Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تحسم القمة الأميركية - الصينية الخلافات أم تزيدها؟

واشنطن تحمل آمالاً متواضعة لاستعادة العلاقات وبكين تأمل في التزام الولايات المتحدة بسياسة "صين واحدة"

الرئيس الصيني شي جينبينغ يصل إلى مطار سان فرانسيسكو الدولي في كاليفورنيا (أ ف ب)

ظلت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين على مدى عام كامل فاترة غالباً ومتوترة أحياناً أخرى بسبب المواجهات في شأن تايوان وبحر الصين الجنوبي والنزاعات التجارية وعمليات التجسس، لكن القمة بين الرئيسين جو بايدن وشي جينبينغ في سان فرانسيسكو، تحمل بعض الأمل في إمكانية نزع فتيل هذه التوترات وإرساء تفاهم على إدارة المنافسة بين العملاقين بشكل دبلوماسي يجنبهما أي صراع محتمل، أو توسيع نطاق الحرب الباردة بينهما، فما الذي يريده كل طرف من الآخر؟ وما أوجه الخلاف والمخاوف التي يمكن أن تحسمها هذه القمة أو تهدئ من عنفوانها؟ 

اختبار جديد للعلاقة

يسعى الرئيسان بايدن وشي في أول لقاء بينهما منذ عام على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (آبيك) في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية على المحيط الهادئ، إلى بناء استقرار في العلاقة بين البلدين ووضع حد للعلاقة المتوترة التي تصاعدت في ملفات عدة خلال الأشهر الماضية حتى وصلت إلى حد رفض وزير الدفاع الصيني تلقي مكالمة هاتفية من نظيره الأميركي، مما أثار غضب المسؤولين الأميركيين وحلفائهم الغربيين، وهو ما يجعل هذه القمة اختباراً جديداً للعلاقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويدرك الجانبان أن أيام القمم المشتركة الناجحة بينهما قد ولت بشكل كبير، حينما كانت تسفر عن اتفاقات في شأن احتواء كوريا الشمالية ومنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وحول أهداف المناخ والتنسيق الاقتصادي لتجنب الأزمات المالية والجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب، بينما تبدو الآن إمكانية التوصل إلى اتفاق جوهري ضئيلة للغاية في أحسن الأحوال، إذ لا توجد خطة للزعيمين لإصدار بيان مشترك من أي نوع، وبدلاً من ذلك، ستقدم كل حكومة روايتها الخاصة لما دار من مناقشات بينهما.

الإنجاز الوحيد المتوقع

مع ذلك، قد يكون الاتفاق الوحيد الملموس الذي يمكن أن يتمخض عنه الاجتماع بحسب ما لمح مستشارو بايدن هو الإعلان عن استئناف الاتصالات العسكرية بين الجيشين، والتي علقها الصينيون بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة نانسي بيلوسي لتايوان في صيف عام 2022، وهي قضية حساسة سعت واشنطن إلى حسمها لتجنب أي احتكاك عسكري بين قوات البلدين، وبخاصة قرب تايوان أو في بحر الصين الجنوبي الذي شهد توترات خطرة خلال الأشهر السابقة.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة للأميركيين الذين كانوا ينظرون إلى هذه الخطوط الساخنة العسكرية المباشرة على أنها حاسمة خلال الحرب الباردة بين القادة العسكريين الأميركيين والسوفيات لمنع أية حوادث مؤسفة أو سوء اتصالات من التصاعد إلى حرب شاملة قبل فوات الأوان، وفي ظل الحرب الباردة الجديدة مع الصين الآن، يريد بايدن من "البنتاغون" إعادة إنشاء خطوط عسكرية ساخنة مع بكين، وهو ما يقول مسؤولون أميركيون إن هذه الخطة قيد التنفيذ حالياً، وإذا تم الإعلان عنها في القمة كما هو متوقع، فقد تقطع شوطاً طويلاً نحو ضخ بعض الاستقرار في العلاقات الأميركية - الصينية المتوترة للغاية.

درء الخطر

في الوقت نفسه، اعتبر مسؤولون أميركيون أن الحفاظ على خطوط اتصال مفتوحة أمر مهم في وصف العلاقة التي يعتقدون أنه من الأفضل إدارتها بالطرق الدبلوماسية القديمة وليس من خلال نهج المشاركة الذي اتبعته الدولتان لعقود من الزمن، وبحسب تعبير جيك سوليفان مستشار الأمن القومي للرئيس بايدن، فإن العلاقة الآن تدور حول إدارة المنافسة بشكل مسؤول من خلال الدبلوماسية المكثفة وإزالة المفاهيم الخاطئة وتجنب المفاجآت بحيث لا تنحرف العلاقة إلى الصراع.

ويرى خبراء ومسؤولون سابقون مثل نائب مساعد وزير الخارجية السابق ريك ووترز، أن أفضل إشارة يحتاج إليها هذا الاجتماع هو تجنب الجانبين تفجير بعضهما بعضاً ودرء الخطر المتزايد للصراع بين البلدين، في ما اعتبر نيراف باتيل، نائب مساعد وزير الخارجية السابق في إدارة أوباما والرئيس التنفيذي الحالي لمجموعة "آسيا" الاستشارية، إن الرجلين يحتاجان إلى إظهار قدرة واضحة على إدارة التوتر بطريقة لا تمتد إلى أزمات لا يرغب أي من البلدين في الدخول فيها.

تجنب حرب باردة

ولعل هذا هو السبب في امتناع مستشاري الرئيس بايدن عن تكرار رغبتهم الماضية في وضع ما يسمى "حواجز حماية" في العلاقة مع بكين، وهي العبارة التي يرفضها الصينيون باعتبارها أسلوباً أميركياً جديداً للاحتواء، بينما قال سفير الصين لدى الولايات المتحدة شيه فنغ، الأسبوع الماضي إن الرئيس شي جينبينغ سيطلب تأكيدات من الرئيس بايدن بأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب باردة جديدة، وهو أمر ردده في تصريح له خلال مارس (آذار) الماضي حينما قال إن الولايات المتحدة متورطة في سلوكيات شبيهة بالحرب الباردة، وإن الدول الغربية بقيادة واشنطن نفذت إجراءات احتواء شاملة وتطويق وقمع للصين.

وتعد أبرز مخاوف الصين هي الجهود التي تبذلها إدارة بايدن لبناء خليط من الحلفاء القدامى والشركاء الجدد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عبر اتفاقيات جديدة تمتد من الفيليبين إلى بابوا غينيا الجديدة لمواجهة طموحات الصين، فضلاً عن بناء واشنطن اتفاقيات دبلوماسية أقوى مع القادة الآخرين مثل رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، الذي اشتبكت بلاده في نزاع حدودي مع بكين، والذي كان ضيف شرف خلال زيارة رسمية للبيت الأبيض في يونيو (حزيران) الماضي، والتقاه بايدن في نيودلهي في سبتمبر (أيلول)، كما سافر الرئيس الأميركي إلى فيتنام للإعلان عن شراكة استراتيجية جديدة، ويوم الإثنين الماضي استضاف بايدن جوكو ويدودو رئيس إندونيسيا في البيت الأبيض، حيث أعلن الجانبان أن إندونيسيا ترفع علاقتها مع الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها.

ووفقاً لمنسق بايدن لشؤون المحيطين الهندي والهادئ كيرت كامبل، في مقابلة مع المجلس الأطلسي، فإن أهم شيء يجب على الولايات المتحدة القيام به خلال القمة هو التوضيح للصينيين أن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بالقوة، ولا تزال أقوى دولة، وهي ملتزمة بهدفها الأكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

خلاف نووي

لكن بينما تسعى إدارة بايدن إلى إيجاد طريقة للالتزام المستقبلي بإبعاد برامج الذكاء الاصطناعي عن أنظمة القيادة والسيطرة النووية الخاصة بالولايات المتحدة والصين، فإن بكين لم تدخل حتى الآن في أية مفاوضات مهمة حول ترسانتها النووية سريعة التوسع، ولم تقل الإدارة الأميركية سوى القليل جداً عن الكيفية التي يخطط بها بايدن لإثارة هذه القضية.

ومن الواضح أن التسلح النووي الصيني المتسارع يثير قلق "البنتاغون" بينما يراقب نمو الترسانة الصينية التي وصلت إلى 500 سلاح استراتيجي، ويتوقع أن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2030، ومع ذلك فإن العدد الحالي من الأسلحة الصينية التي تم نشرها لا يزال يمثل ثلث حجم الترسانتين الأميركية والروسية بحسب ما كشف مسؤولون صينيون، ولهذا أبلغوا نظراءهم الأميركيين أنهم لن يناقشوا مسألة الحد من الأسلحة النووية حتى يحصلوا على التكافؤ مع القوتين العظميين النوويتين الأخريين.

غزة وإيران

وعلى رغم تعدد الملفات التي يحاول بايدن وشي جينبينغ حسم الخلافات حولها، فإن الحرب في غزة ستشكل جزءاً رئيساً من المناقشات بحسب مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، حيث تتمتع بكين بعلاقات تجارية ودبلوماسية دافئة مع إيران التي تساعد في دعم "حماس" والجماعات المسلحة الأخرى في الشرق الأوسط، ومن المتوقع وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" أن يؤكد بايدن للرئيس الصيني أن الحرب الموسعة في الشرق الأوسط ليست في مصلحة جمهورية الصين الشعبية، وأن الولايات المتحدة سترد إذا استمر وكلاء إيران في مهاجمة القوات الأميركية.

ونظراً إلى أن علاقات الصين مع إيران أصبحت أولوية أكثر إلحاحاً نظراً إلى ما يصفه "البنتاغون" بالهجمات شبه اليومية على القوات الأميركية في الشرق الأوسط من قبل المسلحين المدعومين من إيران، مما دفع الولايات المتحدة إلى الرد بثلاث غارات جوية منفصلة على منشآت تلك الجماعات في سوريا، فإن من المتوقع أن يضغط بايدن على نظيره الصيني من أجل استخدام نفوذه لدى طهران لمنع إيران ووكلائها من تحويل الحرب بين إسرائيل و"حماس" إلى صراع إقليمي أوسع، وذلك بحسب ما نقله موقع "بوليتيكو" عن مسؤولين أميركيين.

ماذا يريد بايدن؟

يتطلع الرئيس بايدن إلى الخروج من القمة ببعض الانتصارات الملموسة، لكنه يحتاج إلى السير على حبل مشدود لتهدئة التوترات بين الولايات المتحدة والصين من دون أن يبدو متساهلاً للغاية معها، بخاصة أنه كان يأمل في الذهاب إلى القمة من نقطة قوة، وتقديم الولايات المتحدة كزعيم موثوق لتحالف إقليمي للديمقراطيات المتحالفة ضد بكين، لكن السياسة الداخلية تهدد هذا الطموح، حيث يكافح المشرعون في "الكونغرس" لتمرير مشروع قانون التمويل الحكومي، وتهدد الخلافات بين البيت الأبيض وكبار الديمقراطيين في مجلس الشيوخ بعرقلة اتفاقية تجارية مميزة كان من المقرر أن يكشف عنها بايدن في قمة "آبيك".

وكان بايدن يحتاج إلى إقناع الرئيس شي جينبينغ بأن الولايات المتحدة والصين لا تزال أمامهما مساحة كبيرة للتعاون، لكن يصعب الترويج لهذا الأمر بالنظر إلى أن الرئيس الأميركي يصف بكين بأنها تهديد للنظام الدولي القائم على القواعد، ويتهمها بارتكاب إبادة جماعية في شينغيانغ ضد الإيغور ذات الغالبية المسلمة، كما شن حملة استمرت ثلاث سنوات لحشد شركاء واشنطن في تحالفات تتعارض مع الدبلوماسية الصينية المتنامية والعضلات الاقتصادية والعسكرية لها.

وإضافة إلى محاولة إنشاء خطوط اتصال جديدة مع الصين في حال الطوارئ، والحصول على ضمانات بأن بكين لن تقدم لروسيا مزيداً من المساعدة في حربها في أوكرانيا، يأمل البيت الأبيض في الإعلان عن التزام جديد من جانب بكين لوقف تدفق المواد الكيماوية إلى المكسيك التي تقوم الكارتلات بمعالجتها وتحويلها إلى "الفنتانيل"، وهي مادة مخدرة يتم تهريبها من المكسيك إلى الولايات المتحدة.

وبينما يخطط بايدن لمناقشة مسألة شحن الصين المستمر للتكنولوجيا إلى روسيا لتغذية الحرب في أوكرانيا، ومشترياتها من النفط الروسي والإيراني الخاضعين للعقوبات، فإن احتمال تغيير سلوك الصين ضئيل أو معدوم كما يعترف المسؤولون الأميركيون.

ماذا يريد شي جينبينغ؟

يأتي شي إلى قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي "آبيك" على أمل بث حياة جديدة في الاقتصاد الصيني المتعثر بحسب موقع "فورين بوليسي"، حيث يسعى إلى الحصول على تطمينات بأن بايدن ليست لديه خطط للاعتراف باستقلال تايوان أو تقويض سياسة "صين واحدة"، وأن واشنطن لن تحاول ضرب الاقتصاد الصيني بشكل كامل حتى في الوقت الذي تتبع فيه الولايات المتحدة ضوابط عقابية على التجارة والصادرات لتقليل حجمها، واعتمادها المفرط على الصين في التكنولوجيا المتطورة وسلاسل التوريد التي تعتبر بالغة الأهمية للأمن القومي الأميركي.

ويرى متخصصون استراتيجيون أن الرئيس الصيني يريد إبطاء أو تعديل وتيرة وشدة الإجراءات الأميركية المستقبلية، بخاصة في مجال التكنولوجيا، والتي تراها بكين باهظة الثمن، ويعتبر الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات كريغ سينغلتون، أنه يمكن للرئيس الصيني استخدام قمة "آبيك" كمنتدى لتقديم الصين كبديل مقنع للقيادة العالمية الأميركية في الوقت الذي تتصارع الولايات المتحدة مع مفاوضات التمويل الحكومي، بما يساعد بكين على أن تغذي الخطاب القائل إن الولايات المتحدة غير موثوقة، وإن الصين تمثل بديلاً.

تايوان الأكثر حساسية

تعد تايوان القضية الأكثر حساسية في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، ويتفق معظم المحللين على أنها النقطة التي يمكن أن تؤدي إلى صراع مفتوح بين القوتين العالميتين، فالصين شديدة الحساسية تجاه أي تغيير في سياسة "صين واحدة" التي اتبعتها منذ السبعينيات.

وإذا حاولت واشنطن تغيير هذه السياسة، فقد يتم النظر إليها على أنها تعزيز لسيادة تايوان، سواء أكان ذلك تغييراً بسيطاً في بعض الكلمات في بيان دبلوماسي أو مشاركة تايوان في المنظمات الدولية، ومع ذلك من المرجح أن تؤكد الولايات المتحدة أنها لن تقوض سياسة "صين واحدة"، ولكنها ستواصل تعميق العلاقات العسكرية مع تايوان في محاولة لردع أية خطط صينية مستقبلية لاستعادة الجزيرة بالقوة، وإذا حصل تغيير في الوضع الراهن لتايوان من أي من الجانبين فسوف يكون ذلك بمثابة صفقة كبيرة للغاية.

آمال متواضعة

في ظل الصورة الضبابية لإمكانية إحراز انفراج مهم، ربما يكون الإنجاز الأكبر هو أن الرجلين يتحدثان، بخاصة عندما تكون آمال الولايات المتحدة متواضعة وتتصرف على أنها تريد إعادة العلاقات الثنائية إلى ما كانت عليه في بالي بإندونيسيا، قبل تصاعد التوترات.

وتشير سوزان شيرك، الرئيسة الحالية لمركز الصين للقرن الـ21 بجامعة "كاليفورنيا" سان دييغو، إلى أن هذا ليس وقتاً ميموناً للتسويات الأميركية تجاه الصين، كما أن الصينيين ليسوا متحمسين للخروج من القمة بإنجازات كبرى.

المزيد من تقارير