الهجمات على مقرات الحشد الشعبي في العراق تثير الانقسامات بين قيادييه

الفياض يرد على المهندس بعد التصعيد الخطير ضد الولايات المتحدة على خلفية تفجير مخازن السلاح

يضم الحشد الشعبي فصائل مسلحة عدة تمارس إيران نفوذاً واضحاً عليها (أ.ف.ب)

في تباين واضح لمسؤولين عراقيين يتحركان في دائرة النفوذ الإيراني، صرّح رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، فجر الخميس 22-8-2019، أن الموقف التصعيدي ضد الولايات المتحدة، الذي أعلن عنه نائبه أبو مهدي المهندس، الذي يوصف بأنه رجل الحرس الثوري الأول في العراق، لا يمثل الحكومة العراقية.

بيان المهندس

بعد تعرض أربعة مقرات للحشد الشعبي في ديالى وبغداد وصلاح الدين، إلى هجمات تسببت في تفجير مخازن السلاح، أصدر المهندس بياناً حمّل فيه الولايات المتحدة مسؤولية هذه التطورات، مؤكداً أن "الأميركيين قاموا هذا العام بإدخال أربع طائرات مسيرة إسرائيلية (إلى العراق) عن طريق أذربيجان، لتعمل ضمن أسطول القوات الأميركية، على تنفيذ طلعات جوية تستهدف مقرات عسكرية عراقية"، فيما أشار إلى وجود "معلومات أخرى وخرائط وتسجيلات عن جميع أنواع الطائرات الأميركية متى أقلعت ومتى هبطت وعدد ساعات طيرانها في العراق، وقامت مؤخراً باستطلاع مقراتنا بدل تعقبها لداعش، وجمعها المعلومات والبيانات التي تخص ألوية الهيئة ومخازن أعتدتها وأسلحتها".

قال المهندس، إن "ما يجري الآن من استهداف لمقرات الحشد الشعبي أمر مكشوف لسيطرة الجيش الأميركي على الأجواء العراقية عن طريق استغلال رخصة الاستطلاع، واستخدام الأجواء المحلية لأغراض مدنية وعسكرية ومن ثم التشويش على أي طيران آخر من ضمنه طيران قوات الجيش (العراقي) البطل في حين سُمِح لطائرات أميركية وإسرائيلية بتنفيذ الاعتداءات المتكررة، وهذا ما كشفته بعض مراكز البحوث الأميركية وتصريحات رئيس الوزراء الصهيوني بهذا الصدد".

المهندس تحدث أيضا عن "مشروع قادم لتصفيات جسدية لعدد من الشخصيات الجهادية والداعمة للحشد الشعبي"، معلناً أن "المسؤول الأول والأخير عما حدث هي القوات الأميركية، وسنحملها مسؤولية ما يحدث اعتباراً من هذا اليوم". ومضى يقول، "ليس لدينا أي خيار سوى الدفاع عن النفس وعن مقراتنا بأسلحتنا الموجودة حاليا واستخدام أسلحة أكثر تطوراً"، مؤكدا أنه أبلغ القيادة العسكرية العراقية، "بأننا سنعتبر أي طيران أجنبي سيحلق فوق مقراتنا من دون علم الحكومة العراقية طيراناً معادياً وسنتعامل معه وفق هذا المنطلق وسنستخدم كل أساليب الردع للحيلولة دون الاعتداء على مقراتنا".

دولة داخل الدولة

تلقت الأوساط السياسية العراقية بيان المهندس بوصفه مؤشراً على استقلالية الحشد الشعبي عن الدولة العراقية، وانخراطه بشكل واضح في النزاع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، لصالح الأخيرة، فيما قال مراقبون إن هذا الموقف يعكس حقيقة وجود دولة للحشد داخل الدولة العراقية، وربما بموازاتها، فيما أشار آخرون إلى مقدار الحرج البالغ الذي سيتسبب به هذا التصعيد للحكومة، التي تعلن مراراً أنها تسيطر كليا على الحشد الشعبي.

من جهة أخرى قال مقربون من زعيم حركة عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، ذي الصلة الوثيقة بإيران، إن "رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، تعرضا لضغوط أميركية كبيرة، بعد صدور بيان المهندس، بهدف انتزاع موقف مضاد".

الفياض يرد

لم تمر سوى ساعات قليلة على إعلان موقف المهندس، حتى صدر بيان صريح موقّع من رئيس هيئة الحشد، يشدد على خضوع هذه القوة بشكل كامل لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، مؤكدا بشكل صريح أن بيان المهندس لا يمثل الحشد الشعبي.

تسلط هذه التطورات، الضوء على الانقسام الحاد داخل قيادة الحشد الشعبي، بشأن الموقف الذي يجب أن تتخذه هذه القوة من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. بينما يصر المهندس على الانخراط كلياً في دعم إيران، يرى الفياض، ومعه عبد المهدي أن الحفاظ على التوازن هو السبيل الوحيد أمام العراق للخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر.

يتوقع مراقبون أن تكون هذه التطورات مقدمة لفرز أوضح داخل هيئة الحشد، بين معسكرين، يوالي الأول الحكومة العراقية عبر الفياض، فيما يتبع الثاني إيران عبر المهندس.

وبناء على هذه القراءة، قد يؤيد المتطوعون الشيعة الموالون للمرجع الأعلى علي السيستاني، الفياض والحكومة العراقية، فيما ستلتحق بالمهندس الفصائل الأشد تطرفاً وولاء لإيران ضمن الحشد الشعبي، وهي كتائب حزب الله التي يقودها ابو مهدي شخصياً، وحركة النجباء التي يتزعمها أكرم الكعبي، الموضوع على لائحة العقوبات الأميركية، وحركة سيد الشهداء بزعامة أبو آلاء الولائي، ومجموعات أخرى شبيهة.

الحكومة في المنتصف

تقول مصادر سياسية مطلعة في بغداد، إن الحكومة العراقية تحاول البقاء في المنتصف، في منطقة الصراع الأميركي الإيراني، إذ أن انحيازها إلى أي طرف، قد يتسبب في انهيار الوضع الداخلي، وهو خيار لا يحظى بالإعجاب في طهران، التي تعتقد انها استثمرت بما يكفي في العراق ليقف إلى جانبها في مثل هذه اللحظات.

يقول الكاتب العراقي أحمد سعداوي، إن "العراق، لا يستطيع بسبب تركيبته الاجتماعية والسياسية وحتى الاقتصادية، أن يكون بوابة شرقية ضد إيران، وفي الوقت نفسه لا يمكن له أن يجعل نفسه عدواً صريحاً لأميركا التي تسيطر على أجوائه وعلى تعاملاته الدولية ولديها أكثر من ورقة تحرج بها صانع القرار العراقي".

المعارضة تدخل على الخط

فتحت الهجمات التي تنسب إلى إسرائيل على مخازن السلاح التابعة للحشد الشعبي، الباب أمام انتقادات واسعة وجهتها أطراف المعارضة للحكومة، مستغربة استمرار صمتها.

ويقول زعيم تيار الحكمة المعارض، عمار الحكيم، إن "ما تتعرض له منشآتنا العسكرية يعد انتهاكاً خطيراً لسيادتنا الوطنية، وعلى الحكومة ان تتحمل مسؤولياتها ازاء هذه الخروق والدفاع عن حمى الوطن"، مستغرباً "الصمت الرسمي"، إزاء "انتهاكات متكررة للسيادة العراقية"، والعجز عن "كشف الجهات والاسباب والدوافع".

ويقول أحمد الاسدي، وهو مشرّع يترأس كتلة برلمانية، ويتزعم أيضاً ميليشيا خاصة ضمن قوات الحشد الشعبي، إن "دخول إسرائيل مجالنا الوطني إعلان حرب ضد العراق وشعبه وسيادته ومقدراته"، مشيراً إلى أن "السكوت على العدوان ليس موقفا عقلانياً، بل العقلانية والواقعية السياسية تقتضي استنفاد خيارات الدبلوماسية الوطنية مع مجلس الأمن الدولي ليكون العراق وجيشه وشعبه في حل من خيارات الردع العسكرية مع العدوان وطائراته المسيرة".

وتابع، "لن تمر تلك الفعلة الإسرائيلية والأميركية من دون أن يكون لنا موقف صريح منها"، مشددا على إبقاء "خيار الرد مفتوحاً، لأنهم أرادوها حرباً مفتوحة، والواجب الشرعي والوطني (يتطلب) إيقاف تلك الحرب بروح الرد المفتوح".

المزيد من العالم العربي