من برلين إلى البندقية… السينما السودانية تنتفض دوليا وتجذب الاهتمام

ثلاثة أفلام حملت وقائع الازمة بموضوعية وفنية عالية

 "التحدث عن الاشجار" فيلم صهيب قسم الباري (اندبندنت عربية)

"السينما السودانية تنتفض". هذا العنوان ليس سبقاً صحافياً في موضوع مثير يدغدغ مشاعر السينمائيين السودانيين ويشد انتباه الغرب. إنه واقع يتجسّد حالياً في المشهد الفنّي الدولي، ولقد تحقق أحد أهم فصوله في مهرجان برلين السينمائي الأخير، مطلع هذا العام، مع عرض فيلمين سودانيين، هما "التحدّث عن الأشجار" لصهيب قسم الباري الذي نال جائزة أفضل وثائقي، و"أوفسايد الخرطوم" لمروة زين. البلد الأفريقي العربي الذي لم يكن له أي حضور حتى الآن في المحافل السينمائية، لعدم وجود سينما فيه لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، وجد نفسه فجأةً على الخريطة. جذب الفيلمان فضول الغرب صحافة ومشاهدين، ليس فقط لأنه منتوج يصلح دراسته أنثروبولوجياً ويشكّل مدخلاً للاطلاع على ظروف عيش السودانيين في بلد يرزح تحت الديكتاتوريتين العسكرية والدينية منذ أكثر منذ عقود، بل بوصفه عملاً سينمائياً متكامل العناصر، قيمته الفنية في ذاته، بعيداً من أي تدليس سياسي.

يُضاف إلى هذين الفيلمين، "ستموت في العشرين" لأمجد أبو العلاء الذي سيُعرض في مهرجان البندقية السينمائي السادس والسبعين.

في طبيعة الحال، ثلاثة أفلام وإن خرجت في فترتين متقاربتين جداً، ليست كافية للحديث عن تيار سينمائي أو ثورة، على غرار ما شهدته بعض البلدان الأوروبية في الستينيات من القرن الماضي. إلا أن عرض ثلاثة أفلام في عام واحد، وفي مهرجانات صف أول توفّر أعلى قدر من التغطية الإعلامية، يعني الكثير لجيل من السينمائيين السودانيين الشباب الذين يعملون على تغيير النظام السياسي والاجتماعي المكّرس منذ سنوات في بلادهم، والإطاحة به، خصوصاً أن هذه الأفلام تُعد "أصواتاً بديلة" عن صمت وسائل الإعلام الغربية التي اتُهمت مراراً بالتعتيم على ما يجري في السودان من احتجاجات شعبية واسعة النطاق بدأت في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، اعتُقل إثرها المئات، كما قُتل عشرات على يدّ قوات الأمن. الفنّ لا ينفصل عن حياة البشر، ثمة تداخل بينهما حد الانصهار الكامل. من هنا، فتربع ثلاثة أفلام سودانية على عرش السينما العربية في العام 2019، يحمل دلالات كبيرة ومعاني مكثفة. إنه نوع من تعويض معنوي بسيط عن "نصف ثورة" قامت ضد الطاغية عمر البشير ونظامه الجاثم على صدور شعبه منذ ثلاثة عقود وكانت نتائجها مخيبة إلى الآن.

انتصار للغائبين

"التحدّث عن الأشجار" هو باكورة صهيب قسم الباري. كان برلين سبّاقاً في اقتناصه وخلق "حالة" حوله. من حسن حظه، أن برلين أحب الفيلم وضمّه إلى برنامجه، ذلك أنه المكان المناسب لهذا النوع من الإنتاجات. لم يخفِ المهرجان الألماني في أي يوم من الأيام، انحيازه اليساري ومواقفه الداعمة لقضايا "بلدان الجنوب"، والفيلم استفاد من هذا خير استفادة، وكونه ينتصر للغائبين عن الشاشة، فهذا أعطاه دفعاً إضافياً. لذلك، كان العرض أشبه بلحظة وجدانية نادرة، غاب عنها التدليس السياسي الرخيص الذي بات يسخّف القضايا المهمة ويولّد حالة من النفور عند البعض منا.

يتعقّب "التحدّث عن الأشجار" عن شلّة من السينمائيين الذين أسسوا في الماضي "نادي السينما السوداني". يتيح لهم فرصة ليتجمعوا مجدداً، ولكن هذه المرة قبالة الكاميرا لا خلفها. والهدف من هذا الاجتماع: إعادة افتتاح دار للعرض في هواء الخرطوم الطلق، بعدما كانت تحولت مع مر الزمن إلى ركام، على غرار كلّ السينمات التي شهدت أياماً "مجيدة" في العاصمة. بعضها اضطر إلى إقفال أبوابه وبعضها الآخر كان عرضة للإهمال.

هؤلاء أسماؤهم معروفة ووجوههم كذلك: منار الهيلو، سليمان محمد إبرهيم، الطيب مهدي، إبرهيم شداد. هذا الأخير أكبرهم سنّاً وأكثرهم نشاطاً، على الرغم من بلوغه الثمانينات. سبق لهم أن أخرجوا أفلاماً عدة، استعاد مهرجان برلين في خطوة احتفالية بعضها، بعد ترميمها في ألمانيا. صداقة عميقة تربط هؤلاء بعضهم ببعض الآخر، منذ نحو خمسين سنة. من خلال محاولة إعادة افتتاح صالة سينما، يسعون إلى نشر الثقافة السينمائية، وهي ثقافة مشبّع بها الفيلم، ويحمل دلالاتها الكثيرة المتعددة، بدءاً من إعادة تمثيل مشهد من "سانست بولفار" في مطلعه. "المسنّون الشباب" هؤلاء يشغلهم نقل عدوى السينما إلى الشباب والأجيال الصاعدة. ولكن، هل يتحقّق هذا الحلم وبلادهم ليست حرة تماماً، إذ إن كلّ شيء فيها مرتهن برضى الحكمين العسكري والديني اللذين يتعايشان بالتواطؤ على الشعب. لا يريدان سينما، لأنها أداة تخرج عن نطاق سيطرتهما. لذلك، تماطل السلطات المعنية في منح الإذن المطلوب لترميم السينما وإعادة افتتاحها وشراء المعدات المطلوبة، مع العلم إن الصالة اسمها "سينما الثورة".

ثاني الأفلام التي عُرضت في مهرجان برلين هذا العام وفاز بالاهتمام: "أوفسايد الخرطوم" للمخرجة الشابة مروة زين. هذا الوثائقي يحمل قضايا عدة، أبرزها قضية المرأة في المجتمع السوداني المحافظ، على غرار غيره من المجتمعات المسلمة، ويمكن اعتباره تالياً فيلماً نسوياً. إذا كان الفيلم مختلفاً تماماً عن "التحدّث عن الأشجار" شكلاً ومضموناً، فكلاهما يلتقيان في كون البطولة جماعية. في الأول نتابع شلة سينمائيين، أما في الثاني فنتعرف إلى مجموعة فتيات يحلمن تشكيل أول منتخب وطني للاعبات الكرة السودانيات، وهذا ما يبرر عنوان الفيلم: "أوفسايد الخرطوم".

فيلم زين نضالي التوجّه، ينتصر لحقوق المرأة في مجتمع تغلب عليه السلطة الأبوية. إلا انه مشغول بذوق وعناية بالتفاصيل وقدرة على مخاطبة أوسع شريحة من المشاهدين. واضح أن زين تمسك بخيوط الموضوع من خلال تناول مسألة إشكالية وهي إقصاء الفتيات من حلم تمثيل بلدهنّ في البطولات الأجنبية واقتحام مجال رياضي مخصص للرجال عموماً. مع ذلك، لا يولّد هذا "الحرمان" فيلماً انفعالياً، بل نصّاً هادئاً يحاول الإحاطة بالمسألة من الجوانب كافة.

زين التي اشتغلت على الفيلم مدة ثلاث سنوات وصوّرته من دون تصريح، التقطت حالة تململ تسيطر على المجتمع السوداني جراء المواصلة في التعامل مع المرأة بصفتها كائناً قاصراً لا يستطيع اتخاذ القرارات. تقول مروة زين إنه لا يُمكن فصل التظاهرات التي عمّت الميادين عن العسف الذي عانى منه طويلاً.

الفيلم الثالث، "ستموت في العشرين" لأمجد أبو العلاء، لم نشاهده بعد، وسيُعرض في مهرجان البندقية السينمائي، داخل قسم "أيام البندقية"، اعتباراً من مطلع الشهر المقبل. على غرار زميليه، هذه باكورة أفلام أبو العلاء الطويلة. تم تصويره في السودان بدءاً من سبتمبر (أيلول) 2018، قبل إن يجد المخرج نفسه في الأسابيع التالية وسط موجة الاحتجاجات. هل تركت تأثيرها في الفيلم؟ علينا مشاهدته كي نعرف الجواب، علماً أن الحكاية التي يرويها بعيدة من هذه الأجواء، إذ إنه مقتبس من "النوم عند قدمي الجبل" لحمور زيادة ويحمل سمات صوفية. يولد مزمل في قرية ذات طابع صوفي، وتصله نبوءة تفيد بأنه سيموت في العشرين، الأمر الذي يزجه في القلق والارتياب، ولكن المصادفة تجعله يتعرف إلى مصوّر سينمائي كبير السن، فتأخذ حياته مجرى آخر.

 

المزيد من سينما