مع الجيش الجزائري أم ضده... أين يتموضع الإسلاميون والعلمانيون؟

الحراك الشعبي على الحياد والشوارع أصبحت ساحة لاستعراض كل تيار عضلاته

تظاهرة تطالب بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية وكذلك رحيل النخبة الحاكمة في الجزائر العاصمة (رويترز)

احتدم التنافس السياسي بين التيارين العلماني والإسلامي، في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، يسعى فيه كل طرف للحصول على "مكاسب سياسية" لصالحه سواء عبر التموضع وراء السلطة الفعلية (الجيش)، المُسيطرة على المشهد ودعم خطتها للخروج من أزمة الانسداد أو من طريق الضغط ورفض جميع مقترحاتها، بل إن كل واحد منهما يُريد أن يكون فاعلاً في هذه المرحلة، أمام تراجع بارز لأحزاب السلطة التي دفعت ثمن "تمجيدها" للرئيس السابق بوتفليقة.

وتُنادي الأحزاب والمنظمات الجزائرية العلمانية أو كما تسمي نفسها "الديمقراطية"، بإلغاء العمل بالدستور، وانتخاب مجلس تأسيسي يقود المرحلة الانتقالية، أما التيار الثاني المسمى إسلامياً، فيبدو منقسماً هو الآخر إلى طرفين، الأول يدعم جهود هيئة الوساطة والحوار لتنظيم انتخابات في أقرب الآجال ويضع بعض الشروط، بينما يدفع الثاني نحو رحيل كل رموز نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، أمثال رئيس الدولة الحالي عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء نور الدين بدوي، واستخلافهما بشخصيات توافقية قبل إجراء أي انتخابات نزيهة وشفافة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ساحة المعركة

وبينما يقف الحراك الشعبي على الحياد محافظاً على قوته ووحدته ومتمسكاً بمطالبه، استحالت الشوارع إلى ساحة لاستعراض كل تيار (العلماني والإسلامي) عضلاته، من خلال محاولة فرض حلول للأزمة، وظهر ذلك في دعوة وجهها رئيس حركة مجتمع السلم الإسلامية عبد الرزاق مقري، قبل أيام إلى مناضلي تشكيلته السياسية من أجل العودة إلى المشاركة بقوة في الحراك الشعبي، بل إنه حذّر من استغلال ما سماه "التيار العلماني" غيابهم عن الشارع في تحقيق أهدافه.

وقال مقري في افتتاح أشغال الجامعة الصيفية لمناضلي حزبه "أن تتراجعوا عن الحراك فيُقضى الأمر من دونكم"، علماً أن حركة حمس ترفض سجنها في التيار الإسلامي وترفع شعار التيار الوطني النوفمبري نسبة إلى ميثاق أول نوفمبر (تشرين الثاني)، تاريخ اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954.

"قوى البديل الديمقراطي"

حتى ولو لم يُفصح مقري عمن كان يقصدهم بالتيار العلماني، فإن مراقبين يجزمون أن المعني هم أحزاب وتنظيمات انضوت تحت تكتل سمته "قوى البديل الديمقراطي"، يضم كلاً من حزب العمال والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية، حزب العمال الاشتراكي، الاتحاد من أجل التغيير والرقي، الحركة الديمقراطية والاجتماعية، الحزب من أجل اللائكية والديمقراطية، والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان.

ويدعو التكتل إلى "مرحلة انتقالية" تتيح الذهاب إلى انتخابات رئاسية لكن بعد تعديل الدستور المعمول به حالياً وتصحيح الاختلالات الموجودة به، وإما الاتفاق على "وثيقة ما قبل دستورية" يجري فيها ضبط كل ما يتعلق بتعديل الدستور المنتظر خلال العهدة الرئاسية المقبلة. كما تقوم المرحلة الانتقالية على ركائز عدة، منها "استقلالية العدالة والفصل بين السلطات وعدم استعمال الدين والتراث ورموز الأمة لأغراض سياسية، والمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء وعدم استعمال العنف للوصول إلى السلطة وممارستها".

زيادة على ذلك، العمل على "تكريس الحريات الفردية والجماعية والنقابية والحق في الإضراب والسيادة الشعبية على الثروات الطبيعية للأمة واحترام جميع التعدديات"، بحسب ما ورد في الميثاق السياسي للانتقال الديمقراطي الذي تكتلت حوله أحزاب البديل الديمقراطي في نهاية يونيو (حزيران) الماضي.

تقارب

على الضفة الأخرى، أبدت المؤسسة العسكرية، وهي السلطة الفعلية حالياً في الجزائر، نوعاً من الليونة والتقارب مع جزء من التيار الإسلامي أكده وصول أحد قيادييها وهو سليمان شنين رئيس كتلة التحالف الإسلامي "الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء" إلى رئاسة البرلمان في سابقة سياسية.

يشار إلى أن شنين، كان من بين القيادات البارزة في حركة مجتمع السلم في وقت الراحل محفوظ نحناح، لكنه انشق عنها عام 2008 ليؤسس مع كتلة من الكوادر "جبهة التغيير"، ثم "حركة البناء الوطني" عام 2013.

وتدعم تشكيلة شنين وهي حركة البناء التي يقودها وزير السياحة السابق، عبد القادر بن قرينة، خطة الجيش للخروج من الأزمة، حتى أنها قبلت الجلوس مع هيئة الحوار والوساطة التي يقودها كريم يونس، بينما تشترط حركة مجتمع السلم الإسلامية وجبهة العدالة والتنمية التي يقودها المرشح السابق لرئاسيات 1999، عبد الله جاب الله، توافر جملة من الشروط قبل المشاركة في الحوار.

وتفاعلاً مع المستجدات، عبّرت مؤسسة الجيش على لسان قائدها رئيس الأركان أحمد قايد صالح عن تحفظها لدعاة المرحلة الانتقالية، وهدّد قائدها الفريق أحمد قايد صالح "بكشف حقيقتهم"، بقوله "لدى الجيش معلومات مؤكدة حول تورطهم في خدمة مصالحهم الضيقة وخدمة أسيادهم"، في إشارة إلى اتهامات لهم بالتبعية إلى جهات أجنبية.

حرب التموضعات

وتعتقد الصحافية الجزائرية المتخصصة في الشأن السياسي فتيحة بوروينة أنه "لم يُعد لما يمكن تسميته التنافس أو التنازع على الشارع الحاصل الآن بين التيار الإسلامي والعلماني معنى أو جدوى بعدما خرج الجزائريون بالملايين في 22 فبراير (شباط) إلى الشارع من دون استئذان مسبق للأحزاب أو التعويل عليها بعدما أثبتت فشلها في إحداث التغيير الذي ظل يطالب به الجزائريون منذ العهدة الثالثة للرئيس المرحل من السلطة قسراً بحراك وثورة الجزائريين البيضاء السلمية".

"قوى التغيير"

في معرض حديثها إلى "اندبندنت عربية" أشارت إلى أن "محاولة تلك الأحزاب استغلال الحراك بحثاً عن عذرية جديدة أو تموضع أفضل من السابق، لأنها تعلم أن الشارع صار آخر فرصها للبقاء في المشهد السياسي في وقت تجد السلطة نفسها عاجزة عن التعاطي مع الأزمة بأذرعها وأجهزتها الحزبية الموالية لها الفاقدة لكل صدقية شعبية، والمتهمة بالفساد والزبائنية واللصوصية، وعاجزة أيضاً عن ترويض أحزاب، خصوصاً تلك المحسوبة على التيار العلماني المطالبة برحيل رموز العهد البائد وبمرحلة انتقالية صارت تهمة في نظر الفاعل السياسي المركزي الآن وأعني الفريق قايد صالح نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش".

وبحسب رأيها، فإن "الأحزاب السياسية الإسلامية المنخرطة الآن في ما يعرف بـ "قوى التغيير" تدرك من جهتها أن استمرار النظام الحالي يعني بقاءها مجرد بيدق في يده يستغله وقت الحاجة من دون تسليمه مقاليد الحكم، ويبدو أن هذه الأحزاب لم تعد تقبل بلعب هذا الدور زيادة، ولهذا السبب تدعو مناضليها إلى زيادة التعبئة بحثاً عن موقع متقدم في حراك يحافظ على قوته ووحدته ومصرّ على التغيير على الرغم من المطبات التي تضعها سلطة الأمر الواقع طمعاً في إضعافه وكسره".

تنافس مصطنع

في المقابل، يتصور الناشط السياسي عبد المالك بوشافة أن "هذا التقسيم (علماني وإسلامي) هو نتاج الاستخبارات المظلمة، انتهج بعد إقرار التعددية الحزبية بموجب دستور الجزائر عام 89" مؤكداً أن "جل الأحزاب نشأت في مكاتب الجنرالين العربي بلخير ومحمد مدين المعروف باسم التوفيق (قائد الاستخبارات الأسبق)، وهذا ما صرح به رئيس حكومة أسبق، إذاً، فهي لها علاقة وطيدة بمختلف عصب وشبكات النظام وهي متورطة بطريقة مباشرة في الوضع الذي وصلت إليه البلاد، فكلاهما ساندا السياسيات التي فرضتها السلطة".

وأضاف معللاً كلامه في تصريحه إلى "اندبندنت عربية" أن "التسيير الإداري والأمني لقياداتها مكّن من فرض هذه الثنائية القطبية لكن عندما تحتاج لكليهما تذوب هذه الثنائية مؤقتاً ووفقاً لأجندات السلطة ولما تقتضي منها وطراً تعود من جديد للظهور".

جزء من المشكل

وعليه يعتقد عبد المالك بوشافة أن "هذين (التيارين) جزء من المشكل الذي تعيشه الجزائر اليوم لأنهما لعبا دوراً بارزاً في تقسيم الجزائريين ما أعاق أي توافق تاريخي وسياسي في المجتمع، فكلاهما في خدمة السلطة واستفادا من ريعها، لقد عاشا في محمياتها في الوقت الذي كان أبناء الشعب ضحية العنف السياسي".

وفي هذا السياق قال "ها هي اليوم تعود إلى ممارستها نفسها لنجدة السلطة التي أربكتها ثورة 22 فبراير، وتتفاعل بتفاعلات صالونات السلطة بعرض خدماتهم، فهم مستعدون للرئاسيات ولو كانت في شهر بينما النقيض الظاهر سيلعب دور المعارض، حتى لا يتحقق التوافق التاريخي والعقد السياسي والاجتماعي بين الجزائريين والجزائريات لبناء نظام جديد وشفاف ينهي عهد الوصاية السياسية والأبوية لهذه العصب وشبكاتها، نظام مبني على المسؤولية والمساءلة والحرية ويدفن نهائياً الجهوية والطائفية ويكون التنوع فيه مصدر قوة وثراء وليس مصدر تفرقة وتقسيم كما يتمناه هؤلاء نظاماً جديداً لا يستغل فيه الدين للوصول أو البقاء في السلطة ولا يكون أيضاً ضد الدين".