Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مع استمرار الأزمات الاقتصادية... السودان يتطلع للاقتراض الدولي

 رئيس الوزراء الجديد يراهن على رفع بلاده من قائمة الدول الراعية للإرهاب

المشكلات الاقتصادية في السودان تتطلب جهودا ضخمة لإنقاذ البلاد (أ.ف.ب)

سيطرت الأزمات الاقتصادية التي يواجهها السودان على أول تصريحات رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الذي ربما بدأ التخطيط لمواجهتها قبل أن يحلف اليمين الدستورية، كأول رئيس وزراء للسودان بعد الثورة التي أطاحت نظام الرئيس السابق عمر البشير.

السيرة الذاتية لرئيس وزراء السودان الجديد تشير إلى أنه رجل اقتصاد من الطراز الأول، لكن في المقابل، فإن المشكلات التي يواجهها اقتصاد السودان تتطلب جهودا ضخمة، ولن تعتمد فقط على فكر رئيس الوزراء أو جهود حكومته، ولكن الموضوع يتعلق بمؤسسات التمويل والدول المانحة التي من المتوقع أن تقف مع السودان للخروج من أزمته الاقتصادية الراهنة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقبل الحديث عن أي إصلاح داخلي، أو في التشكيل الحكومي الجديد الذي يرأسه "حمدوك"، طرق رئيس وزراء السودان الأبواب الخارجية معلناً حاجة بلاده لأكثر من 10 مليارات دولار في الوقت الراهن، حتى يتسنى له استكمال خطته في تطوير اقتصاد السودان.

في أول تصريحاته، قبل أيام، قال رئيس الوزراء السوداني الجديد عبد الله حمدوك، إن السودان يحتاج نحو 8 مليارات دولار مساعدة أجنبية خلال العامين المقبلين لتغطية الواردات وللمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد بعد الاضطرابات السياسية المستمرة منذ شهور.

وأوضح أن السودان يحتاج بصورة عاجلة إلى ملياري دولار إضافية كاحتياطي من النقد في البنك المركزي للمساعدة في إيقاف تدهور سعر صرف الجنيه السوداني الذي خسر الكثير مقابل الدولار الأميركي.

وقال "حمدوك" إنه بدأ مباحثات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمناقشة إعادة هيكلة ديون السودان وتواصل مع الدول الصديقة وهيئات التمويل بشأن المساعدات.

وأضاف، "بدأنا اتصالات مع الجهات المانحة وبعض الأطراف في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الأفريقي وحجم ديون السودان حوالى 56 مليار دولار، ولكن لا بد من الوصول أولا لتفاهمات حول فوائد الدين السيادي، التي تبلغ حوالي 3 مليارات دولار لأن النظام السابق كان يعجز عن السداد".

وأوضح أن الوصول لهذه التفاهمات سيفتح الطريق لاستفادة السودان من برامج الإعفاءات من الديون وجدولة الديون والحصول على المنح والقروض.

"حمدوك" يعول على المجتمع الدولي كثيراً

وتشير هذه التصريحات إلى أن رئيس وزراء السودان يعول كثيراً على المجتمع الدولي وبعض القوى الإقليمية في مساندة الاقتصاد السوداني الذي يحتاج إلى تمويلات تقدر بنحو 10 مليارات دولار، واللازمة لتوفير احتياجات البلاد من السلع الأساسية وإعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية التي تآكلت في الأشهر الأخيرة.

وخلال الفترة الماضية، واجه السودان أزمة كبيرة تتعلق بنقص الوقود والقمح، إلى جانب ضعف السيولة لدى البنوك المحلية، فضلاً عن اضطراب سوق الصرف المحلي. ولكى يكون السودان قادراً على حشد الموارد المالية الدولية، سوف يحتاج إلى وضع وتطبيق برنامج اقتصادي عاجل يحظى بثقة الشعب والأطراف الداخلية المنخرطة في العملية السياسية، بالإضافة إلى احتواء المخاطر السياسية والأمنية القائمة، بالتوازي مع رفع الولايات المتحدة الأميركية اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه في الوقت الحالي، خصوصا أنه رغم التوقيع على وثيقة الدستور واختيار رئيس الحكومة، لكن هناك جماعات ترفض هذه الإجراءات، وهي جماعات أصولية متشددة وتسببت في حوادث إرهاب خلال فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير.

إصلاحات جذرية في بنية الاقتصاد السوداني

وتشير البيانات الرسمية، إلى أن السودان يواجه تحديات اقتصادية كبيرة منذ فترة طويلة، وهذه التحديات تستلزم إجراء إصلاحات مالية واقتصادية جذرية تطال بنية الاقتصاد. فيما تراهن الأوساط السياسية والاقتصادية في السودان على عبد الله حمدوك، الذي تم اختياره بإجماع سياسي رئيساً للوزراء عقب توقيع الوثيقة الدستورية وتشكيل المجلس السيادي، للتعامل مع المشكلات الاقتصادية الراهنة.

ووفقاً للدراسة التي أعدها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، فإن حمدوك يعرف جيداً أن الأزمات الاقتصادية هي التي دفعت الشعب السوداني إلى التحرك ضد نظام البشير، لذلك بدا من أول تصريحاته أنه يعي جيداً هذا المشاكل والأزمات التي تتعلق إحداها بمحاولة التحرك لسد النقص الواضح في السلع الأساسية من الوقود والقمح والأدوية وغيرها في الأسواق، التي كانت أحد العوامل التي سببت تصاعد حدة الاستياء الشعبي طيلة الفترة الماضية. ولم يغفل رئيس الوزراء الجديد ضرورة معالجة قضية إصلاح الدعم الحكومي المخصص لهذه السلع، بيد أنه رهن هذه المسألة بالتوافق الشعبي حولها، نظراً إلى الأهمية التي تكتسبها على الصعيد المجتمعي.

أزمة سيولة تضرب البلاد وتشوهات في سوق الصرف

يتعلق المحور الثاني الذي يعمل عليه رئيس وزراء السودان في الوقت الحالي، بمحاولة توفير السيولة من النقد الأجنبي لسد الفجوة التمويلية في البلاد، وقد قدرها حمدوك بنحو 10 مليارات دولار، على أن يتوجه منها 8 مليارات خلال العامين المقبلين لتغطية الواردات والمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد، ونحو ملياري لصالح إعادة بناء احتياطيات البنك المركزي، التي بلغت أقل من 1.5 مليار دولار خلال الفترة الأخيرة.

أما ثالث المحاور فيتعلق بضرورة معالجة تشوهات سوق الصرف، التي تعاني وجود سوقين أحدهما رسمية يبلغ فيها سعر الصرف نحو 45 جنيهاً للدولار الواحد، والأخرى غير رسمية يصل فيها إلى نحو 65 جنيهاً للدولار. ومن هنا، أكد رئيس الوزراء الجديد على ضرورة توحيد سعر صرف الجنيه والتحول نحو نظام سعر الصرف المرن المُدار للقضاء على ازدواجية سوق الصرف.

وبعد ذلك يأتي دور الالتزامات المالية المستحقة على السودان في الخارج، وهو البند الذي جاء في قائمة اهتمامات حمدوك، خصوصا أن السودان يتحمل ديوناً خارجية، تقدر وفق البيانات الرسمية، بنحو 58 مليار دولار. ولتخفيف الأعباء المالية على السودان، رجح رئيس الوزراء الجديد إمكانية إجراء مباحثات مع هيئات التمويل الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لمناقشة إعادة هيكلة الديون خلال المرحلة المقبلة.

بالتوازي مع العمل على هذه الملفات، يعمل حمدوك على استمرار إجراء مباحثات بين السودان والولايات المتحدة الأميركية لرفع اسم الأولى من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. حيث كانت الإدارة الأميركية رفعت بعض العقوبات التجارية التي كانت مفروضة على السودان، بيد أنها لم تسهم كثيراً في إعادة دمجها في النظام الاقتصادي الدولي، الذي يحتاج إلى إجراءات وخطوات أخرى.

منح ومساعدات قبل التوصل لاتفاق سياسي

وقبل توصل السودان إلى حل سياسي للخروج من الأزمة التي شهدتها البلاد منذ انطلاق الحراك الثوري، حصل على مساعدات مالية ومعونات من السلع الأساسية، وهو ما سيكون له دور كبير في دعم الاقتصاد في الفترة المقبلة. بيد أن حشد مزيد من الموارد المالية للخرطوم في الفترة المقبلة سيتوقف على مجموعة من المحددات، أولها وضع برنامج اقتصادي عاجل يعالج التشوهات الاقتصادية للسياسات المالية والنقدية، ويحظى بثقة الشعب ومختلف الأطراف السياسية، بما يدعم تنفيذه من جانب الأجهزة الحكومية.

ويتعلق المحدد الثاني بمدى تجاوب الولايات المتحدة الأميركية مع مطالب الخرطوم وبعض القوى الإقليمية لرفع اسم الأخيرة من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وفي الآونة الأخيرة، أعطى المسئولون الأميركيون بعض الإشارات الإيجابية حول إمكانية اتخاذ هذه الخطوة، لا سيما مع تسليم السلطة للمدنيين.

ومن شأن هذه الخطوة أن تعيد دمج الاقتصاد السوداني في النظام الاقتصادي العالمي مجدداً، وبما يمكن السودان من إجراء المعاملات التجارية والاستثمارية مع دول العالم بشكل طبيعي، فضلاً عن الحصول على ثقة مؤسسات الاقتراض الدولي، على غرار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ودعم فرصها في الاستفادة من القروض الدولية الميسرة.

هذا إلى جانب ضرورة العمل على احتواء المخاطر السياسية والأمنية التي تواجهها البلاد، ويفرضها استمرار بعض الصراعات المسلحة، باعتبار أن ذلك سوف يمثل متغيراً مهماً في تحقيق الاستقرار على المستويات المختلفة، وتعزيز قدرة الحكومة على احتواء تداعيات المشكلات الاقتصادية المتعددة.

الإصلاح يستغرق وقتاً طويلاً ومجهوداً ضخماً

وعلى الرغم من سعي "حمدوك" مبكراً لاختراق ملف إصلاح اقتصاد السودان، لكن تشير التوقعات إلى أن الموضوع سوف يستغرق وقتاً طويلاً لإعادة بناء الاقتصاد وتجاوز الأزمات الحالية، وهو ما يرجع إلى عدة أسباب أهمها أن وضع وتطبيق برنامج اقتصادي عاجل ليس عملية فنية فقط، وإنما عملية ذات طابع سياسي أيضاً، حيث يحتاج إلى توافق الشعب حوله، بما في ذلك تحمل تبعات أعبائه المالية والاجتماعية.

هذا فضلاً عن أنه لا يمكن استبعاد احتمال تأجيل الإدارة الأميركية الموافقة على رفع الخرطوم من قائمة الدول الراعية للإرهاب لحين انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة مستقرة للبلاد بعد عامين، إلى جانب صعوبة معالجة الأوضاع السياسية والأمنية المتفاقمة حالياً في ظل الصراعات القبلية القائمة، التي تدعمها الحركات المسلحة المنتشرة في أنحاء مختلفة من البلاد.

وفي ضوء هذه المعطيات، فإن المجتمع الدولي قد يقوم بتقديم الدعم المالي للسودان، ولكن على نحو أبطأ مما هو متوقع، وذلك لحين إجراء مزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية لتعزيز الاستقرار العام في البلاد.

المزيد من اقتصاد