بيتر فوندا في "السائق البسيط" أيقونة للثقافة الأميركية البديلة توازي تمثال الحرية

قد تبدو إنجازات الممثل ضئيلة نسبياً بالمقارنة مع ما حققه والده وأخته، لكنه الشخص الذي كان وراء أحد أكثر الأفلام تأثيرا في السينما على الإطلاق

الصورة الأيقونية التي رسمها بيتر فوندا في فيلم "السائق البسيط" للشاب المتفلت على دراجة "هارلي ديفيدسون"، بقيت طويلاً رمزاً للتحرر الشبابي في أميركا (ميديا.بيتشفورك.كوم)  

إنه صورة مثالية للثقافة البديلة لا تقل أميركيّةً عن تمثال الحرية نفسه. ذلك ما كانه الممثل الراحل بيتر فوندا في فيلم "السائق البسيط" ("إيزي رايدر") في 1969، عندما ظهر فيه مرتدياً تلك الخوذة المزينة بالعلم الأميركي، وراكباً دراجته النارية من ماركة "هارلي دافيدسون" الأميركية الشهيرة، يقودها بحرية ويُسر عبر الصحراء، برفقة الممثل دينيس هوبر الملتحي والجالس بجانبه، فينما تناثر شعره الأشعث من تحت قبعة رعاة البقر الخاصة به.

هذا الأسبوع، توفي فوندا بعد حوالى 50 عاماً من إطلاق فيلم "السائق البسيط". وقد حدّد ذلك الشريط حياته المهنية وطغى على كل الأعمال التي قدّمها لاحقاً. لقد شارك في كتابة ذلك المشروع وأنتجه وأدّى دور البطولة في العمل الذي سيصبح أكثر الأفلام شهرة في التاريخ عن سائقي الدراجات النارية. وعلى الرغم من أن هوبر تولّى إخراج العمل، لكن فوندا كان صاحب فكرة المشروع.

ووفق ما استرجع فوندا في زمنٍ تالٍ، جاء الإلهام المتعلق بـ"السائق البسيط" بعد أن سمع خطاباً ألقاه جاك فالينتي الذي اتّصف بكونه مشاكساً ومتزمتاً أيضاً وكان قد عُيّن في وقت قريب رئيساً لـ"جمعية الفيلم الأميركي". وقد مثّلت تلك الجمعية هيئة تجارية تتولّى تمثيل مصالح استوديوهات هوليوود. ومع حلول عام 1969 ، قرر فالينتي أن الفساد الأخلاقي كان يطغى على السينما الأميركية. وفي خطابة أعرب عن قناعته بأنه "علينا أن نتوقف عن إنتاج أفلام عن الدراجات النارية والجنس والمخدرات، ونصنع مزيداً من الأعمال الشبيهة بفيلم "دكتور دوليتل" الغنائي".

وما كان من فوندا الذي فرغ توّاً من إداء دور البطولة في فيلم الدراجات النارية الناجح "الملائكة البرية" الذي أنتجه روجر كورمان 1966 ، إلا أن ردّ عبر "السائق البسيط"، الفيلم الذي يقدم الجنس والمخدرات وركوب الدراجات النارية في أقصى حالاتها. شجع نجاحه الهائل في شباك التذاكر الاستوديوهات الميالة عادة إلى أن تكون محافظة، على دعم المواهب الشابة المتمردة. وكذلك شكّل الفيلم إعلاناً عن بدء فترة ذهبية في صناعة الأفلام الأميركية في سبعينيات القرن العشرين، وقد أرّخها الكاتب بيتر بيسكايند في كتابه "السائقون البسطاء... الثيران الهائجة" (1998). وبصورة غير مباشرة، استفاد مخرجون مثل هال آشبي وفرانسيس فورد كوبولا ومارتن سكورسيزي وبيتر بوغدانوفيتش وحتى جورج لوكاس، من الثورة التي أشعلها فوندا مع "السائق البسيط". وعلى كل حال، لم يزدهر فوندا نفسه بالطريقة التي كانت متوقعة له. إذ أخرج وأدّى دور البطولة في فيلم "اليد المُستأجَرة" (1971) الذي اعتُبِرَ عملاً تجريبيّاً بدائيّاً من أفلام الكاوبوي الأميركية، قام بمراجعته فرانك مازولا (الذي كان قد فرغ للتو من مراجعة فيلمي "الأداء" للمخرج نيك رويغ والمؤلف دونالد كاميل). لم يلق الفيلم استحساناً كبيراً إلا عندما أعيد إصداره في نسخة مُرمّمة، أشرف عليها مازولا والمنتج البريطاني هيميش ماك ألباين في 2001.

وفي ذلك السياق نفسه، عمل فوندا أيضاً على إخراج فيلم خيال علمي غامض بعنوان "نقل آيداهو" (1973)، لكنه كان يعمل كنجم لأفلام الحركة في معظم فترة السبعينيات. لم يعد للإخراج مرة أخرى إلا في 1979 عندما صنع فيلماً آخراً من أفلام كاوبوي الـ"ويسترن" الغرب حمل إسم "واندا نيفادا" الذي أدى بطولته بنفسه، وشترط فيه والده هنري فوندا والممثلة بروك شيلدز التي كانت مراهقة آنذاك. إذا قارنّاه مع المسيرة المهنية لوالده وشقيقته جين فوندا، تبدو إنجازات بيتر ضيئلة نوعاً ما. ومع ذلك، كان ممثلاً موهوباً بطريقته الخاصة. كان شكله وأداؤه قريباً قليلاً من والده. من خلال أدائه دور مزارع النحل في الفيلم الدرامي "ذَهَبُ أولي" الذي حقّق نجاحاً كبيراً في مهرجان "صاندانس" للسينما المستقلة في 1997، ودور المجند السابق في حرب فيتنام الذي انتقل بيعيش في مستنقعات فلوريدا ويحاول الحفاظ على تماسك أسرته في ظروف صعبة للغاية، أظهر فوندا مرونة ولباقة وجاذبية لا يمكنك معها إلا أن تتذكر أداء والده هنري فوندا دور توم جود في فيلم "عناقيد الغضب" (1940).

في أفلامه اللاحقة، كان فوندا بين الحين والآخر يُظهر بعض التبجح القديم بأنه قد وُلد ليكون همجياً كما في فيلم "السائق البسيط". على سبيل المثال، كان لافتاً للغاية في دور المنتج الموسيقي من لوس أنجلوس تيري فالنتاين، الوضيع والجذاب، في فيلم "ذا لايمي" الذي أخرجه ستيفن سودربرغ (1999). إذا نظرتم في القائمة الطويلة لإنتاجات فوندا ستجدون كثيراً من أفلام الدرجة الثانية،  وأعمالاً سينمائية من أفلام الحركة التي لا تعلق بالأذهان، وعناوين قد باتت بالفعل طي النسيان. ومع ذلك، فقد كان الشخص الذي خلق "السائق البسيط"، أحد أكثر الأفلام تأثيراً في تاريخ هوليوود، ولا يمكن لأحد أن يسلبه ذلك الإنجاز.

© The Independent

المزيد من سينما