Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ينجح سلاح المقاطعة في إرباك إسرائيل اقتصاديا؟

تقاس بمدى شعبيتها وارتبطت عربياً بأحداث بعينها من دون أن يكون لها امتداد في الزمن

فلسطينيون يحملون ملصقات تطالب بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية بمسيرة في مدينة الخليل بالضفة الغربية (أ ف ب)

ارتبط خطاب المقاطعة في البلدان العربية بالقضايا ذات البعد الوطني كالتحرر من الاستعمار، أو البعد الديني مثل الإساءة إلى المقدسات، واستخدمت كسلاح رمزي من أجل الضغط للاعتراف بحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.

ومثلت سياسات المقاطعة، اقتصادية كانت أو ثقافية، أداة فعالة للشعوب في مختلف أصقاع العالم للتعبير عن تحررها من السلطة الرمزية الاقتصادية الاستهلاكية ولإيصال صوتها الرافض لممارسات الظلم أو الاستبداد أو الممارسات العنصرية.

وفي هذا السياق، وعلى أثر التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، نشطت حركات مدنية في مختلف دول العالم للضغط على إسرائيل باستخدام سلاح المقاطعة، فإلى أي مدى يعتبر هذا السلاح ناجعاً؟ وهل تتأثر إسرائيل فعلياً بمقاطعة منتجاتها أو العلامات التجارية التي تدعمها؟

يعكس خطاب المقاطعة ثقافة مقاومة ورفض، إلا أنه يحتاج قرائن قوية، وحججاً مقنعة من أجل التأثير في الشعوب، وفي المستهلك بشكل عام، حتى يكون سلاحاً فعالاً يحقق النتائج المرجوة، باستخدام مختلف الوسائل والمنصات الإلكترونية المتاحة، وباعتماد خطاب مشاعري مؤثر في الجمهور.

شعبية وديمومة

الباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية، الأمين البوعزيزي، يرى أن "المقاطعة فعل أخلاقي نبيل، مشحون برمزية الرفض لكل ما هو غير إنساني، وهي سلاح قد يفتك باقتصاد أي دولة في حال كانت مقاطعة شاملة ومدروسة وواعية ومتواصلة في الزمن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويلفت البوعزيزي في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، إلى أن "نجاح المقاطعة يقاس بمدى جماهيريتها وشعبيتها"، مشيراً إلى أن "خطاب المقاطعة نضج بما يكفي في الغرب بينما ارتبط في العالم العربي بمناسبات وأحداث بعينها من دون أن يكون للمقاطعة امتداد في الزمن".

ويشدد البوعزيزي على أن "العرب هم أنصار القضية الأولى وهي الحق الفلسطيني في أرضه ودولته، وعليه لا بد للمقاطعة الاقتصادية والأكاديمية أن تكون خياراً وطنياً وشعبياً ثابتاً".

ويعتبر المتخصص في الأنثروبولوجيا الثقافية أن "المقاطعة هي سلاح رمزي يعكس انخراطاً مجتمعياً في معركة إنسانية نبيلة كالتحرر من الاحتلال أو للتخلص من التمييز العنصري".

مقاطعة فنية ونقابية

وبالتزامن مع صخب الاحتجاجات الشعبية التونسية الرافضة لاستمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والمطالبة بطرد سفراء كل من الولايات المتحدة وفرنسا لدعم بلديهما لإسرائيل، ازدهرت الحملات الداعية إلى مقاطعة منتجات وعلامات تجارية اعتبرت على علاقة بإسرائيل على مختلف منصات التواصل الاجتماعي.

كما أعلن الفنان التونسي لطفي بوشناق تخليه عن لقب "سفير النوايا الحسنة" في الأمم المتحدة، بسبب استمرار الحرب الإسرائيلية على سكان قطاع غزة.

وأعلنت ست نقابات تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل (المنظمة النقابية الأكبر في تونس) تعليق مشاركتها في الاتحاد الدولي للخدمات العامة الذي يضم نحو 20 مليون نقابي، وذلك بسبب مواقف الاتحاد إزاء الحرب في قطاع غزة.

من جهتها، أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين مقاطعة أشغال الاتحاد الدولي للمحامين، المنعقد في روما من 25 إلى 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بسبب ما اعتبرته "اصطفافاً فاضحاً منه مع الكيان الإسرائيلي"، ولسكوته عن المجازر المرتكبة ضد الفلسطينيين.

صراع العلامات التجارية

في المقابل، لا يرى المتخصص في علم الاجتماع السياسي بالعيد أولاد عبدالله، في خطاب المقاطعة تأثيراً مباشراً على إسرائيل، مشيراً إلى أن "المقاطعة التي تستهدف بعض الماركات العالمية هي في الأصل صراع وتنافس محموم بين الماركات التي تستغل خطاب المقاطعة ومنسوب الكراهية ضد إسرائيل من أجل إعادة التموقع على حساب منتجات أخرى في السوق".

ويلفت أولاد عبدالله في تصريح خاص، إلى أن "غياب ما يدلل بشكل واضح على أن تلك المنتجات أو الشركات تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر إسرائيل بخاصة في اقتصاد السوق وفي زمن الشركات العالمية المتعددة الجنسيات، يجعل سياسات المقاطعة بلا جدوى".

ويرى المتخصص في علم الاجتماع السياسي أن "بعض المنتجات المعروفة والتي تباع في تونس أو في غيرها من الدول العربية هي منتجات محلية مئة في المئة، ولا تحمل من الشركة العالمية إلا الاسم، ومقاطعتها سيلحق ضرراً بالاقتصاد المحلي ويفاقم أزمة البطالة، في ظل أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة"، داعياً إلى ضرورة إثبات علاقة تلك المؤسسات فعلياً بالكيان الإسرائيلي.

ودعا بالعيد أولاد عبدالله الدول العربية إلى "إنارة الرأي العام العربي حول علاقاتها التجارية، حتى لا تتضرر مؤسسات وطنية لا علاقة لها بإسرائيل".

 بلا جدوى

من جهته، يعتقد أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية رضا الشكندالي، في الرأي نفسه. ويرى أن "خطاب المقاطعة الاقتصادية بلا معنى بخاصة أن نحو 40 في المئة من الناتج المحلي الإسرائيلي يقوم على التكنولوجيا عالية الدقة ولا جدوى من المقاطعة إذا لم تنخرط فيها الدول الكبرى من خلال مقاطعة السلع الإسرائيلية".

ويضع الشكندالي الحملات الداعية إلى مقاطعة بعض المنتجات في سياق "الهبات الشعبية إلا أنه يقلل من جدواها الاقتصادية بخاصة في غياب المعلومة الدقيقة حول المنتجات والمؤسسات القريبة أو الداعمة لإسرائيل".

في السياق، يرى محمد العباسي مدير أحد الفضاءات التجارية التي طاولتها حملات المقاطعة في تونس أن "السلع المعروضة كلها تونسية مئة في المئة"، نافياً أن يكون بعضها مستورداً وله علاقة بإسرائيل، ومستنكراً المغالطات التي يتم ترويجها عبر منصات التواصل الاجتماعي، حول عدد من الفضاءات التجارية المعروفة والتي تشغل مئات العمال والمهندسين التونسيين.

يذكر أن معهد بروكينغز -ومقره واشنطن- يرى أن مقاطعة المستهلك "لن تؤثر بشكل كبير على إسرائيل" لأن 40 في المئة من الصادرات الإسرائيلية سلع وسيطة، أي منتجات تستخدم في إنتاج السلع بأماكن أخرى، كما أن نحو 50 في المئة من الصادرات الإسرائيلية سلع "متمايزة"، أي أنها سلع لا يمكن استبدالها مثل رقائق الحاسوب.

وللتوقي من تداعيات حملات المقاطعة الاقتصادية التي تتعرض إليها إسرائيل، في السنوات الأخيرة وضعت البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في أولوياتها مكافحة حركات المقاطعة، وتحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لحظر الجماعات التي تدعم حركات المقاطعة لإسرائيل، مستنفراً الأجهزة والإدارات الحكومية للحد من آثار تلك الحركات.

المزيد من تقارير