Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأحزاب في الجزائر... دماء شابة وشرايين "مسدودة"

بعضها يعتمد تمكين الأجيال الجديدة من القيادة وأخرى لا تزال متمسكة بشيوخها لآخر مدى على رأسها "النهضة"

يرى مراقبون أن الساحة السياسية ستشهد في القريب العاجل ميلاد عديد من التشكيلات التي تحمل نخباً شبابية رائدة (مواقع التواصل)

تشهد الأحزاب في الجزائر عمليات "تمكين للشباب" غير معتادة، وإن كانت السمة الغالبة على الساحة هي سيطرة شخصيات "هرمة" على النشاط السياسي، لكن بدأت الأوضاع تتغير مع ظهور شباب سياسيين يقودون تشكيلات عريقة وأخرى جديدة، مما يعبر عن الاتجاه نحو تسليم المشعل للشباب، لكن هل هذه الخطوة تحضير لسياسيي المستقبل فعلاً أم تزيين للمشهد العام؟

بين الحقيقة والواقع

منذ حراك 22 فبراير (شباط) 2019، الذي أطاح النظام السابق، تتحرك الرمال من تحت أقدام الأحزاب في الجزائر بشكل يوحي بأن التغيير سيمس الطبقة السياسية التي رافقت فترة حكم الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، سواء من الموالاة أو المعارضة، وهو ما تم تسجيله مع قدوم شخصيات شبابية إلى الواجهة السياسية للبلاد من وزراء ومستشارين ومحافظين ومديرين وقبلهم نواب سيطروا على البرلمان بعد تسهيلات تشجيعية جاءت في قانون انتخابات جديد، لينتهي الوضع عند التشكيلات السياسية التي مست رياح الشباب قياداتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"سنسلم المشعل للشباب"، عبارة رفعتها السلطة والأحزاب على السواء منذ قدوم الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة في 1999، وفسرتها النخبة على أنها "حبوب منومة" تقدم لإسكات الأصوات المطالبة بالتغيير، لا سيما مع بداية شرارة ما يعرف بـ"الربيع العربي"، لكن لم يتحرك أي طرف في سياق تحقيق ما تم رفعه من شعارات، واستمر الوضع تحت قيادة "الشيوخ" إلى غاية 22 فبراير 2019، الموعد الذي هز الجميع، حين خرج الشباب يقود حراكاً سلمياً أسقط النظام وعزل الأحزاب وأعلن عن بداية عهد جديد يجب أن يكونوا أحد صناعه، وهو مما دفع السلطة والطبقة السياسية إلى إشراكهم في مناصب القيادة والمسؤولية، وبذلك لم تعد عبارة "سنسلم المشعل للشباب" شعاراً يرفع للتنويم بل أمراً واقعاً لتحقيق التغيير.

دماء جديدة وأخرى تنتظر

يعتبر رئيس "جبهة القوى الاشتراكية"، وهو أقدم حزب معارض في الجزائر، يوسف أوشيش، أصغر شخصية تقود حزباً سياسياً وعمره 40 سنة، وذلك بعد وفاة المؤسس التاريخي للحزب حسين آيت أحمد، كما يعرف "تجمع أمل الجزائر" قيادة شبابية نسوية لا يتعدى عمرها 50 سنة، وهي فاطمة الزهراء زرواطي، التي خلفت المؤسس الموجود بالسجن بتهم الفساد على اعتبار أنه شغل مناصب وزارية كثيرة خلال فترة حكم بوتفليقة. والأمر ذاته مع "حزب الشعب" الذي يترأسه لمين عصماني، عمره 50 سنة، وغيرهم من الشخصيات الشابة التي تتبوأ مناصب قيادية داخل تشكيلات سياسية.

وإذا كانت أحزاب اعتمدت سياسة تمكين الشباب سواء مرغمة بسبب انسحاب "الشيوخ" تحت عنوان التقاعد والمرض والموت، أو مقتنعة بضرورة التغيير بسبب التطورات الحاصلة في العالم تكنولوجياً، فإن أحزاباً أخرى لا تزال متمسكة بقياداتها إلى أجل غير مسمى في انتظار عقد مؤتمراتها، وتأتي حركة "النهضة" في مقدمتها، إذ يتجاوز عمر زعيمها عبدالله جاب الله 70 سنة، تليه لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب "العمال" بـ69 سنة، ثم عبدالقادر بن قرينة رئيس "حركة البناء"، الذي تجاوز الـ60 من العمر.

حدود النفاق السياسي

تعليقاً على اقتحام الشباب المناصب القيادية داخل الأحزاب، يرى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر حبيب بريك الله، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن ما تشهده الساحة السياسية في الجزائر قبيل الاستحقاقات الرئاسية المقبلة في بعض الأحزاب السياسية هو نوع من النفاق السياسي وذر الرماد في العيون من أجل تزيين المشهد السياسي العام.

وقال إن إقحام عنصر الشباب في السياسة هو لعبة تحاول بعض الأحزاب أن تلعبها مع سلطة ما بعد الحراك، مشيراً إلى أن الخطوة تندرج في سياق إظهار قدرة الشباب على تسيير مؤسسات الدولة ورعاية المصالح العامة للبلاد والعباد.

ويتابع بريك الله أن الأحزاب السياسية التي تقوم على مبادئ أخلاقية سوية وقاعدة سياسية صحيحة تدفع بعنصر الشباب، ليس فقط في المواقف المناسباتية السياسية، وإنما تعول عليه في صناعة المشهد السياسي برمته، وتمنح له الحرية المطلقة في تكريس حق المواطنة وحق تداول القيادة والدفاع عن الوطن من خلال تصدر المشهد، وهذا ما تطمح إليه بعض النخب التي تعمل في صمت، مبرزاً أن النخب الشبابية تسعى إلى إعادة الفعل السياسي من خلال تأسيس أحزاب على أسس متينة.

وأوضح أن الساحة السياسية ستشهد في القريب العاجل ميلاد عديد من التشكيلات التي تحمل نخباً شبابية رائدة في مختلف المجالات.

ثقافة تهميش الكفاءات

من جانبه، يعتبر الناشط السياسي مراد بياتور، لـ"اندبندنت عربية"، أن "من المفترض أن تلعب الأحزاب السياسية دوراً محورياً في قيادة المجتمع ضمن عملية سياسية تسمح ببروز سلطة ومعارضة متشبعة بتنشئة وثقافة سياسية، لكن الوضع اليوم في الجزائر مختلف تماماً، إذ إن هناك سلطة تغلق وتخنق العمل السياسي، وأحزاباً غير قادرة على خلق سبل جديدة للنشاط السياسي، من شأنها أن تقلص من الفجوة الموجودة بين المواطن والتشكيلات السياسية، وهذا ما حاولنا القيام به كقيادات شباب أثناء ما يعرف بالحراك الشعبي أساساً بالاعتماد على لغة يفهمها المواطن بعيداً من اللغة المليئة بالنرجسية وتقديس الذات، التي جعلت المواطن يتهرب من كل ما هو سياسي".

ويواصل بياتور أن السلطة السياسية نجحت في زرع ثقافة تهميش الكفاءات، و"بانتشار هذه الثقافة أصبح المسؤول يخشى على منصبه ويرى في كل كفاءة تبرز تهديداً لعرشه"، مضيفاً "أنا شخصياً لا أرى في مقياس السن معياراً حقيقياً للتقييم، بل في مدى القدرة على إنتاج الأفكار التي تتماشى مع الحاضر وكذا تطلعات المرحلة".

وأوضح أنه "ليس بإمكاننا أن نستمر ونمضي قدماً في دولة ثلاثة أرباع سكانها شباب يتطلعون إلى التقدم بعقلية سياسية تعود إلى عهد القرون الوسطى"، مشيراً إلى أن عقلية الكهل تتعدى حد احتكار سلطة القرار إلى جعل الشباب مجرد شعار أجوف داخل الخطابات السياسية وواجهة مزيفة لتزيين المشهد "فمنذ استقلال البلاد ونحن نسمع شعار تسليم المشعل للشباب، وهؤلاء الشباب الذين وعدوا بالمشعل كبروا وأصبحوا شيوخاً".

وأكد أن على الشباب ذوي الكفاءة والطموح للقيادة والريادة أن يتسلموا زمام الأمور ولا ينتظروا المتشبثين بالسلطة أن يمنحوهم الفرصة. وختم بأن الجزائر ليست عاقراً عن إنجاب الكفاءات بل هي مشتلة لإنتاج عباقرة تستفيد منهم مثل دول أخرى تعرف معنى الاستثمار في العقل البشري.

المزيد من تقارير