الجزائر... هيئة الحوار الوطني في "حلقة مفرغة" وكريم يونس يفقد "صبره"

"على النظام أن يعترف أن الوقت قد حان لتسليم المشعل وعلى الشعب أن يكون قادراً على مرافقته"

منسق هيئة الحوار والوساطة في الجزائر كريم يونس ورئيس اللجنة الاستشارية عمار بلحيمر (اندبندنت عربية)

لم يستطع منسق هيئة الحوار والوساطة في الجزائر كريم يونس إخفاء امتعاضه من "وضع غير عادي" داخل اللجنة التي يقودها، إذ أعلن انسحاب بعض القياديين ونفى عضوية آخرين، أثارت صور لهم في مقر الهيئة انتقادات واسعة، في وقت تستعد الهيئة لبدء لقاءات مع أحزاب إسلامية من بينها "البناء الوطني".

كأنما تدور في حلقة مفرغة، تشتغل هيئة كريم يونس منذ بضعة أسابيع من دون أن تتضح بعد طريقة عملها ولا الأطراف المعنية بالحوار معها، ولم يتمكن يونس من إخفاء حالة "تململ" داخلي، وأعلن في تغريدة أخيرة له انسحاب عضو مكلف بالشباب والمرأة، منتقداً أيضاً محامية شهيرة، بسبب غيابها الطويل عن مقر الهيئة، بينما نفى عضوية سيدة أعمال، أثار اسمها انتقادات جمة لهيئة الحوار، بداعي دعمها سابقاً لترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.

مقر الهيئة

في شارع العربي بن مهيدي، وسط العاصمة الجزائرية، يتخذ كريم يونس من المركز الثقافي مقراً لهيئته بشكل مؤقت، بعدما جرى توزيع بضعة مكاتب على قياديين مكلفين بملفات محددة، ووضعت قاعة لجلسات الاستماع لوفود ترغب في إبداء رأيها أمام هيئة الحوار. ووضع كريم يونس، في الأيام الأخيرة، لمسات إدارية على مكتبه، بعدما عيّن السعيد مقدم، مديراً لديوانه، وهو مسؤول مجلس شورى اتحاد المغرب العربي، كما عيّن عضواً مكلفاً بالإعلام، واستحدث مكتباً لقادة اللجنة الاستشارية بقيادة الدكتور عمار بلحيمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستقبلت الهيئة عشرات الشبان من محافظات في الشرق والجنوب والغرب، ويُتوقع أن تجتمع بشبان الوسط الأربعاء المقبل، في جلسات تجري دعوتهم إليها بشكل جماعي، وتفيد قيادات من داخل الهيئة بأن معظم الذين حضروا جلسات الحوار، اشتركوا في طرح مبادرات تنطلق بغالبيتها  من إقالة حكومة نور الدين بدوي أولاً، قبل الانخراط في مساع لتحضير الرئاسيات المقبلة.

"مصداقية"

ولأن الهيئة تريد "مصداقية" في علاقتها بالسلطة، فإن مشاكلها المادية تطرح تعقيدات أمام عملها، خصوصاً تكاليف تنقل الوفود من المحافظات الداخلية ومبيتهم في العاصمة. وتقول مصادر "اندبندنت عربية" إن الهيئة تشتغل بميزانية محدودة، وهي تتكفل على الرغم من ذلك بمبيت الوفود في بعض الفنادق التي يجري استئجارها مسبقاً، وفقاً لعدد الوافدين إلى المقر.

ومعلوم أن هيئة الحوار الوطني، تنخرط في خطاب قريب من رغبة السلطات العليا في البلاد، والساعي إلى تنظيم الرئاسيات "في أقرب وقت ممكن"، كما تعتدّ الهيئة بأنها أول من طلب إقالة الحكومة في لقاء وجهاً لوجه مع رئيس الدولة المؤقت عبد القادر بن صالح، غداة استقباله هيئة الحوار الوطني في شكلها السداسي الأول، قبل استقالة عضوين منها.

بدء لقاء الأحزاب الإسلامية

وبعد أسبوع من لقاءات ثلاثة أحزاب سياسية من التيار الوطني، هي جبهة المستقبل بزعامة عبد العزيز بلعيد، وطلائع الحريات بزعامة علي بن فليس ثم جيل جديد بزعامة جيلالي سفيان، تتهيأ اللجنة السياسية لهيئة الحوار، للانتقال إلى مقر حركة البناء الوطني - حزب إسلامي نشأ قبل خمس سنوات ويقود عضوه سليمان شنين، البرلمان منذ حوالى شهر، بعد انتخابه بالغالبية خلفاً للرئيس المقال معاذ بوشارب.

ولعل حركة البناء الوطني، هي أقل الأحزاب الإسلامية انتقاداً لهيئة الحوار، في سياق "طعنات" مباشرة من حزبين آخرين من التيار ذاته، هما حركة مجتمع السلم وجبهة العدالة والتنمية التي استذكر رئيس مجلس الشورى فيها، لخضر بن خلاف، مثلاً ليصف عمل الهيئة "يقال إن العام يُعرف بخريفه، وخريف لجنة الحوار بلا أمطار ومن ثم صيفها أكيد يكون بلا حصاد".

حتى بالنسبة إلى الأحزاب التي استقبلت يونس، صوّر بعضها دور هيئة الحوار بشكل سلبي، فحزب جيل جديد مثلاً، قال إنه يأمل في أن "يتوصل كل الفاعلين في المجتمع السياسي إلى إجماع من شأنه تجنب التوترات والمخاطر التي قد تكون عواقبها وخيمة على مستقبل البلاد"، مضيفاً "على الجميع تغليب الحكمة والعقل في مثل هذه الظروف الصعبة".

الوقت... حان

وأوضح أنه "على النظام أن يعترف بصفة صريحة أن الوقت قد حان لتسليم المشعل وعلى الشعب أن يكون قادراً على مرافقته في هذا التحول التاريخي". وتعكف الهيئة منذ أسبوعين على عقد لقاءات مع نشطاء في المجتمع المدني وممثلين عن النقابات والطلبة والحراك الشعبي في الولايات، تحضيراً للندوة الوطنية التي تعتزم عقدها للخروج بوثيقة ترسم خريطة طريق الخروج من الأزمة وإجراء الانتخابات الرئاسية.

"العلماء المسلمون"... تنتقد

ومثلما كانت الحال منذ البدايات، لا تدري هيئة كريم يونس كيف تحقق الإجماع من حولها، فمن جديد وجهت إليها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين انتقادات حادة، ملوّحةً بمقاطعتها وتغيير موقفها منها، بعدما كانت قد أعلنت في مواعيد سابقة دعمها لها وتأييدها. واتهمت جمعية العلماء المسلمين في بيان لها هيئة الحوار والوساطة بزعزعة الثقة بين معظم قطاعات المجتمع وأفراده، كما جددت دعمها لمطالب الشعب الجزائري التي وصفتها بـ"المشروعة وحقه في التغيير الشامل نحو الأفضل، مع المحافظة على الوحدة والاستقرار والسلم".

وليس واضحاً ما المقصود من بيان هيئة العلماء المسلمين، لكنه في الواقع يعكس إلى حد كبير حجم العوائق التي تعترض طريق هيئة الحوار، على أساس خلفيات أيديولوجية. وهذا الإشكال بات يعكس حقيقة الخلاف العميق في المشهد السياسي في الجزائر وحتى داخل الحراك الشعبي، ويبدو أن هيئة يونس وقعت ضحيته، بعدما كُلّفت بتجاوزه.