضمن أبناء الطائفة العلوية بالذات.

أربعة تدابير

مصادر إعلامية لبنانية وروسية، وبعض المصادر العائلية المُنشقة كأبناء رفعت الأسد، عم الرئيس السوري، تفيد بأن رأس النظام اتخذ إجراءات عدة بحق عائلة مخلوف، تسهم كُلها مُجتمعة في كبح أي حضور عام لهم.

الإجراء الأول تمثل بتقييد حرية حركة رامي مخلوف ووالده وأخويه، ولكن في المقابل هناك من ينفي هذا الاحتمال على أساس أن عائلة مخلوف تمتلك إمبراطورية تجارية في الخارج ما يقلل ضمناً من تواجدها في سوريا.

الخطوة الأخرى تمثلت بمحاولة "الاستيلاء" على مجموعة شركات رامي مخلوف وأمواله، إذ تقول الأنباء بأنه أُحيل، مع قُرابة ثلاثين آخرين من رجال الأعمال القريبين منه، إلى "هيئة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب". وهو الإجراء التقليدي الذي يتخذه في المعتاد النظام السوري بحق رجال الأعمال والشخصيات المُعارضة، بُغية تصفيتهم مالياً بشكل يظهر وكأنه قانوني. الأنباء ذاتها ذكرت بأن زوجة رئيس النظام السوري أسماء الأخرس تشرف مباشرة على أعمال هذه الهيئة، وهو ما يؤشر إلى أن السياق ذاهب للإزاحة التامة لعائلة مخلوف النافذة، لصالح قريبين من عائلة زوجة بشار الأسد.

هذا التدبير الأخير استُكمل بتكليف اللواء مالك سليم عليا من الحرس الجمهوري، الإشراف على "جمعية البُستان" الخيرية، التي كانت تُعتبر أداة عائلة مخلوف لاستحواذ النفوذ في أوساط الطائفة العلوية، ولتمويل مسلحين تابعين لرامي مخلوف. ولكن الجمعية نشرت على صفحاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، بياناً جاء فيه "كانت جمعية البستان وما زالت وستبقى جزءاً من الشعب العربي السوري، في تقديم يد العون لكل محتاج ومريض، وهي على استعداد دائم لتقديم الخدمات الطبية والخدمية والاجتماعية، والمساعدات الطلابية، على امتداد الجغرافيا الوطنية، رديفة للجهات الحكومية"، مؤكدة ولاء القائمين عليها لرأس النظام السوري، لا غيره.

الضبط المالي لـ"جمعية البُستان" كان مُقدمة لكبح أجهزتها السياسية والميليشيوية. فقد حُلت الميليشيات التي كانت ترعاها مالياً، وتدين إيديولوجياً إلى فكر الحزب القومي السوري الاجتماعي، الحزب الذي انتمت إليه عائلة مخلوف مُنذ خمسينيات القرن المنصرم، وسبّب خلافاً شهيراً بينهم وبين الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، البعثي. 

تفكك نواة النظام

إذا صحت هذه التدابير الاستثنائية، يكون النظام السوري فكّك ما كان يُعتقد على نطاق واسع بأنه النواة الأصلب والأكثر مركزية. تلك التي قيل بأنها تشكلت بالتقادم مُنذ تولي الرئيس السوري الحالي بشار الأسد سُدة حُكم البلاد عام 2000، الذي سعى مُنذ ذلك الوقت، إلى تصفية مراكز القوة التقليدية التي كانت حول والده، وتأسيس أخرى بديلة.

وشكّل خال الرئيس السوري محمد مخلوف رجل الرعاية الأول في بُنية النظام الجديد، وكان بمثابة الأب الروحي القادر على جمع أبناء العائلة الذين انصرف كُل واحد منهم للإشراف على قطاع بعينه.

فصار رامي مخلوف واجهة النظام المالية، التي كانت تجمع طيف رجال الأعمال النافذين، المُستولين على قُرابة ثُلث الاقتصاد السوري، والقطاعات الأكثر حيوية. كما أن شقيقه حافظ مخلوف كان ضابطاً نافذاً في شعبة المخابرات العامة "أمن الدولة"، والذي كان عملياً يُشرف على الفروع والأجهزة الأمنية في العاصمة دمشق. بينما تولى ماهر الأسد شقيق بشار قيادة الفرقة الرابعة من الحرس الجمهوري، التي كانت الفصيل الأقوى من الجيش السوري.

الخال ونجلاه، إلى جانب ماهر الأسد، وبمزاحمة من الصهر آصف شوكت، شكّلوا النواة العائلية الصلبة، التي كانت الدائرة الأضيق حول الرئيس السوري طوال قُرابة العقدين الماضيين. وبمقتل شوكت في انفجار في بداية اندلاع الحرب في سوريا، وفي حال تأكدت هذه الإجراءات التي تطال آل مخلوف، تكون هذه النواة قد وصلت إلى نقطة النهاية.

وتاريخياً الرئيس السوري السابق حافظ الأسد هو من أسس هذا العُرف. إذ قام النظام وقتها على نواتين، واحدة أمنية عسكرية بعضوية اللواءين النافذين محمد الخولي وعلي دوبا، إلى جانب شقيقه رفعت الأسد. وأخرى سياسية كانت تضم نائب الرئيس عبد الحليم خدام واللواء محمد ناصيف. تلك التشكيلة تفككت على مراحل مُنذ أواسط التسعينيات، حينما بدأ الأسد الأب بتصعيد نجله بشار الأسد.

تشكيلة بديلة

قراءات المُراقبين للشأن السوري، تذهب إلى سعي رأس النظام إلى تشكيل نواة صلبة جديدة، تكون أكثر ثقة في ولائها، وتُمنح سلطة اتخاذ القرارات الرئيسة الخاصة باستراتيجية التعامل مع المسألة السورية.

مصدر مُطلع على الأوضاع الداخلية، بيّن لـ"اندبندنت عربية" عن ثلاثة احتمالات لمثل هذا المسعى.

في المُقدمة يبرز اسم زوجة الرئيس السوري أسماء الأخرس وعائلتها، التي صارت بالتقادم تملك نفوذاً مُتمادياً، إن عن طريق المؤسسات والجهات الإعلامية والمالية المُرتبطة بها، أو عن طريق عائلتها، التي تأخذ دوراً متعاظماً في الحياة العامة، وخصوصاً في الاقتصاد.

ويُشبّه المُراقبون ما يجري راهناً بما حدث في أوائل الألفية، فصعود بشار الأسد ترافق مع بروز نفوذ أخواله من آل مخلوف وأبنائهم. وفي الحاضر يبدو أن عائلة الأخرس ستأخذ ما كانت عليه عائلة مخلوف وقتئذ.

الخيار الثاني يتمثل بالنفوذ الإيراني. إذ يرى المراقبون بأن رأس النظام صار مؤمناً بأن النظام الإيراني هو الجهة الوحيدة القادرة والساعية إلى المحافظة على بقاء نِظامه بأي ثمن، وأن تقريب أشخاص ورجالات قريبين من إيران أنما سيسمح بتفكيك مراكز القوة والمصالح التي كانت ضمن نِظامه.

أخيراً، فأن التوقعات تذهب أيضاً للقول بأن روسيا بعدما نجحت في تصفية نفوذ إيران في الأجهزة الأمنية السورية، أنما ستسعى خلال الفترة القادمة إلى هندسة الدائرة الأقرب المحيطة بالأسد، عبر رجال أمنيين وعسكريين قريبين من النفوذ الروسي، ليكونوا مُسيطرين تماماً على بُنية النظام بكامله.    

المزيد من تحلیل