سيميائية "اللّوك" الإسلاموي المعاصر

أكانوا بلباس القرن الماضي أو بلباس التقليعات الجديدة هم مستعدون للموت والانتحار ويدافعون عن ثقافة الكراهية

المتطرفون يستغلون تقنيات العصر لترويج معتقداتهم (أ.ب)

لقد تغيرت كلية الصورة النمطية التي ما فتئنا نحملها في أذهاننا وفي مخيالنا الجمعي عن الإسلاموي المغاربي، تلك التي تعود إلى سنوات السبعينيات والثمانينيات، أي إلى الربع الأخير من القرن الماضي، إذ كان شكله وحركاته وسلوكه متميزة داخل المجتمع، قريبة من الشاذة، في الشارع وفي المدينة الجامعية وفي السوق وحتى بين المصلين.

كان الإسلاموي المغاربي يرتدي لباساً أفغانياً، أو لباساً مصرياً أو سعودياً بديلاً من اللباس المعاصر المعروف أو المحلي التقليدي، وهو بذلك كان يريد أن يحيل على مرجعية جغرافية - دينية – جهادية معينة. وكان إطلاق اللحية من دون تشذيب أو تهذيب علامة فيزيولوجية جمالية على هوية أيديولوجية معينة، وكان يحرص أيضاً على قص الشاربين، وكنا لا نرى أحدهم إلا وهو يعضّ على عمود السواك يخلِّل به أسنانه في الشارع أو في وسائل النقل العمومية من دون حرج أو خجل. بل بكثير من التبرج والبهرجة، وكان يكحّل عينيه، وكانت للإسلاموي المغاربي لغته الخاصة بقاموسها المحدد، وله طريقته في "التحية" و"السلام" غريبة عمّا تعود الناس تبادله عند اللقاء أو الوداع أو عند الصباح أو في المساء. كانوا يتحدثون في ما بينهم كما في الأفلام والمسلسلات الدينية، وكان الإٍسلاموي المغاربي يتحدث بلهجة قريبة من الإيقاع المشرقي، وفي ذلك تكتشف التقليد الواضح لطريقة حديث بعض شيوخ التلفاز أو أشرطة (الكاسيت) المسجلة التي غزت السوق وامتلأت بها طاولات بائعي الأرصفة في المدن الكبيرة والقرى، كأشرطة تسجيلات الشيخ عبد المجيد الزنداني ومتولي الشعراوي وعبد الحميد كشك وغيرهم.

في الجزائر، كانت تركيبة المجموعة الإسلاموية الأولى من الطلبة المعربين أي آحاديّ اللغة، وغالبيتهم جاءوا من معاهد التعليم الديني التي أسسها مولود قاسم نايت بلقاسم الذي كان وزيراً للشؤون الدينية والأوقاف في السبعينيات، والتي كانت تعتبر تعليماً موازياً للتعليم الجمهوري أو المدرسة الجمهورية. وقد جمع في هذه الثانويات مجموعة من الشباب الذين فاتهم سن الدراسة وقد تحصلوا على بعض التعليم الديني وقد خصصت لهم شهادة بكالوريا خاصة التي كانت تسمح لهم بالالتحاق بالجامعات، وبالتالي أغرقوا كليات الآداب والعلوم الإنسانية، وغالبية هؤلاء الإسلامويين  ينزلون من أصول ريفية دخلوا المدينة فوجدوا أنفسهم وكأنهم على الهامش، فكان ردهم على ذلك بالتميز وتربية ثقافة الرفض والعنف التي ستبدأ في الظهور أساساً في الجامعات (الجزائر العاصمة، وهران، قسنطية) وأيضاً في المدن الجامعية، وستكون الحلقات الأولى الأيديولوجية للدعوة والتعبئة حول "كتب مالك بن نبي" وابن تيمية.

أما المرأة الإسلاموية فهي الأخرى اتخذت لها "لوكاً" جديداً، ارتدت لباساً لم تعهده المرأة الجزائرية ولا المغاربية بشكل عام، فكانت ترتدي "جلباباً" مستورداً، تجرجر أطرافه على الأرض، وبألوان حزينة كالأسود أو الرمادي الداكن، وشيئاً فشيئاً بدأت تتكاثر "المجلببات" خصوصاً في أوساط الطالبات، وظهرت جمعيات تنتمي إلى الإخوان المسلمين مهمتها تلبيس الطالبات اللباس الإسلاموي وذلك بالتبرع بمثل هذه الألبسة، وشيئاً فشيئاً بدأ الشارع والأسرة المغاربية يفقدان انسجامهما الذي يعد اللباس واحداً من دعائمه، فاللباس ليس مسألة حيادية، إنه علامة أيديولوجية.

اللُّوكْ الراهن

مع بداية الألفية الثالثة، ومع انفجار الثورة التكنولوجية وتعدد وسائل الاتصال، وتعميم شبكات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر وأنستغرام وغيرها، وتزامناً مع التفجير الإرهابي في 11 سبتمبر(أيلول) 2001 الذي وقع على المركز التجاري الأميركي، دخل العالم منعطفاً جديداً في علاقته مع الإسلاميين، واندلعت  المعركة العسكرية والأمنية والمالية العالمية ضد الإرهاب، مع هذا التحول التكنولوجي والعملياتي الإرهابي رافقه تغيرٌ واضح أيضاً في "مظهر" الإسلاموي الذي انتقل إلى منطقة أقصى العنف والموت والتفجيرات الانتحارية، أمام هذا الوضع الجديد تنازل الإسلاموي عن مظهره القديم، عن "اللوك" الذي صنعه في الربع الأخير من القرن الماضي، تخلى عن شكل الألبسة التي ظل يرتديها الآباء والأجداد من مؤسسي الحركات الإسلامية المتطرفة الأولى والمشرفين على إعداد المجموعات الإرهابية الأولى في البلدان المغاربية، وأساساً في الجزائر التي عاشت عشرية سوداء دموية 1990-2000.

يتميز "اللُّوكْ" (مظهر) الإسلاموي النموذجي اليوم بعلامات جديدة، فلقد اختفت اللحية من الوجه، تماماً، ولم تعد علامة من علامات التوحش كما في الربع الأخير من القرن الماضي، وأضحت اللحية مسألة عادية في المجتمعات المغاربية، أي عادت إلى ما كانت عليه قبل ظهور المجموعات الأولى من التطرف الإسلاموي.

لقد بات من الصعب اليوم تمييز الإسلامويين الإرهابين في المجتمع من خلال المظهر الخارجي، لقد ذابوا مظهرياً في المجتمع الجديد بتقاليد لباسهم وحركاتهم وتصرفاتهم الجديدة المتناسبة مع الوضع القائم عالمياً ومحلياً.

أصبح الإسلاموي الإرهابي لا يتردد في استعمال (جِلْ) الشعر، ويحرص هو الآخر على حلاقة وتصفيف شعره بحسب تقليعات نجوم كرة القدم ونجوم الغناء والموسيقى، وظلت ماركات الأحذية الرياضية هي الأكثر استعمالاً برموزها الرأسمالية الجشعة واضحة في أقدام الإسلامويين الإرهابيين، شأنهم شأن فئات كثيرة من شباب المجتمعات المغاربية. وقد اختفت اللغة الدينية المنتمية إلى دعاة القرن الماضي، (جيل كشك والزنداني والشعرواي) وظهرت لغة أخرى هي قريبة من لغة نجوم الدعاة الإسلامويين الجدد، والذين يحاولون استعمال اللغة الأجنبية تارة، والدارجة المحلية طوراً في أحاديثهم. ودخلنا زمن اليوتيوب الإسلاموي الدعوي والسيلفي الإسلاموي وخرجنا من زمن الشريط المسموع.

أما لدى النساء الإسلامويات من الجيل الجديد فقد اختفى "الجلباب" السبعيني ذات الألوان الحزينة الداكنة لتعوضه ألبسة بأشكال غريبة وبألوان فاقعة، ويظهر سروال الدجين والحذاء الرياضي من تحت عباءة فاقدة لأي انتماء واضح، يشعرنا هذا اللباس بقلق سيكولوجي وإيديولوجي يعاني منه الذوق الجمالي النسوي اليوم، لينتقل الذوق الإسلاموي المغاربي من استعارة اللباس الشرقي المصري أو الأفغاني أو السعودي إلى استعارة اللباس التركي، وهو تشبّه بلباس مناضلات حزب "العدالة والتنمية" الإخواني التركي، حزب أردوغان، وأمام هذا "القلق الهوياتي" الجمالي في الملبس تتدخل الشركات الرأسمالية المتوحشة العابرة للقارات لتستثمر في سوق "الحلال"، وموازاة مع هذا التحول في مظهر النساء الإسلاميات وما يرافقه من قلق حضاري تطرح هذه الشركات في الأسواق العربية والمغاربية ما يسمى "العطر الحلال" و"أحمر الشفاه الحلال" و "دمية باربي الحلال" و"صابغ الرموش الحلال" و"الشامبو الحلال" لتكسب ثروة هائلة.

ويتعامل الإسلاموي اليوم مع التكنولوجيا بشكل عادي جداً، كالهواتف الذكية والحواسيب الجديدة العالية الجودة والمعقدة، وتُستثمر هذه التكنولوجيا في تجنيد الشباب في صفوف الإرهاب بعد تعريضهم لغسيل دماغ كامل، وتحريضهم على زرع ثقافة الكراهية بين الشعوب والثقافات والديانات.

تغير كل شيء ولم يتغير شيء!

الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو أن هؤلاء الإسلاميين أكانوا بلباس القرن الماضي أم بلباس التقليعات الجديدة لأيام الناس هذه، فهم مستعدون للموت والانتحار وأنهم كآبائهم يدافعون عن ثقافة الكراهية ويُشَيِّئون المرأة، ويؤمنون بالخرافة، ويرفضون العيش مع الآخر ويصنفون كل ما ينتجه الغرب، وهم أوائل المستهلكين له، على أنه مؤامرة ضد الإسلام وضد المسلمين.

حتى وإن تغيرت سيميولوجيا الملبس والمظهر عند الإسلاموي فإن الإيديولوجيا لم تتغير؛ الجوهر الذي يشكل روح الذات ظل هو نفسه إن لم يكن قد ازداد شراسة، شراسة معاصرة تبدع في فن القتل والتفجير والخراب، لقد تغير شكل القتل ولكن الفعل ظل هو نفسه، حتى وإن تغيرت اللغة وتبدل الخطاب قليلا ًأو كثيراً فالموضوعات والهواجس المرضية التي طرحها الآباء المؤسسون للإرهاب لا تزال هي نفسها؛ كراهية المرأة، كراهية الآخر، محاربة الحرية الفردية، مرض الفتوحات الإسلامية الجديدة، الجهاد، معاداة اليهود والنصارى، واعتبار أن ما ينتجه هؤلاء  هو من حقهم ولو اغتصاباً.

حتى وإن تغيرت وسائل المعرفة وقنواتها من جيل الآباء المؤسس للإسلام السياسي المتطرف وللإرهاب إلى جيل الأبناء، فالعودة إلى الشاذ في التراث الفقهي واعتماده في زرع الفتنة يظل هو نفسه عند الفريقين، يستعمل ويوظف لأجل التجييش والتضليل.

المزيد من آراء