عيادة متنقلة تداوي المرضى في مناطق فلسطينية مهمشة

خدمات طبية مجانية لأكثر من نصف مليون نسمة في الضفة الغربية

العيادة المتنقلة تزور 25 منطقة فلسطينية (اندبندنت عربية)

يركض الطفلان محمد وعبد الله جهالين بسعادة غامرة صوب الحافلة الجديدة التي وصلت إلى منطقتهم في جبل البابا شرق مدينة القدس.

ومنطقة جبل البابا واحدة من التجمعات البدوية الفلسطينية التي تستهدفها إسرائيل لتهجير السكان من أراضيهم لصالح إقامة المشروع الاستيطاني الأضخم والمعروف بـ "E1" لربط مستوطنة معاليه أدوميم (واحدة من أكبر المستوطنات) بمدينة القدس وفصلها عن الضفة الغربية بشكل كامل.

وعلى الرغم من عمرهما الصغير، استطاع الطفلان الفضوليان معرفة المركبة الجديدة التي تقدم العلاج المجاني مرة في الأسبوع لكل سكان المنطقة البدوية.

وستتنقل العيادة لسنة في 25 منطقة فلسطينية في المناطق المصنفة "ج" (خاضعة لسيطرة إسرائيلية) لإجراء الفحوص الطبية الأولية، وتقديم الأدوية للأهالي، لأنها الأقل حظاً في الحصول على الخدمات صحية أو تعليمية.

العلاج بالأمل والصمود

يقول رئيس جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية مصطفى البرغوثي في حديث إلى "اندبندنت عربية"، إن "مشروع العيادة المتنقلة والأيام الطبية المجانية انطلق بمبادرة من شركة للأدوية مع جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية لمساعدة السكان في جبل البابا، وتقوية صمودهم في تلك المناطق، فأطفالهم يضطرون لقطع كيلومترات عدة تحت المطر وفي لهيب الصيف أثناء ذهابهم وإيابهم إلى مدارسهم، وهناك العشرات منهم يعانون أمراضاً مزمنة وخطيرة ولا يستطيعون الذهاب إلى العيادات الطبية أو المستشفيات في المدن الفلسطينية، لبعد المسافة والظروف المادية الصعبة التي لا تمكن الأهالي هناك من دفع ثمن العلاج أو الدواء".

وأمرت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو بهدم منازل المنطقة البالغة 66، ما يعني أن التجمع السكني لجبل البابا المكون من 350 نسمة يواجه التشريد في أية لحظة.

مبادرة العيادة المتنقلة التي تقدم الخدمات الطبية المجانية لحوالى نصف مليون نسمة من التجمعات السكانية في الضفة الغربية، تضم طبيباً متخصصاً وممرضين يزورون التجمعات البدوية لإجراء الفحوص الأولية لكل السكان، وتقديم الدواء مجاناً، كما أن العيادة المتنقلة في بعض المناطق، ستشمل طبيبة نسائية وطبيب عيون بحسب حاجة الأهالي في تلك المناطق.

شوكة في الحلق

 

في المقابل، يقول عطا الله الجهالين الممثل لتجمع جبل البابا لـ "اندبندنت عربية"، "تسهم هذه المشاريع والمبادرات المجتمعية، في تثبيتنا في التجمع ودعم صمودنا، فنحن وعلى الرغم من قلة عددنا نقف شوكة في حلق الحكومة الإسرائيلية، فمخطط  سحق جبل البابا، يأتي استكمالاً لأحد أكثر مشاريع الاستيطان والتهويد خطورة، من خلال التواصل بين مستوطنة معاليه أدوميم والكتل الاستيطانية المحيطة ومدينة القدس في سياق استكمال مخطط عزلها عن محيطها الفلسطيني في شمال الضفة وجنوبها وإحكام السيطرة عليها في مدة أقصاها عام 2020".
 
ويضيف جهالين "حاولت الحكومة الإسرائيلية تقديم إغراءات مالية باهظة وأراض بديلة لأهالي التجمع، لكن العائلات التي تعيش في المنطقة منذ نكبة عام 1948 رفضتها جملة وتفصيلاً، وأعادت بناء عدد كبير من المساكن التي هدمت أكثر من خمسين مرة".

 

حملة مليون توقيع

سياسة التهويد والتمييز العنصري التي تمارسها حكومة إسرائيل ضد المواطنين الفلسطينيين في القدس الشرقية، تتركز بشكل جلي على إنهاء التجمعات البدوية في جبل البابا وعرب الجهالين وتجمع أبو النوار، والخان الأحمر وغيرها، ما دفع منظمة "أفاز" (منظمة حملات عالمية تعمل على إيصال آراء ووجهات نظر الشعوب إلى صناع القرار العالمي) إلى خوض حملة عالمية، ضمت كل دول العالم من أجل التدخل والضغط على الحكومة الإسرائيلية، للحيلولة دون ترحيل المواطنين من تلك التجمعات.

ويوضح مدير حملات أفاز في الشرق الأوسط فادي قرعان "عندما بدأنا الحملة، لم تكن الفكرة محصورة بجمع تواقيع فحسب، بل تشكيل جهات ضاغطة على الدول والحكومات في العالم، والأشخاص الذين وقعوا على العريضة لوقف الانتهاكات الإسرائيلية في تجمع جبل البابا ضغطوا على حكوماتهم بالفعل، واستطعنا منذ أن بدأت الحملة عام 2017 التخفيف من حدة الهدم والاقتحامات على المنطقة وليس إنهاءها بشكل كلي".

ويضيف قرعان "كان لدينا عدد من الإستراتيجيات، بدأ بضرورة وضع تجمع جبل البابا البدوي الفلسطيني على الخريطة الدولية، كما عملنا مع دولة الفاتيكان لإحياء المنطقة، وإقامة مشاريع لهم من أجل حمايتها دولياً، وحضّرنا منذ بدء الحملة عيادة بسيطة في كرفان، وخيمة استقبال للزوار ومرافق أخرى زادت من دخل أهالي التجمع ورفعت مستوى الزيارات المحلية إلى المنطقة، ولولا دعم المتطوعين الدوليين وضغطهم لما حصل شيء، واليوم هناك توافد للمواطنين من مختلف مناطق الضفة الغربية أيام العطل تحديداً أسهمت في إحياء المنطقة نوعا ما، ولا يمكن القول إن ما حصل في تجمع بدوي جبل البابا انتصاراً، لأن المعركة مع إسرائيل لازالت في أوجها".

ونتيجة الضغط الدولي الذي تشكل على الحكومات في دول الاتحاد الأوروبي، استطاعت منظمة أفاز في الشرق الأوسط وبعد جمعها مليون توقيع، اصطحاب عدد من سكان جبل البابا المهدد بالإزالة إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي مع الوثائق والأوراق والصور التي تثبت أحقيتهم بالسكن في هذه الأرض التي يمتلكها الفاتيكان.

يذكر أن العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال أهدى بولس السادس (بابا الفاتيكان) في أول زيارة له للقدس عام 1964 أرضاً من الجبل، تبلغ مساحتها 36 دونماً، امتناناً لما قام به لحماية للاجئين الفلسطينيين ومنحهم بيوتاً آنذاك.