إيران والحرب التجارية وبريكست... انفراج وتوافق وخلاف مستمر في ختام قمة السبع

واشنطن وبكين تعودان إلى طاولة المفاوضات قريبا... وزيارة جواد ظريف تلفت الأنظار

زعماء قمة السبع الكبار التي انعقدت في منتجع بياريتس جنوبي فرنسا (أ.ف.ب)

بعد ثلاثة أيام من المباحثات والنقاشات في منتجع بياريتس جنوبي فرنسا، اختتمت اليوم أعمال قمة السبع الكبار في ظل خلافات حادة في عدد من القضايا العالمية، بينها الملف النووي الإيراني، والحرب التجارية بين بكين وواشنطن، والتغير المناخي، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على أن تنعقد القمة المقبلة في ميامي بالولايات المتحدة الأميركية.

وخلال أيام القمة، التي بخلاف المعتاد أصدرت بيانا مشتركا في صفحة واحدة، بعدما رجح أطرافها قبل أيام من انطلاقها إمكانية أن تتغاضي هذا العام عن إصدار بيان مشترك لمحاولة تجنب الخلافات، احتلت ملفات إيران وزيارة وزير خارجيتها المفاجئة لبياريتس، والحرب التجارية، فضلا عن حرائق غابات الأمازون والسجال بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره البرازيلي جاير بولسونارو، فضلا عن ملف "بريكست" أبرز مشاهد القمة، إذ شهدت بعض الملفات توافقا فيما انفرجت البعض، وبقي الاختلاف من نصيب أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بوادر "انفراجه" في الحرب التجارية

ظهرت بوادر أمل بشأن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين اليوم الاثنين مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن واشنطن ستستأنف "قريباً جداً" المفاوضات مع الصين، فيما دعا كبير المفاوضين الصينيين من جهته إلى "التهدئة".

ويخوض الطرفان منذ عام نزاعاً تجارياً مع تبادل فرض رسوم جمركية على مليارات الدولارات من البضائع، تصاعد التوتر فيه خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وبعد ثلاثة أيام فقط من إعلان الطرفين عن فرض رسوم جمركية إضافية، قال ترمب للصحافيين، على هامش قمة مجموعة السبع، "إنه تلقى اتصالين (جيدين جداً) من مسؤولين صينيين". وأكد الاثنين "اتصلت الصين الليلة الماضية، قالت لنعد إلى طاولة المفاوضات، إذاً سنبدأ التفاوض من جديد قريباً جداً"، مضيفاً "يريدون التوصل لاتفاق".

وقال في وقت لاحق، الاثنين، خلال مؤتمر صحافي مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، "إن المباحثات الحالية مع الصين حول الخلاف التجاري بين البلدين (أهم من أي وقت مضى) لأن الولايات المتحدة تمر بوضع جيد اقتصادياً، فيما الصين "تخسر ملايين الوظائف".

يأتي ذلك بعيد خطوات من كبير المفاوضين الصينيين نائب الرئيس الصيني ليو هي لخفض التصعيد. ونقلت مجلة "كايشين" المالية الصينية عن نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي قوله "إننا على استعداد لتسوية المشكلة بهدوء من خلال المشاورات والتعاون نحن نعارض بحزم تصعيد الحرب التجارية". وأكد "نعارض بشدة أي تصعيد في الحرب التجارية"، وذلك خلال حفل افتتاح معرض "سمارت شاينا إكسبو" لعام 2019 في مدينة شونغكينغ جنوب غربي الصين.

وقال ترمب لاحقاً إن كلمة "هدوء" كلمة "مناسبة جداً"، مضيفاً "ليست كلمة أستخدمها أنا دائماً". وأكد "أن الاتصالات التي تلقاها جاءت من (أعلى المستويات)". وتابع "نائب الرئيس مسؤول عادي، أعتقد ذلك".

ويأتي الانفراج، الاثنين، في هذا الملف بعدما رفع ترمب الرسوم الجمركية على ما يساوي 500 مليار دولار من الصادرات الصينية، في جولة جديدة من التدابير العقابية التي تزعزع الأسواق العالمية.

وجاء الإعلان الأميركي، الجمعة، بعد تأكيد الصين بشكل مفاجئ أنها ستفرض رسوما جمركية جديدة على ما يساوي 75 مليار دولار من السلع الأميركية. ويبدأ تطبيق بعض تلك الإجراءات في الأول من سبتمبر (أيلول)، أما الإجراءات المتبقية فستطبق في الأشهر المقبلة.

وفي هذه الأثناء، أعلن المتحدث باسم الخارجية الصينية غينغ شوانغ "ألا علم لديه بالاتصالات التي أشار إليها ترمب"، وانتقد بشدة فرض رسوم جمركية جديدة خلال مؤتمر صحافي دوري في بكين.

وقال "إن الخطوة الأميركية تشكل تعدياً على قواعد التجارية المتعددة الأطراف، وتلحق الضرر بأمن سلسلة الإمداد الصناعية العالمية، وتضرب التجارة العالمية والنمو الاقتصادي العالمي".

وضغط حلفاء الولايات المتحدة على ترمب خلال قمة مجموعة السبع مع تأكيدهم أن الحرب التجارية تعرض الاقتصاد العالمي للخطر.

اختراق في الملف النووي

وأحدثت الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الأحد، إلى بياريتس الفرنسية، حيث انعقاد قمة مجموعة السبع الكبار، ولقاؤه الرئيس الفرنسي ووزير خارجيته جان إيف لودريان لنحو 3 ساعات ونصف الساعة، مؤشراً على انفراج ظاهر بعد تصاعد التوترات في الخليج هذا الصيف، حيث اعتبرها مراقبون أنها تمثل انعطافا في هذا الملف المتفجّر حتى لو أن الموفد الإيراني استُقبل في البلدية، وليس في موقع انعقاد القمة وأنه لم يلتقِ إلا الرئيس الفرنسي ونظيره الفرنسي جان-إيف لودريان الذي كان قد التقاهما الجمعة في باريس.

ومنذ اليوم الأول، السبت، يشكل الملف الإيراني خلافا بين قادة مجموعة السبع وتحديدا حول كيفية التعامل معه، فبعد تسريبات أمس الأحد بشأن تكليف دول السبع لباريس بالتحدث مع طهران وإرسال رسالة واضحة لها، خرج الرئيس الأميركي مبدياً امتعاضاً ونافياً أي اتفاق حول هذا الأمر. حيث استنكر مزاعم فرنسا بأن القادة وافقوا على السماح للرئيس إيمانويل ماكرون بتسليم رسالة إلى إيران نيابة عنهم.

واليوم، الاثنين، وفى ختام أعمال القمة، اعتبر الرئيس الاميركي دونالد ترمب أنه أمر واقعي توقع عقد لقاء مع نظيره الإيراني حسن روحاني في الأسابيع المقبلة، كما أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وردا على سؤال خلال المؤتمر الصحافي في بياريتس، "هل عقد لقاء مع روحاني في الأسابيع المقبلة واقعي؟" أجاب ترمب "نعم"، بعدما قال ماكرون "أن الظروف باتت مهيأة للقاء بين الرجلين".

وعبر ترمب عن اعتقاده "أن روحاني سيكون أيضا مؤيدا لذلك"، وأضاف، "أعتقد أنه يريد اللقاء. أعتقد أن إيران تريد تسوية هذا الوضع".

وبحسب ماكرون "فإن مباحثات مجموعة السبع هيأت ظروفا لعقد اجتماع وبالتالي اتفاق" بين الرئيسين الأميركي والإيراني. وعبر عن الأمل في تنظيم اللقاء "في الأسابيع المقبلة". لكنه سارع إلى التحذير خلال المؤتمر الصحافي الختامي في قمة المجموعة من أنه "لم يتم عمل شيء، والأمور في غاية الهشاشة".

وفي السياق ذاته، قال ترمب "إذا كانت الظروف مناسبة، فسأوافق بالتأكيد على ذلك".

من جهته، عبر الرئيس الإيراني عن تأييده خيار الحوار لحل الأزمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وقال روحاني في خطاب بثه مباشرة التلفزيون الرسمي، "أعتقد بضرورة استخدام أي وسيلة ممكنة لتنمية وتقدم البلاد". وأضاف "لو أنني أعلم بأن مشكلة البلاد ستحل لو التقيت شخصا ما فلن أمتنع عن ذلك"، بحسب وكالة أنباء فارس على موقعها الالكتروني.

ولطالما أبدى ترمب من جهته استعداده للتفاوض مع طهران، رغم اتباعه استراتيجية ممارسة "الضغوط القصوى" بشأن الملف النووي الإيراني وتصاعد التوترات العسكرية التي تثير الخشية من اندلاع نزاع في الخليج.

وعام 2018، سحب ترمب بلاده من اتفاق فيينا الذي يهدف إلى منع طهران من حيازة السلاح النووي، وأعاد فرض عقوبات قاسية تخنق الاقتصاد الإيراني. وردّت طهران عبر تجاوز تدريجياً بعض بنود الاتفاق، ما أثار استياء الأوروبيين. وتسبب تسلسل الأحداث هذا في تصاعد التوترات في الخليج حيث احتُجزت ناقلات نفط عدة وأسقطت إيران طائرة أميركية مسيّرة.

وأشار ترمب، في مؤتمر صحافي مع المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، إلى "وحدة صف كبرى" في مجموعة السبع إزاء إيران، خصوصاً بشأن الهدف المشترك المتعلق بضمان عدم حيازتها أسلحة نووية.

من جهتها، قالت ميركل "إن المفاوضات المتعلقة بتحقيق الهدف (تسير ببطء)"، مشيرة إلى "أن مجموعة السبع قامت بـ(بخطوة كبرى إلى الأمام) خلال المفاوضات مع طهران على هامش القمة". وأكدت ميركل "أن مباحثات الأحد تمت بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وهذا أمر مهم". في إشارة إلي زيارة ظريف.

20 مليون دولار لإنقاذ "رئة الأرض"

ومن بين القضايا التي شهدت توافقا سريعا بشأنها، كانت تلك المتعلقة بحرائق غابات الأمازون، وما تمثله من انعكاسات سلبية على البيئة، رغم السجال والانتقاد المتبادل الذى طبع القمة بين الرئيس الفرنسي ماكرون ونظيره البرازيلي جاير بولسونارو.

وفيما يخصّ الأمازون، أعلن ماكرون والرئيس التشيلي سيباستيان بينييرا، عقب جلسة مخصصة للبيئة خلال القمة، "أن قادة مجموعة السبع تعهّدوا خلال القمة بتقديم مساعدة طارئة قدرها عشرون مليون دولار لإرسال طائرات مجهزة بقاذفات مياه لمكافحة حرائق غابة الأمازون".

وعلى هامش القمة، أدان ماكرون التصريحات التي وصفها بأنها "قليلة الاحترام" التي أدلى بها نظيره البرازيلي بحق زوجته بريجيت في الحرب الكلامية الدائرة على خلفية الحرائق في غابات الأمازون.

وقال ماكرون إن بولسونارو "أدلى بتصريحات لم يحترم فيها زوجتي". وأعلن "ماذا عساي أقول؟ إنه أمر محزن أولا بالنسبة إليه وإلى الشعب البرازيلي". وأضاف "أنه يأمل في أن يكون للبرازيليين قريبا رئيس يتصرف بمستوى لائق". وتابع "أعتقد أن البرازيليين الذين هم شعب عظيم يخجلون من تصرفات كهذه".

وأمس، الأحد، نشر بولسونارو على صفحته على فيسبوك تعليقا مؤيدا لرأي ينطوي على إهانة بحق بريجيت ماكرون زوجة الرئيس الفرنسي. كما كان أحد وزراء بولسونارو وصف ماكرون بأنه "انتهازي أبله".

وكان ماكرون قد دعا إلى مناقشات عاجلة في قمة مجموعة السبع بشأن الحرائق التي تدمر أجزاء من غابة الأمازون، في تصعيد للضغط على بولسونارو. وتفاعل بولسونارو عبر صفحته الرسمية على فيسبوك مع منشور يسخر من شكل بريجيت التي تظهر في صورة تقارنها بالسيدة البرازيلية الأولى ميشيل بولسانورو البالغة من العمر 37 عاما، مع تعليق "الآن تفهمون لماذا يقوم ماكرون بملاحقة بولسونارو، إنها الغيرة".

وعلّق حساب بولسونارو "لا تُحرجوا الرجل" مع إشارة ترمز الى ضحكات عالية. ورد عليه ماكرون بأن النساء البرازيليات يشعرن على الأرجح بالخزي من الرئيس جاير بولسونارو.

وأخيرا وعلى خلفية حرائق غابة الأمازون اتّهم بولسونارو ماكرون بأنه صاحب "عقلية استعمارية" ردا على اتّهام الرئيس الفرنسي له بأنه "كذب" بشأن تعهّدات البرازيل فيما يتعلّق بالتغير المناخي.

وتشهد غابة الأمازون في البرازيل حرائق هائلة. والتي صبّت حرائق الأمازون الزيت على النار في العلاقات المتوترة بين فرنسا والبرازيل منذ وصول بولسونارو اليميني المتطرّف إلى الرئاسة البرازيلية في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وبلغت حرائق الغابات في كل أنحاء البرازيل أعلى مستوياتها منذ عام 2003 على الأقل وازدادت بنسبة 84% هذا العام حتى يوم 23 أغسطس (آب) مقارنة بنفس الفترة قبل عام، حسبما أفادت وكالة أبحاث الفضاء البرازيلية. واندلع 78383 حريقا منذ بداية العام، نصفها تقريبا في أغسطس (آب) وحده.

"بريكست" التفاوض لآخر نفس

ملف آخر، شكلت بشأنه القمة التي ضمّ ماكرون إليها عددا من الدول من خارج نادي السبع سعيا لتوسيع آفاقها، أكبر جولة أفق بالنسبة لرئيس الوزراء البريطاني الجديد بوريس جونسون في وسط المفاوضات الجارية بين بلاده والاتحاد الأوروبي حول شروط بريكست.

وفيما لم يتم تحقيق أي تقدم في بياريتس حول مسألة الحدود الأيرلندية التي تصطدم بها مفاوضات بريكست، يقترب استحقاق 31 أكتوبر (تشرين الأول) الذي ستخرج فيه المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

وأعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، اليوم الاثنين، أنه "أكثر تفاؤلا بقليل" بإمكان التوصل لاتفاق ينظّم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد المباحثات التي أجراها في اليومين الماضيين خلال القمة، لكنّه أقر بصعوبة تحقيق هذا الأمر. وأضاف "سيكون الأمر صعبا. هناك خلاف جوهري" بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

وأكد جونسون أن تعزيز فرض التوصل لاتفاق يقع على عاتق الاتحاد الأوروبي، إلا أنه شدد على ضرورة التفاوض على اتفاق جديد لا يتضمن "شبكة الأمان" الأيرلندية. و"شبكة الأمان" بند يضمن عدم عودة النقاط الحدودية بين أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي وإقليم إيرلندا الشمالية البريطاني.

والسبت وصف جونسون ذلك البند بأنه "غير ديموقراطي" لأنه يطلب من لندن إبقاء قوانينها متماشية مع قوانين الاتحاد الأوروبي خلال مرحلة انتقالية عندما تخرج بريطانيا من عضوية الاتحاد.

ويقول الاتحاد الأوروبي "إن شبكة الأمان ضرورية لتجنب عودة حدود يمكن أن تؤدي إلى عودة الاقتتال المذهبي في الجزيرة".

ويرفض الاتحاد الأوروبي التفاوض على اتفاق جديد ويتمسّك بالاتفاق الذي أبرمته رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي مع بروكسل، الذي رفضه مجلس العموم ثلاث مرات.

وقال جونسون "إن توقّعاته بالنسبة للتوصل إلى اتفاق تتوقف حصرا على مدى استعداد أصدقائنا وشركائنا (في الاتحاد الأوروبي) لإيجاد تسوية لهذه النقطة المفصلية والتخلي عن شبكة الأمان واتفاق الانسحاب الحالي".

وردا على التخوّف من استعداده لتجاهل مجلس العموم لضمان تحقيق بريكست في موعده في 31 أكتوبر (تشرين الأول)"، قال جونسون "إن الشعب البريطاني سئم من تصدّر ملف بريكست عناوين الصحف".

وكرر جونسون تأكيده "أنه في حال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق فإنها لن تسدد كامل فاتورة الخروج من التكتل البالغة 39 مليار جنيه استرليني (47 مليار دولار، 43 مليار يورو) والتي تم الاتفاق بشأنها بين ماي وبروكسل". لكن جونسون لم يوضح المبلغ الذي ينوي تسديده أو ما إذا كان ينوي تسديد أي مبالغ.

المزيد من سياسة