إغلاق كنائس بروتستانتية "غير مرخصة" في الجزائر... محاولة لتشويه صورة النظام المؤقت؟

تواجد أماكن العبادة المعنية بمنطقة القبائل التي باتت "سلعة تجار السياسة" في البلاد

كنيسة سانت اوغستين في مدينة عنابة (سفارة فرنسا بالجزائر)

دخلت مسألة الحريات الدينية على خط الأزمة التي تعيشها الجزائر، لتنضم لمجموعة المشاكل والضغوطات التي يواجهها النظام المؤقت، بعد "قلق" رئيس الكنيسة البروتستانتية الجزائرية من حملة غلق الكنائس في البلاد، في وقت التزمت السلطات المعنية الصمت، ما دفع إلى تصنيف الضغط "الديني" ضمن محاولة تشويه صورة النظام المؤقت وتخويف الرأي العام الدولي من استمراره في الحكم.

إغلاق خمس كنائس بروتستانتية

من دون سابق إنذار، خرج رئيس الكنيسة البروتستانتية الجزائرية صالح شلاح، ببيان ينتقد من خلاله إقدام السلطات العمومية على إغلاق خمسة أماكن عبادة تابعة للكنيسة البروتستانتية، وتهديد أخرى بالغلق، وقال إن الكنيسة البروتستانتية الجزائرية، تدين بشدة المساس بحق هذه الجماعات في ممارسة شعائرها الدينية المكفولة من قبل الدستور الجزائري في المادة 42 من قانون 2006، إذ وبدلاً من أن يساعد هذا القانون في تنظيم الشعيرة الدينية المسيحية، أضحت أداة قمع في يد السلطات.

وما يلفت الانتباه هو وجود الكنائس المعنية وفق البيان، بمنطقة القبائل، وهي المنطقة التي باتت "سلعة تجار السياسة" في الجزائر، للضغط على السلطة لتحقيق مصالح ومطالب، وآخرها مطلب حركة "الماك" التي يتزعمها فرحات مهني، وتطالب باستقلال منطقة القبائل. وأشار صالح شلاح إلى أن والي بجاية وقع قراراً بغلق كل من كنيسة آقبو، وأمير السلام في إيغزر أمقران، بمحافظة بجاية، ما يرفع عدد الكنائس غير المرخصة المغلقة إلى سبع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بيان تنديد وتهديد

وجاء في البيان أن الكنيسة البروتستانتية الجزائرية، تستوقف الرأي العام الجزائري والدولي، بخصوص "التضييق والمنع" اللذين تتعرض لهما، وتخطرهم بأن لجنة الشعائر الدينية، لم تجتمع حتى اليوم، وأن الملفات التي أودعتها لدى مديرية التنظيم لمحافظتي تيزي وزو وبجاية، طبقاً لتعليمات وزارة الداخلية، بقيت من دون رد، مؤكدة أنه "طلبنا منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 عقد لقاء مع والي محافظة بجاية من خلال مراسلة رسمية، ورئيس المجلس الشعبي المحلي، وسيناتور من المنطقة، ولكن رفض جميعهم استقبالنا".

وتهدد الكنيسة البروتستانتية الجزائرية في بيانها أنها سوف لن تستسلم وستقوم بإعادة فتح هذه الأماكن المغلقة، بكل السبل الشرعية، إذا ما بقي قرار تشميع المقرات ساري المفعول، وأن الكنيسة تحتفظ بحق اللجوء إلى المسيرات والاحتجاجات للمطالبة بحقوقها.

حرية ممارسة الشعائر الدينية مكفولة في الدستور

ولم تصدر الجهات الجزائرية أي بيان بخصوص الغلق أو رداً على بيان الكنيسة، والتزمت الصمت في التعاطي مع المسألة التي يرى الناشط السياسي بوعلام زواقي في تصريحه لـ "اندبندنت عربية" أنها "تستدعي التوضيح"، من أجل تفادي مزيد من اللغط الداخلي والضغط الخارجي، مشيراً إلى أن وزارة الشؤون الدينية مدعوة لتوضيح أسباب الغلق، والرد على تهديدات الكنيسة البروتستانتية، وأضاف أن ممارسة الشعائر الدينية بحرية مكفولة في الدستور الجزائري، وعليه فإن الغلق يرجع أساساً إلى أسباب قانونية وإجرائية.

لا استهدافات طائفية

ويكشف بوعلام زواقي أن السلطات الجزائرية أغلقت السنة الماضية 10 كنائس في مناطق عدة، بسبب أن هذه الكنائس غير رسمية وتنشط بطريقة غير قانونية لافتقادها التراخيص المطلوبة، موضحاً أن الحديث عن استهداف الكنيسة البروتستانتية من دون غيرها، لا أساس له من الصحة، واعتبار قرار السلطات الجزائرية مجحفاً وتعسفياً، أمر غير مبني على أسس واقعية. وقال "قرارات غلق دور العبادة في الجزائر لا تخص فقط الأماكن التابعة للمؤسسات الدينية المسيحية، بل تشمل أيضاً أماكن تابعة للمسلمين"، إذ جرى إغلاق عدد من المساجد بسبب عدم احترامها للضوابط القانونية، أو أنها شيدت من دون ترخيص.

ونفى مسؤول بالمجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر أن تكون هناك أي نية لاستهداف المسيحيين أو أي طائفة أخرى، بدليل المراسلة التي تلقتها وزارة الشؤون الدينية من الطائفة اليهودية، أكدت خلالها "تنازلها عن دور عبادتها في الجزائر لصالح السلطات، على خلفية عدم وجود أتباع لها في البلاد".

تخوفات

"الكنائس دائماً ما تحوم الشكوك حولها بأنها تقوم بخدمة أجندات أجنبية وتحمل طابعاً استخباراتياً"، يقول الإعلامي المهتم بالشأن السياسي خالد زبيدي لـ "اندبندنت عربية"، مضيفاً "وبعد التغييرات الأخيرة في البلاد بسقوط أسماء كان يشار إليها بأنها ترعى مصالح أجنبية بالجزائر، ربما يتجه أصحاب القرار إلى وضع الكنائس ودور العبادة لغير المسلمين تحت المجهر لتفادي أي سيناريوات محتملة لضرب استقرار البلاد"، موضحاً أن حقوق غير المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية مكفولة في الدستور، وفي الواقع مسموح بها ما لم تتعارض مع القوانين والآداب العامة.

واحتلت الجزائر المرتبة التاسعة من ضمن 17 دولة عربية الأكثر قمعاً للمسيحيين على مستوى العالم خلال عام 2018، والمرتبة 22 عالمياً، بحسب تقرير أصدرته منظمة "الأبواب المفتوحة" المتخصصة في رصد القمع الذي يتعرض له المسيحيون حول العالم، على الرغم من أن عدد المسيحيين في الجزائر يبلغ نحو 125 ألف شخص.

وشهد شاهد من أهلها

وفي سياق متصل، سلطت المجلة الفرنسية "لو نوفيل أوبسرفاتور" الضوء على الطريقة المخادعة التي تعاملت بها فرنسا مع الإسلام في الجزائر، خلال فترة الاحتلال التي امتدت من عام 1830 إلى عام 1962، وقالت إنه على الرغم من أن الوثيقة التي وقعها الداي حسين، حاكم الجزائر آنذاك، تحت ضغط المارشال الفرنسي دي بورمونت، تعهدت بأن "ممارسة الديانة المحمدية ستبقى حرة"، فإن خشية السلطات الفرنسية من أن يصبح الإسلام سلاح مقاومة ضد الاحتلال، جعلتها تفعل كل شيء لتقييده.

وتابعت أنه جرى تحويل أموال الأوقاف عن مسارها، بعد أن جرى دمجها في المجال العام، ووضع مختلف الشخصيات التي تخدم الدين الإسلامي، كالأئمة والقضاة الشرعيين، تحت إشرافها، وحولتهم إلى موظفين يتقاضون رواتبهم من خزينتها.

وأوضحت المجلة أن تشارلز لافيجيري رئيس أساقفة الجزائر عام 1867، كان لديه هوس بذكرى القديس أغسطينوس أسقف هيبون، مدينة عنابة الجزائرية حالياً، والقديس سيبريان بقرطاج في تونس، وكان طموحه هو إعادة شمال أفريقيا إلى المسيحية التي كانت تدين بها في نهاية الإمبراطورية الرومانية، وقالت إن هذا الأسقف صبّ اهتمامه على القبائل الذين يرى أنهم أحفاد المسيحيين القدامى، وانطلق في حملة تبشير افتتح بموجبها مدارس وأسس قريتين للأيتام، تقوم بتكوين رجال ونساء مفرنسين بالكامل ومعزولين كلياً عن بقية السكان.