إسرائيل تنقل مواجهتها مع أدوات إيران في المنطقة إلى العلن

ستعمل على ضرب أهداف عسكرية وأمنية إيرانية في دول خاضعة لنفوذ طهران

دورية إسرائيلية قرب مدينة أفيفيم القريبة من الحدود مع لبنان (أ. ف. ب.)

شهدت ليلة 24-25 أغسطس (آب) الحالي تحولاً نوعياً في المشهد الأمني - العسكري في المنطقة، خصوصاً في ظل المناوشات المستمرة بين إسرائيل ومراكز النفوذ الإيراني في دول المنطقة، إذ قصفت إسرائيل في يوم واحد ثلاث مناطق في كل من سوريا ولبنان والعراق، ما يُنذر بارتفاع منسوب التوتر العسكري.
وأعلنت مصادر من "الحشد الشعبي" العراقي تعرض فصيل منه إلى قصف بطائرتين مسيّرتين على الحدود العراقية - السورية، أودى بحياة عنصرين من ذلك الفصيل، ذُكر أن أحدهما قيادي بارز في اللواء 45 من "الحشد" كاظم علي محسن. كذلك تعرضت منطقة عقربا جنوب دمشق، ومنطقة معرض دمشق الدولي، إلى قصف إسرائيلي مكثف، أقرّت الحكومة في تل أبيب للمرة الأولى بمسؤوليتها عنه، وأنها كانت تستهدف مواقع مخصصة لتجهيز منظومة هجوم إيرانية على إسرائيل بطائرات مسيّرة. إلا أن الأمين العام لحزب الله اللبناني كشف في كلمته التي ألقاها أمس الأحد بأن الموقع المستهدَف في منطقة عقربا كان نقطةً لحزبه، مؤكداً وقوع ضحيتين من "الحزب".
وفي فجر يوم الأحد، كشف حزب الله عن تعرض منطقة الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، التي تضم مقاره الرئيسة ومساكن قادته، لهجوم بطائرات مسيّرة، مشيراً إلى أنه تمكن من إسقاط اثنين منها.
كثافة الهجمات الأخيرة وتواترها، يُستدل منها على أن الطرف الإسرائيلي يملك بنكاً كبيراً من الأهداف العسكرية والأمنية الإيرانية، أو تلك التابعة لإيران في هذه الدول الثلاث الخاضعة لنفوذ طهران، سيتم استهدفها خلال الفترة المقبلة.
 

إسرائيل... من الغموض إلى التصريح


وكانت التحليلات السياسية والعسكرية تشير إلى أن إسرائيل عقدت تفاهماً ثنائياً مع كل من روسيا والولايات المتحدة بشأن رد فعلها على تنامي النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق، قائما على السماح لها باستهداف مراكز وقواعد النفوذ العسكري الإيراني في هذه الدول، شرط عدم إعلان مسؤوليتها المباشرة عن ذلك، حفظاً لـ"ماء وجه" الحكومتين السورية والعراقية أمام حليفتَيهما، موسكو وواشنطن.
وبقي الأمر على هذا المنوال لشهور، إلى أن صدرت التصريحات الاستثنائية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثناء زيارته الأخيرة للعاصمة الأوكرانية كييف في 19 أغسطس (آب) الحالي، إذ قال رداً على أسئلة الصحافيين حول مسؤولية بلاده في الهجمات التي تستهدف مواقع "الحشد الشعبي" العراقي، بأن "إسرائيل ستعمل أينما تطلب الأمر ذلك"، مُضيفاً "لم ينته الأمر بعد. إيران لا تملك حصانة في أي مكان. سنعمل ضد البلد الذي يقول إنه بصدد إبادتنا أينما تطلب الأمر ومن دون توقف".
وكانت المسؤولية الإسرائيلية خلف تلك العمليات تعززت قبل تصريحات نتنياهو بأيام قليلة، حين نشرت الأقمار الصناعية الإسرائيلية صوراً لآثار الغارات على مواقع "الحشد"، تلتها تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي للقناة التاسعة الإسرائيلية الناطقة بالروسية، حيث قال إن "إسرائيل تعمل في مناطق عدة ضد إيران بالطبع".
وتحدثت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في تقرير مفصل نُشر في 22 أغسطس (آب) الحالي، عن مسؤولية إسرائيل عن تلك الهجمات. ونقلت عن مصدر استخباري "شرق أوسطي"، قوله إن مواقع الحشد الشعبي العراقية، واعتباراً من شهر يوليو (تموز) الماضي تعرضت لقصف إسرائيلي.

 

قوة "الحشد" وضعف الحكومة


ورأى مصدر عراقي أن المجريات منذ نهاية الحرب على داعش وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، تثبت عدم قُدرة الأخيرة على كبح جماح فصائل "الحشد الشعبي" الموالية لإيران، التي تُحرز لنفسها مساحة نفوذ وقوة عسكرية متنامية ضمن الحالة العراقية.
وأشار المصدر العراقي ذاته إلى حدثين معبّرين، إذ لم تلتزم كل فصائل "الحشد" بالأمر الديواني الذي أصدره رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في 1 يوليو (تموز) الماضي، الذي طالب كل فصائل "الحشد" بالتزام القواعد السلوكية التي يفرضها الجيش العراقي، بما في ذلك رفع الرايات والأعلام الخاصة ونوعية الرتب العسكرية وانحسار تمركزها في المعسكرات المخصصة لها. لكن أوامر رئيس الوزراء الذي هو عملياً وقانونياً القائد العام للجيش والقوات المسلحة العراقية، بما فيها فصائل الحشد الشعبي، لم تُنفَذ. كذلك فإن قرار الحكومة العراقية الذي قضى بسحب فصائل "الحشد" من منطقة سهل نينوي المختلطة والحساسة، لم تلق أي استجابة، ما دفع حكومة بغداد إلى عقد اتفاق ثُنائي مع حنين قدو، قائد فصيل "اللواء 30" من الحشد الشعبي، المكوّن من أبناء أقلية الشبك الشيعة، لتتولى قواته السيطرة الفعلية على تلك المنطقة.
وقد يكون الوضع العراقي الراهن، شكّل دافعاً للطرف الإسرائيلي إلى إقناع الولايات المتحدة بضرورة توجيه ضربات مباشرة إلى مراكز نفوذ "الحشد"، وتحديداً تلك التي صارت تتحول بالتقادم إلى نقاط ارتكاز ومخازن مقنّعة للحرس الثوري الإيراني، فالولايات المتحدة هي الجهة العسكرية الوحيدة ضمن العراق التي تملك تغطية رادار تستطيع أن تغلق المجال الجوي العراقي أمام مثل تلك الهجمات، فيما تفتقد باقي الأطراف العراقية إلى مثل هذه التقنيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدأت الهجمات الإسرائيلية منذ أواخر شهر يوليو (تموز) الماضي، من خلال الهجوم على قاعدة لـ"الحشد" شمال بغداد، ثم تلاها هجوم آخر على موقع قريب من قاعدة البلد العسكرية الجوية العراقية في محافظة صلاح الدين في 20 أغسطس (آب) الحالي. ودلّت شدة التفجيرات التي دوّت إثر هذا الهجوم على أن الموقع كان مركزاً لتخزين الصواريخ بعيدة المدى، وأن مصدرها إيران.
استمرت تلك الهجمات إلى أن حدثت آخرها ليلة الهجوم الثلاثي في 24-25 أغسطس الحالي على موقع للواء 45 من الحشد الشعبي، على الحدود العراقية - السورية. 
ولم تذهب السُلطات العراقية حتى الآن إلى اتخاذ أي إجراءات حتى الآن، إذ وجّه نائب رئيس هيئة "الحشد" أبو مهدي المهندس في 22 أغسطس اتهامات مباشرة إلى واشنطن بدعم الهجمات الإسرائيلية لمواقع الحشد الشعبي وتوجه بعدها لزيارة إيران. وقال رئيس الهيئة فالح الفياض إن آراء المهندس تمثله فحسب، ولا يمثل الحشد والحكومة العراقية. من جهة أخرى، عُقد اجتماع موسّع في 23 أغسطس الحالي بين رؤساء الجمهورية والحكومة والبرلمان في العراق، تطرق بشكل مستفيض إلى الوضع الأمني في البلاد، وتحديداً التفجيرات التي تتعرض إليها مخازن سلاح "الحشد"، لكن الاجتماع لم يصدر أي قرارات أو مواقف رسمية تعبر عن موقف السلطة العراقية.

سوريا في المرحلة الجديدة

في الجهة المقابلة، بدأت الهجمات الإسرائيلية على مراكز استقرار القوات الإيرانية في سوريا بوتائر مختلفة، اعتباراً من أوائل العام 2013، حين شنت الطائرات الإسرائيلية في 31 يناير (كانون الثاني) الماضي، غارات على مركز البحوث العلمية السورية في منطقة جمرايا غرب العاصمة السورية دمشق. وأشارت التسريبات العسكرية الإسرائيلية إلى أنها كانت تستهدف رتلاً عسكرياً كان يحمل "أسلحة متطورة مضادة للطائرات، منها صواريخ بوك المضادة للطيران، روسية الصنع".
وكان ذلك الهجوم الإسرائيلي، الأول بعد حوالي 7 سنوات على آخر هجوم شنته على سوريا عام 2007، حين استهدفت الطائرات الإسرائيلية موقعاً عسكرياً سورياً في محافظة دير الزور، قالت إنه كان يشكّل القاعدة التأسيسية لبناء مفاعل نووي سوري بمساعدة من كوريا الشمالية.
وتواصلت الهجمات العسكرية الإسرائيلية على المناطق السورية، وتصاعدت مع نمو النفوذ العسكري الإيراني ضمن الأراضي السورية، وفق مراقبين.
وشهد العامان، الماضي والحالي، أشد وتيرة للضربات الإسرائيلية، مُنذ أن أسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرة إسرائيلية من طراز F16 في 10 فبراير (شباط) 2018، إذ أطلقت القوات الإسرائيلية أوسع هجوم لها على القواعد العسكرية السورية، وتحديداً مراكز الدفاع الجوية السورية، ومراكز لقوات الحرس الثوري الإيراني قرب العاصمة السورية.
واستهدفت إسرائيل خلال المدة التي تلت ذلك الحادث مراكز ومناطق عسكرية سورية وإيرانية في مختلف المناطق السورية، تحديداً في المنطقة الجنوبية في محافظة القنيطرة، والمناطق المحيطة بدمشق، لكنها امتدت لتشمل منطقة "الشيخ نجار" الصناعية في محافظة حلب، ومطار حلب الدولي، واللواء 47 في الجيش السوري بمحافظة حماة، التي أفادت مصادر إسرائيلية بأنها تحولت إلى مركز للتدريب والتخزين تابعة لعناصر من الحرس الثوري الإيراني.
وأكد مراقبون أن المشهد السوري يذهب في اتجاه استعادة النظام سيطرته على معظم المناطق السورية، ما يفسح المجال أمام إيران لتثبيت نفوذها في سوريا، بينما تخشى إسرائيل ترسيخ ذلك بعد نهاية الصراع بين النظام وقوى المعارضة.

لبنان في ظل هيمنة حزب الله

في سياق متصل، برز التطور الأمني الأخير المتمثل بالهجوم على الضاحية الجنوبية لبيروت بطائرات إسرائيلية مسيّرة، هو الأول من نوعه منذ عام 2014، حين قصفت المدفعية الإسرائيلية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) مناطق مختلفة من جنوب لبنان، بعدما كان هجوم استهدف دبابة إسرائيلية أدى إلى جرح جُنديين إسرائيليين.
ومنذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، حدثت مواجهات عدة بين إسرائيل وحزب الله، أبرزها الحرب التي جرت في شهر يوليو (تموز) 2006، وتلاها سقوط صواريخ "كاتيوشا" على المناطق الشمالية من إسرائيل في 8 يناير (كانون الثاني) 2009، مصدرها الأراضي اللبنانية، تزامناً مع الحرب على قطاع غزة، حيث لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن إطلاق هذه الصواريخ. لكن في أواخر العام 2018، أعلن الجيش الإسرائيلي بدء حملة عسكرية واسعة لتدمير ما قال إنها أنفاق عسكرية لحزب الله، على الحدود الشمالية لإسرائيل. 
وتوقعت صحف ومصادر بحثية إسرائيلية زيادة زخم هجمات القوات الإسرائيلية على مراكز ومواقع حزب الله اللبناني خلال الفترة المقبلة، وردّت ذلك إلى مناخات الحرب السورية، حيث تنامت القدرات العسكرية للحزب الموالي لإيران واتسعت مناطق تحركه، إضافة إلى زيادة مساحة التواصل العسكري بينها وبين القوات العسكرية الإيرانية، التي باتت تتمتع بجسر بري يربط بينها وبين حزب الله.

المزيد من الشرق الأوسط