Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أشخاص أصحاء أبقوا لسنوات داخل مستشفيات بريطانية للصحة النفسية

حصري: غاب بن كريغ عن ولادة ابنته وعانى أزمة عاطفية بعدما ظل عالقاً في جناح المرضى لمدة عامين

"يستحق المرضى ما هو أفضل بكثير من احتجازهم إلى أجل غير مسمى في المستشفيات عندما يكونون في صحة جيدة تسمح لهم بالعودة  للمجتمع" (غيتي/ آي ستوك)

علمت "اندبندنت" أن مرضى الصحة العقلية في بريطانيا يعانون الإقامة لفترات طويلة في المستشفيات، والتي غالباً ما تمتد لأعوام بسبب النقص الحاد في خدمات الرعاية المجتمعية مع وصول عدد الأشخاص المحتجزين في أجنحة المستشفيات إلى مستوى قياسي.

وتظهر الأرقام وجود 3213 مريضاً عالقاً في أجنحة المستشفيات لأكثر من ثلاثة أشهر خلال العام الماضي، من ضمنهم 325 طفلاً ممن جرى إبقاؤهم في أجنحة مخصصة للبالغين. ومن بين هؤلاء المرضى، يوجد عدد "مثير للقلق" في حال جيدة بما يكفي لمغادرة المستشفى، ولكن لم يكن لديهم مكان يذهبون إليه.

إحدى هذه الحالات كانت "بن كريغ"، 34 سنة، الذي قال إنه أصيب بـ"ضرر نفسي" بعدما تقطعت به السبل في جناح المرضى لمدة عامين - على رغم أنه في حال تسمح له بالمغادرة - بسبب خلاف بين مجلسي بلديتين حول التكفل بمصاريف الدعم لحصوله على مكان للسكن.

حتى إن كريغ غاب عن ولادة ابنته التي لم يلتقِ بها حتى بلغت 18 شهراً بسبب انتظاره للخروج من المستشفى، مما أدى إلى تفاقم اكتئابه. وقال لـ"اندبندنت": "وُعدت بأن أموري ستتيسر، لكن الأمر بدا وكأنه سيستمر إلى الأبد".

وبلغ متوسط فترة إقامة المرضى في المستشفيات ذات الإجراءات الأمنية المنخفضة 833 يوماً خلال الفترة بين عامي 2022 و2023. وإن كانت "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" في المملكة المتحدة NHS لا تقوم بجمع بيانات حول المدة التي ينتظرها الأشخاص للخروج من المستشفى، إلا أن مؤسسة "مايند" Mind الخيرية للصحة العقلية قالت إن حال كريغ ليست فريدة من نوعها.

وتكشف التقارير المسربة التي حصلت "اندبندنت" على نسخة منها عن أن خدمات الرعاية المجتمعية التي توفرها هيئة الخدمات الصحية الوطنية تعاني لتوفير الخدمات للمرضى، في حين تنفق الهيئة مئات آلاف الجنيهات الاسترلينية سنوياً لإيواء أولئك الذين بالإمكان [صحياً] السماح بخروجهم من المستشفى.

وتكشف وثائق للفترة بين عامي 2022-23 التي حصلت عليها "اندبندنت" وحللتها عن الآتي:

    • تكلف أسرّة الصحة النفسية للبالغين هيئة الخدمات الصحية الوطنية ما بين 500 وألف جنيه استرليني في اليوم، مقارنة بـ5 آلاف جنيه استرليني سنوياً لكل مريض في حال قدمت الرعاية له عن طريق خدمات الرعاية المجتمعية.

    • رُفضت واحدة من كل خمس حالات أحيلت إلى خدمات الرعاية المجتمعية مما يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها هيئة الخدمات الصحية الوطنية وسط معدل شغور للموظفين يبلغ 12 في المئة.

    • انتظر المرضى 13 أسبوعاً في المتوسط لرؤية اختصاصي صحة نفسية من خدمات الرعاية المجتمعية، في حين انتظر بعضهم ما يصل إلى 60 أسبوعاً.

    • بلغ عدد المرضى الذين ظلوا عالقين لأكثر من ثلاثة أشهر داخل المشافي 3213 مريضاً، بزيادة قدرها 639 مريضاً عن العام السابق، وهو أعلى مستوى على الإطلاق وفقاً لتحليل بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية.

    • في آب (أغسطس) الماضي، انتظر 10 في المئة من المرضى 221 يوماً لبدء العلاج المجتمعي [أي عن طريق خدمات الرعاية المجتمعية].

    • واحد من كل 10 مرضى يتلقون العلاج من خدمات الرعاية المجتمعية للصحة النفسية لم يرَ أي عامل رعاية صحية لمدة عام.

وقالت سافرون كورديري، نائبة الرئيس التنفيذي لـ "مقدمي خدمات الصحة الوطنية" "NHS Providers" التي تمثل المستشفيات لـ"اندبندنت" إن مرضى الصحة النفسية العالقين في المستشفيات يعانون "ضائقة شخصية" ويمرضون مرة أخرى أثناء فترة انتظارهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ودعت كورديري الحكومة إلى وضع الصحة العقلية على قدم المساواة مع الرعاية الجسدية، واعتبرت أن عدم القيام بذلك يشير إلى أن الحكومة راضية بعدم المساواة في معاملة جميع المرضى.

وقال مصدر رفيع المستوى من هيئة الخدمات الصحية الوطنية إن الإقامة لفترة طويلة في وحدات الصحة العقلية أصبحت "الوضع الطبيعي" لهؤلاء وأدت إلى تكيفهم مع البيئة المؤسسية على حساب قدرتهم على الانتقال مرة أخرى إلى حياة أكثر استقلالية أو مجتمعية.

وبحسب المصدر: "الأشخاص الذين يبقون لمدة 60 و 90 يوماً غالباً ما تتم إدارتهم في المقام الأول من خلال الأدوية، مما يؤدي إلى الشعور بالانجراف والتبعية. تهدف الأدوية إلى تحقيق الاستقرار لهؤلاء الأشخاص، لكن النتيجة هي تحولهم إلى أشخاص اتكاليين بصورة كاملة وفقدانهم للاتصال بالعالم الخارجي وحياتهم الشخصية". ويشير المصدر إلى أن مثل هذه الإقامة الطويلة يمكن أن تكون لها آثار ضارة واصفاً إياها بـ"المروعة للناس".

"مسروق"

أُدخل بن كريغ إلى مستشفى برستويتش في أيلول (سبتمبر) عام 2019 بسبب اختلال عقلي أثناء وجوده في السجن بعد أن تدهورت صحته النفسية وبدأ بتخيل أصوات.

في 2020، أخبره الأطباء أنه في صحة جيدة بما يكفي للسماح بخروجه إلى المنزل بعد انتهاء مدة عقوبته. ومع ذلك، فقد "سُرق" عامان من حياته بسبب اختلاف مجلسي بلديتين حول من يجب أن يتكفل بمصاريف سكنه المخصص لمرضى الصحة النفسية والذي يحتاج إليه للخروج من المستشفى كجزء من دعم تعافيه.

في نهاية المطاف، أُخرج إلى مسكن مدعوم في أيلول 2022، إذ إنه لا يزال يتلقى دعماً في مجال الصحة النفسية.

وقال كريغ الذي يعيش الآن في مانشستر لـ"اندبندنت": "كنت مكتئباً للغاية، وحتى الآن لم أتغلب على الأمر بصورة كاملة. عندما كنت هناك، لم أكن أرغب في الخروج أو القيام بأي شيء، لذلك بقيت في سريري طوال الوقت... لقد فاتتني ولادة ابنتي، ولم أرها حتى أصبح عمرها 18 شهراً... لقد خلّف ذلك ندوباً في مشاعري".

وحتى عندما أخرج في النهاية من مكان السكن المدعوم، يقول كريغ إن فريق الرعاية المجتمعية للصحة النفسية "لم يسهم" في رعايته ويضيف أنه لا يزال يواجه صعوبات في التواصل مع فريق خدمات الرعاية المجتمعية الخاص به.

وقالت ريان ديفيز، رئيسة الوحدة القانونية في منظمة "مايند" لـ"اندبندنت" إن حالات مثل حالة كريغ أظهرت فشل مجالس البلدية في القيام بواجبها القانوني المتمثل في تمويل خدمات دعم الصحة النفسية في المجتمع.

وأوضحت أن مؤسسة "مايند" الخيرية رأت مرضى يعانون تأخيراً في الخروج من المستشفى أطول من التأخير الذي واجهه كريغ بسبب هذه المشكلة.

وقالت: "من المقلق جداً أن يجد الناس أنفسهم عالقين في المستشفى، وحياتهم معلقة، بسبب نقص في توفير السكن المدعوم. إن التأخير في مغادرة المستشفى يسبب حالاً من عدم اليقين والقلق مما قد  يعوق أو حتى يعكس التعافي".

وبحسب ديفيز: "يتسبب هذا في أضرار عاطفية كبيرة للشخص وأحبائه، كما أن التأخير في الخروج يعني أيضاً توافر عدد أقل من الأسرة المتاحة للأشخاص الذين يعانون أزمات نفسية".

وأضافت أن المرضى "يستحقون ما هو أفضل بكثير من احتجازهم إلى أجل غير مسمى في المستشفيات عندما يكونون في صحة جيدة تسمح لهم بالعودة  للمجتمع". واعتبرت أن قضية كريغ "هي فرصة حقيقية لتقليل حدوث التأخير والعقبات الناجمة عن نظام يفتقر إلى التماسك والتنسيق".

وقالت مستشفى جامعة مانشستر الكبرى: "نحن نعمل بجد مع جميع شركائنا في النظام للتأكد من أن المرضى جاهزون للخروج، ويمكنهم القيام بذلك بأسرع ما يمكن، حين يكون ذلك آمناً".

وقالت أبينا أوبونج-أساري، وزيرة الصحة النفسية في حكومة الظل العمالية، إن تقرير "اندبندنت" أظهر أن خدمات الصحة النفسية التابعة لهيئة الخدمات الصحية الوطنية "في أزمة".

وأضافت: "يكشف تحقيق ’ اندبندنت’، عن الحقيقة المروعة المتمثلة في ترك المرضى في المستشفى لأشهر عدة، في حين أن الرعاية المجتمعية يمكن أن تكون أكثر فاعلية بكثير وأقل كلفة بالنسبة إلى هيئة الخدمات الصحية الوطنية".

كجزء من تعهداته في بيانه الانتخابي، وعد حزب العمال المعارض بتوظيف 8500 متخصص في الصحة النفسية، على أن تغطى كلفهم من خلال خطط لإلغاء "الثغرات الضريبية لمديري صناديق الأسهم الخاصة والإعفاءات الضريبية للمدارس الخاصة".

وذكرت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية أنه تم استثمار 116 مليون جنيه استرليني إضافية في هيئة الخدمات الصحية الوطنية في الفترة بين عامي 2021 و2022 مخصصة لتغطية مصاريف الخروج من خدمات الصحة النفسية، وأن الوزارة ستكون قد استثمرت مليار جنيه استرليني إضافية في هذا القطاع بحلول آذار (مارس) 2024.

وقال متحدث باسم هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا: "ليس هناك شك في أن خدمات الصحة النفسية تتعرض لضغوط كبيرة، إذ تعالج الهيئة أعداداً قياسية من الشباب وتشهد الخدمات المجتمعية للأزمات زيادة بنسبة 30 في المئة في الحالات المحالة إليها، مقارنة بما كانت عليه قبل جائحة كورونا، كما تعالج خدمات الطوارئ في هيئة الخدمات الصحية الوطنية أرقاماً قياسية".

© The Independent

المزيد من صحة