Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التكنولوجيا تغير وجه التصوير الفوتوغرافي وموثوقيته إلى الأبد

لا تصدق ما تراه عيناك وثمة تطبيقات متنوعة تتيح تعديل الصور بشكل جذري مما يفتح باب نقاش فلسفي حول ماهية الصورة

يحتوي هاتف سامسونغ الرائد ميزة "سبايس زووم" لتقريب صور الفضاء واتهمها المستخدمون بأنها "تزيف" صور القمر (غيتي)

يعود تاريخ الصور المزيفة إلى بداية التصوير الفوتوغرافي نفسه تقريباً.

شعر المصور الفرنسي هيبوليت بايار بأنه خسر فرصة الاعتراف به كمخترع للتصوير الفوتوغرافي، بعد سلبه إياه لويس داغير. وبغية الاحتجاج على ذلك، التقط صورة لنفسه سماها صورة ذاتية لرجل غارق وأضاف إليها ملاحظة كتب فيها، أن الرجل في الصورة "موجود داخل ثلاجة الموتى منذ أيام من دون أن يتعرف إليه أو يطالب به أي أحد!".

وذيل الصورة بتوقيعه الشخصي، "ه. ب. 18 أكتوبر (تشرين الأول) 1840". ومن المتفق عليه أن عام 1839 سجل بداية التصوير الفوتوغرافي. فور اكتشافنا التصوير، بدأنا استخدامه في خداع الآخرين.

وتطورت أدوات الخداع مع الزمن، مواكبة تطور الفن نفسه. ومثلاً، طرح برنامج "فوتوشوب" في عام 1990 بنية المساعدة في عرض الصور وتعديلها. وسرعان ما تحول اسم البرنامج إلى عنوان يدل على صور معدلة بهدف التضليل.

في المقابل، ظهرت في السنوات الأخيرة تقنيات جديدة سهلت عملية تزوير الصور بدرجة أكبر ووضعت بين يدي عدد متكاثر من الناس القدرة على التزوير. وانتشرت تلك القدرة وانتشرت لدرجة أن الناس قد لا يعرفون حتى إن هواتفهم تعدل صورهم.

وقد تبين حدوث ذلك الأمر في وقت سابق من العام الحالي، فقد أشار بعض الأشخاص الذين التقطوا صوراً للقمر على هواتف معينة من نوع "سامسونغ" باستخدام ميزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تقريب صور الفضاء، إلى أن تلك الصور لم تكن صور القمر الحقيقي أبداً.

وأجرى أحد مستخدمي منصة "ريديت"، اسمه "يو/آي بريك فوتوز" u/ibreakphotos اختباراً تضمن التقاط صورة غير واضحة للقمر ثم عرضها على شاشة. بعد ذلك، وجه هاتفه نحو الشاشة، واكتشف أن الخليوي عبأ الصورة بتفاصيل جديدة غير موجودة في ما التقطه أصلاً.

وكتب المستخدم "إنه يضيف تفاصيل غير موجودة (وقد أزيلت عن قصد في هذه التجربة). والواقع أن الذكاء الاصطناعي يتولى القسم الأكبر من العمل ويضع نفسه بديلاً من الأنظمة البصرية في الكاميرا لأنها لا تقدر على التقاط التفاصيل التي ترونها. وبما أن القمر معلق بالأرض بمسافات تتفاوت بمقادير محددة، فمن السهل جداً أن تدرب النظام [المخصص لالتقاط الصور في هاتفك] على صور أخرى للقمر وتكتفي بإلصاق تضاريس القمر عند اكتشاف (العدسة) أي شيء شبيه بالقمر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي رد نشرته على موقعها، ذكرت شركة "سامسونغ" أنها لجأت فعلاً إلى الذكاء الاصطناعي لكنها أشارت إلى أن القمر في الصور هو سطح القمر الحقيقي. ومرد ذلك أن التقنية قادرة على استخدام الذكاء الاصطناعي للتعرف على الأشياء وتعديل إعدادات الكاميرا بعدها على هذا الأساس.

ووفق الشركة، "حينما تلتقط صورة للقمر، سيسخر نظام التصوير في جهاز غالاكسي الخاص بك تلك التقنية من الذكاء الاصطناعي التي تستند إلى "التعلم العميق"، إضافة إلى معالج متعدد الأطر، بهدف تعزيز التفاصيل في الصورة". ويشمل ذلك تغيير الإعدادات المتعلقة بدرجة الإضاءة كي لا يبدو القمر ساطعاً بإضاءة مفرطة مثلاً.

في أي حال، خلقت هذه الصورة أسئلة أكثر ميلاً إلى الطابع الفلسفي، فما هي صورة القمر فعلياً، على أي حال، وما المغزى من الصورة؟

ازدادت حدة هذه الأسئلة هذا العام بعد إطلاق "غوغل" هاتفها "بيكسل 8" الشهر الماضي. ويمتاز الهاتف بكثير من الخصائص لكن الجزء الأكبر من عملية تسويقه تركزت حول الصور.

وجاء في إحدى جمل التسويق المنشورة على موقع الشركة "كل لحظة، صورة أجمل حتى من الذكرى". ووفق تلميح هذه الجملة، يعني ذلك تجميل الصور بشكل لا يتطابق مع الحقيقة بالضرورة.

ويسأل الموقع في مكان آخر، على سبيل الترويج لميزة أفضل لقطة Best Take "هل أغمض أحدكم عينيه أو أشاح بنظره؟". ويتمثل ما تفعله هذه الميزة بدمج مجموعة من الصور في "صورة (واحدة) مذهلة" بحسب الموقع، فتبدل وجه شخص غير منتبه بوجه آخر يركز على الصورة، بعد أن تستحضره من صورة أخرى.  

مرة جديدة، تتدخل تقنية الذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيات للمساعدة في الصورة. لكن هذه المرة، لم يخبأ الذكاء الاصطناعي، بل روجت "غوغل" تلك الهواتف تحديداً من زاوية أنها قادرة على تركيب صور أفضل من المشهد الحقيقي.

ولا شك في أن ذلك يكرر الوعد نفسه الذي قطعته بعض منصات مشاركة الصور منذ فترة بعيدة. ففي أيامها الأولى، اشتهرت منصة "إنستغرام" بسبب الـ"فلاتر" التي تتيح للأشخاص تعديل شكل الصورة، ومع انطلاق منصات التواصل الاجتماعي المستندة إلى تشارك الصور، طورت منصات على غرار "سناب تشات" و"تيك توك" تلك الأدوات لتصبح "فلاتر" ذكية تعدل مكياج الأشخاص أو تبدل رأسهم برأس شخص آخر.

في الواقع، يتمثل ما تغير بدمج تلك التقنيات بالكاميرا نفسها، إذ لا يعدل المصور صوره بنفسه [لأن الذكاء الاصطناعي في الكاميرا يفعل ذلك باستقلالية عنه] وقد لا تتسنى له أصلاً رؤية النسخة غير المعدلة.

ربما لا يأخذ الموضوع دائماً الأسلوب الجذري في تعديل الصور الموجود داخل هاتف "غوغل". في الآونة الأخيرة، ظهرت عبارة "التصوير المحوسب" computational photography كثيراً في التعريف عن هواتف "آيفون" التي تصنعها "أبل"، ويقصد بتلك العبارة الإشارة إلى الصور التي تصنع بمساعدة البرامج والمعالجات الحاسوبية إلى جانب قطع الكاميرا التقليدية.

وحاضراً، يؤدي التقاط الصور باستخدام هاتف "آيفون" إلى إطلاق عملية تتداخل فيها آلاف الحسابات غير المرئية، بحسب مسؤولين في "أبل" تحدثوا إلى "اندبندنت" عقب إطلاق "آيفون 15" في سبتمبر (أيلول) 2023. ولا شك في أن هواتف آيفون فيها كاميرات صغيرة لكن معالجاتها الإلكترونية قوية جداً. وقد استخدمت الموديلات الجديدة تلك المعالجات في حل أي مشكلات تسببها الكاميرات.

ويحتمل أن يحدث تعديل الصور بشكل جذري بعد التقاطها. وطرحت آخر التحديثات في برنامج "فوتوشوب" ميزة "توليد إضافة" تمكن الأشخاص من اختيار جزء من صورة وطلب تغييرها باستعمال الذكاء الاصطناعي، على غرار تبديل ربطة عنق على قميص رجل مثلاً أو تحويل الأرض إلى حمم. ولا يتطلب التغيير سوى لحظات، ويأتي بشكل دقيق جداً لدرجة تسهل عدم ملاحظته حتى.   

إذا جمعنا كل هذه المعطيات فإنها تشير إلى عدم وجود دليل على أن أي صورة معينة تقدم الواقع بما هو عليه بالفعل، من ثم [كدليل على ذلك]، فإن القمر لم يظهر بهذا الوضوح أو أن صديقك لم يكن يشيح بنظره في تلك الصورة. وإذا جاء التغيير طفيفاً قد تبدو الصورة أجمل مما كانت عليه في الحقيقة، أما إذا حدث تغيير كبير فقد تشمل الصورة أشياء لم تكن ظاهرة فيها بالأصل.

واستكمالاً، إن ذلك كله ليس سوى جزء من السؤال الأوسع حول ما يحدث لمعنى الصور حينما يغدو من الممكن توليدها في لحظة باستخدام الذكاء الاصطناعي. وكذلك فإنه يطرح سؤالاً حول المغزى من الصور نفسها، هل من الضروري أن تقدم حقيقة اللحظة مثلاً أم إن الهدف منها يتمثل في أن تشكل استحضاراً جزئياً للحظة، أقرب إلى الذكرى منه إلى الدليل؟

لم يتوقف هيبوليت بايار بعد رده الاستعراضي والمضلل لخسارته موقع الريادة في اختراع التصوير. وبدلاً من ذلك، عمد إلى تطوير تقنية جديدة تمثلت في طباعة صور مركبة يصنع بموجبها شريطان سالبان (نيغاتيف) منفصلان للأجزاء المعتمة والمضيئة في الصورة ثم يجمعان كي تعطي الصورة الإضاءة كاملة. إن ذلك يشبه ما تفعله الهواتف اليوم إلى حد كبير، تأخذ عدداً من الصور وتجمع تفاصيلها للحصول على النتيجة الأفضل.

© The Independent

المزيد من علوم