هوشيار زيباري: التصرفات الطائفية وممارسات الجيش والأمن هي التي فجرت التظاهرات السنية في العراق (3-3)

قال: الأميركيون أخطؤواعندما توقعوا سقوط النظام السوري الذي كان له دور في تفجيرات بغداد

هوشيار زيباري ، وزير خارجية العراق الأسبق (غيتي)

في الحلقة الثانية وصف وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري شعوره لحظة عودته إلى الموصل، والموكب المهيب من القادة الكرد عند دخولهم إلى كركوك للمرة الأولى بعد سقوط صدام حسين. كذلك تحدث عن دور المرجع الشيعي السيستاني في إقرار دستور العراق الجديد، وتمسك الكرد بالفيدرالية، والدور الذي لعبه النظام السوري في دعم الجماعات المسلحة المتطرفة. واعترف زيباري بأن حل الجيش العراقي كان خطأ مشتركاً تتحمله قوى في المعارضة والأميركيون.

وفي الحلقة الثالثة والأخيرة، يستحضر الوزير من ذاكرته أولى زياراته الخارجية. وزيباري كان أول كُردي يُصبح وزيراً لخارجية العراق، وأصبح يمثل دولة بقي أكثر من أربعة عقود يناهض نظامها الحاكم. ويروي "في سبتمبر (أيلول) 2003، خلال فترة مجلس الحكم، مهمتي الأولى كانت حضور الاجتماع الوزاري لمجلس وزراء الدول العربية في القاهرة، وقبل ذهابنا كانت هناك أصوات عديدة في الإعلام وفي التسريبات بأن الجامعة لن تقبل بعضوية العراق الحالية، كذلك قيل إن الممثل الجديد أو الوزير الجديد لن يكون بمقدوره أن يحصل على مقعد العراق، من باب شرعية النظام، مع الكثير من الأقاويل الأخرى، لكن كان القرار أن نحضر، وأيضاً لأن جامعة الدول العربية هي مرجعية كل الدول الأعضاء، والعراق من مؤسسي هذه الجامعة، حيث أكدنا أنه ليس من حق أحد أن يمنع ويحرم العراق من موقعه".

المخاض في الجامعة العربية

يدخل الوزير زيباري في وصفه تفاصيل ما جرى: "وصلنا إلى القاهرة، إلى فندق سميراميس، على النيل، وطلبت من البعثة العراقية أن أعقد مؤتمراً صحافياً قبل البدء بأي اتصال. وهناك أعلنت موقف العراق وموقف النظام الجديد، من أحقية دولة العراق في الحصول على مقعده، وإننا جئنا لنحضر هذا اللقاء، فأجرينا اتصالات مع الخارجية المصرية والجامعة العربية، وقلنا إننا غداً سنحضر إلى مقر الجامعة. الدعوة كانت موجودة، والاجتماع كان دورياً. في الليل وصلتني معلومات عن اجتماعات مطولة بين وزراء الخارجية العرب، ولكنهم لم يتخذوا قراراً بعد، وكان ثمة رأي تقوده الكويت والمغرب وقطر، بتوجيه دعوة الحضور إلينا. انتظرنا طوال الليل، لنعرف ما هو القرار؟ أنا بلّغت الأمانة العامة للجامعة، بأنني سأحضر. في الليل، اتصل وزير خارجية الولايات المُتحدة، كولن باول، وقال لي "لن يتم إحراجك، قلت: لا هذا حقنا وسنحضر الاجتماع، وسنجلس بمقعدنا، وهي ليست مكرمة، ونحن دولة مؤسسة للجامعة، فقال هل هناك شيء مطلوب منّا، نحن تواصلنا مع الكل، وخصوصاً الطرف المصري، وأتصور غداً سيكون لديك مواعيد، وسترى وزير خارجية مصر. في الليل، تواصل المصريون معنا، وقالوا قبل الاجتماع سيكون لديك اجتماع مع أحمد ماهر، وزير خارجية مصر. في اليوم التالي، اجتمعت صباحاً مع وزير خارجية الكويت، وكذلك مع وزير خارجية المغرب، اللذين كانا طلبا لقائي، وقاما بنقل الصورة، عن حجم الاعتراض، والتريث على الأقل. استمعنا إليهم، لكنني قلت: أنتم أحرار في قراركم، لكن سأجلس، ولن أطلب إذناً من أحد؟ ذهبنا إلى الخارجية المصرية، والإعلام العربي كان موجوداً. جلسنا مع أحمد ماهر، وتحدثنا، ورحب. أثناء الحديث جاءه اتصال، قال هذا الرئيس حسني مبارك يسلم عليك، ومسألة مشاركتكم جيدة وطيبة، ومصر داعمة للعراق، فقلت جيد. لكن ربما هناك إشكالية معينة، ونصحني بعدم الدخول فوراً، فقال يجب أن يجتمعوا ويقرروا، ومن ثم تدخل".

 

يصف الوزير زيباري الجو ضمن ذلك الاجتماع "كان ثمة دول رافضة، على رأسها سوريا والجزائر وفلسطين. لكن وزير خارجية الكويت، كان سعيداً بلقائنا، وقال نذهب إلى الاجتماع معاً. دخلنا إلى مقر الجامعة، وذهبنا إلى لقاء (أمين عام جامعة الدول العربية) عمرو موسى. رحب بنا وقال لدينا بيان سنقرأه، قلت يجب أن أقرأ البيان، ويجب أن أوافق عليه، يجب أن يكون لدي رأي. كان بيان شديد اللهجة، فقلت هذا مرفوض، العراق ليس فقط بلد عربي وعدّلت بعض الأمور. البيان كان فيه لهجة سورية بكل تأكيد. وافق موسى على التعديلات، وقال هناك مسألة شكلية، سندخل إلى الاجتماع، وتنتظر وبعد المراسيم سيتم إدخالك إلى الاجتماع. سلمت على الجميع، وجلست في موقعي، بعض الأعضاء صفّقوا أثناء دخولي. لما جلست على مقعد العراق".

يُكمل الوزير زيباري واصفاً سلوك العراق الجديد بأنه كان سلوك دولة وليس نظام حُكم مثلما كان في زمن صدام حُسين، قائلاً إن ذلك الأمر بدأ مُنذ أن تعاملوا مع موظفي السفارة العراقية في القاهرة وأعضاء البعثة العراقية إلى جامعة الدول العربية "تعاملنا معهم كموظفي دولة، ولم يتم اعتراض أحد. دخلنا ورحب الأمين العام بنا جميعاً، وبعودة العراق، ثم منحني الحديث. تكلمت بلغة عربية سليمة وفصيحة، في رسالة مطمئنة للعرب، قلت إن العراق ملتزم ميثاق الجامعة، وحريص على التزاماته العربية، ويجب أن يعترف العرب بما حدث في العراق، وستتبلور الحياة السياسية، وحديثي عن فلسطين كان مبعث احترام، وصفّق الجميع".

الغضب من فاروق الشرع

يتذكر الوزير زيباري عن دعوة الغداء التي تمت في ذلك اليوم، والتي حضرها وزير الخارجية السعودية السابق الأمير سعود الفيصل، ونظيره المصري أحمد ماهر، ويتذكر كيف أن وزير الخارجية السوري فاروق الشرع قال للحاضرين" إذا قتل عشرة من الأميركيين، فإنهم سيهربون. ما أشعل غضبي، وقلت له: أميركا الآن، ليست أميركا عام 1982، لو قتلت منهم 2000، سيبقون في العراق. بعد أشهر عدة، بدأ السوريون يقدمون تسهيلات للعنف، لبقايا البعثيين بالذات، بدأوا بإعادة تنظيماتهم، من المقاتلين الأجانب، عبر مطار دمشق من دون فيزا، بحجة السياحة. تشجع السوريون، لأن الولايات المُتحدة أرسلت إليهم رسائل مخطئة بحسب تقديري، لذلك استعجلوا فتح دعم المناهضين للوضع العراقي الجديد. بعد ذلك بسنوات عرفنا أن اللواء آصف شوكت، هو من كان يقف خلف ذلك القرار. لكن التخطيط والتنفيذ كانا من شخصيات وأجهزة النِظام السوري كافة، فالنظام مركزي، والكل مشترك في القرار".  

على أن هوية الوزير زيباري القومية، ككردي، كانت أكثر حساسية في علاقاته وتواصله مع تُركيا "كانت لدينا علاقات واتصالات مع الأتراك، حين كُنا في المعارضة، وخلال فترة تأسيس الإقليم، طوال تلك الفترة كنت أحد المفاوضين والمنسقين معهم، على كل المستويات، ومع الحكومة ووزارة الخارجية تحديداً، طبعاً إلى جانب اللقاء مع المخابرات ورئاسة الأركان. كان الطرف التُركي يعلم من أنا، ولست طارئاً وجديداً. لأجل ذلك كان استقبالاً عادياً خلال الزيارة الأولى، ولم تكن ثمة حساسية". يستعيد الوزير زيباري تفاصيل الزيارة الأولى لتُركيا، وما تضمنته من إيقاع على الحساسية الكُردية – التُركية "حاولوا وطلبوا أن أقوم بزيارة ضريح أتاتورك، ضمن برنامج الزيارة، قلت لهم "أنا أمثل الدولة العراقية". كان يهمهم أنني لست قومياً كردياً، وبكل رحابة صدر ذهبت، وكتبت كلمة، بمعنى أني زُرت ضريح مؤسس تركيا، كمال أتاتورك، كوزير خارجية العراق".

دور النظام السوري في التفجيرات

يشرح الوزير زيباري الفوارق بين التطلعين التُركي والإيراني في التعامل مع العراق الجديد، حينما كان هو في أوائل أشهر عمله كوزير للخارجية "بدأت الوفود الإيرانية تتوافد مُنذ تشكل مجلس الحكم، لم يكن بينهم قاسم سليماني، كان هناك فقط موظفون ودبلوماسيون. النظام في إيران مختلف ومعقد. إيران لم تُصدق ما جرى، كانت محاصرة من نظام سني في أفغانستان، ونظام صدام حسين في العراق، الذي دخل معهم في حرب مدة 8 سنوات. جاءت أميركا، وأزالت الاثنين، فكانت هدية من السماء".

جرت تحولات طفيفة على تجربة العراق الجديد مع دول الجوار، لكن سوريا وحدها بقيت مُصرة على عدم الاعتراف بوضع العراق الجديد. حدثت سلسلة تفجيرات هزت العاصمة بغداد في أيلول العام 2009، استهدفت واحدة منها مقر وزارة الخارجية العراقية، حيث مكتب الوزير زيباري. الحكومة العراقية مارست وقتها أقصى درجات التصعيد مع سوريا، لأنها اتهمت سوريا بالوقوف المباشر وراء تلك التفجيرات، ويشرح الوزير زيباري تفاصيل قرارات الحكومة العراقية حينذاك "كان قرار الحكومة هو قطع العلاقات مع سوريا والذهاب إلى مجلس الأمن، كُنا بزمن حكومة نوري المالكي الأولى، هو كان يعيش في سوريا، ونحن عشنا في سوريا، والكثير من أقطاب النظام الجديد كانوا يعيشون في سوريا، لذا كُنا نعلم أسلوب وعمل الأجهزة الأمنية السورية. رئيس الوزراء أكد أن هذه التفجيرات، التفجيرين الرهيبين بالذات، هُما من فعل الأجهزة السورية. كنت عضواً في مجلس الأمن الوطني، عقدنا اجتماعاً، وأكدوا بأن لدينا معلومات كاملة، بأن الأجهزة الأمنية السورية تقف خلف التفجيرات، هذا الاستهداف مخطط من قبل السوريين. قرر المجلس سحب السفير، كخطوة أولى".

يسرد الوزير زيباري تفاصيل الاتصال الهاتفي الذي جرى بينه وبين وزير خارجية سوريا وقتها، عقب ذلك القرار العراقي "تواصلت مع وليد المعلم، وقلت له: "أبو طارق، لدي خبر غير سار، أنا مكلف بأن أستدعي السفير العراقي إلى بغداد، بسبب التفجير الذي نعتقد أن مصدره من عندكم"، قال هل وصل الأمر إلى هذا الحد، قلت هذا قرار الحكومة، وأنا أتصل بك، من باب المعرفة والعلاقة، قال سنرد بالمثل، لكن لن نعيد سفيرنا مرة أخرى إلى أن يتغير النظام في العراق، قلت له "النظام تغير، ولا توجد قوة يمكن أن تغير النظام مرة أخرى".

أما عن الخطوات الأخرى التي اتخذتها الحكومة العراقية وقتئذ، يقول الوزير زيباري "أصدرنا قراراً لإدانة الإرهاب، وقررنا أن أي دولة تدعم الإرهاب يجب أن تحاسب. ثم ذهبنا إلى مجلس الأمن، الذي أصدر قراراً دان الإرهاب الذي يتعرض له العراق، فقلنا نعتمد على هذا، ونطالب مجلس الأمن، وطلبنا من الأميركيين مساعدتنا من أجل ذلك، وتشكيل محكمة".

يستعيد الوزير الخطوط المضادة، التي فترت من همة العراق لإكمال ذلك التوجه "لم يكن الجو العام مشجعاً، الولايات المُتحدة في فترة أوباما قالت إن الأدلة ليست قوية، هي تخمينات، قلت أنتم أيضاً تعرفون أن معظمهم يأتون من هناك، استمرينا وضغطنا، كان في بالهم، ألا يتم دفع سوريا أكثر من لازم. بعد ذلك، ضغطنا مع الأمين العام ومجلس الأمن، الذين وافقوا في ما بعد على مطالبنا، وأرسلوا لنا المُحقق أوسكار فرنانديز. قاموا بتكليفه، لإعداد تقرير، أحضرنا كل مسؤولي الأجهزة الأمنية ليكونوا معه، وعرضنا عليه الأدلة والتحقيقات كافة. المصدر والشبكة ومن أين جاءت وكيف حصل ما حصل. كان متعاطفاً، كتب التقرير، لكن لم يعلن عنه، ولم يحدد الجهة مطلقاً. كان يجب أن يعرضه على مجلس الأمن، لكن لم يحدث ذلك"!

يذكر الوزير زيباري دور القيادات الوطنية العراقية في فرملة الجهود العراقية لمواجهة ما كان يتعرض له من قِبل سوريا "عدد من القيادات العراق كان له دور في كبح الاستمرار في الموضوع، بسبب علاقات قديمة تاريخية تجمعهم بسوريا، وكان هناك صراع داخلي بين المالكي والرئاسة، الرئيس جلال الطالباني عبّر عن اعتراضه، وعادل عبد المهدي. خفّت الهجمات السورية بعد ذلك، وحصل تدخل إيراني وتركي مباشران، والذين بدأوا بالوساطة هم الإيرانيون.

الوساطة

ذهبت إلى أحد المؤتمرات في طهران، كان وزير خارجية إيران قد دعاني إلى مأدبة الغداء، ووليد المعلم كان موجوداً، تحدثنا عما حدث، وعن إعادة العلاقات، وشيء من هذا الحديث. بعد ذلك، عرض أحمد داوود أوغلو (وزير خارجية تركيا) الوساطة، على أن تتبنى تركيا الحل، فقلت لا، نحن أعضاء في الجامعة العربية، الجامعة العربية يجب أن تكون موجودة، الجامعة العربية كانت سعيدة بذلك، وأول اجتماع كان في مكتب الجامعة، والاجتماع الثاني في إسطنبول. وكان هناك حديث قوي بيني وبين وليد المعلم. بعد ذلك، صارت هناك موافقة، بأن يتم إعادة السفراء، والبدء بتطبيع العلاقات، ووعدوا بتكثيف الضغوط على الأجانب. الأميركيون ضغطوا والاتحاد الأوروبي ضغط، لمراقبة المطارات والحدود. ولكن على الرغم من كُل ذلك لم تتوقف الهجمات".

يعود الوزير زيباري لذكر تفاصيل تحولات العلاقات العراقية السورية، خصوصاً بعد بدء الثورة السورية "ذهبت في زيارة إلى الولايات المُتحدة مع نوري المالكي (رئيس الحكومة)، والثورة السورية كانت قد بدأت. كُنا في الجامعة العربية الدولة الوحيدة التي اعترضت على تجميد عضوية سوريا، ليس حباً بسوريا، لكنها الآلية الوحيدة التي نملكها للضغط على سوريا. نحن كان لدينا دور كبير جداً في قوات حفظ السلام العربية المرسلة إلى سوريا، من السيارات ومن الضباط، مشاركتنا كانت أعلى من كُل الدول، في ما بعد فشلت هذه الخطة. في الولايات المُتحدة قلنا إن النظام السوري لن يسقط، تركيبته تختلف، نحن نعرفهم وتعاشينا معهم.

خطأ التحليل الأميركي في سوريا

الأميركيون كانوا يتصورون أن النظام سينهار بسبب مؤشرات الاقتصاد الخاصة بهم. قلنا لهم هذه دولة تعيش على التهريب، وتعيش على دفن النفايات النووية، على تجارة الممنوعات، هذه التقديرات الخاصة بالاقتصاد والأرقام المُجردة مخطئة. أخوتنا الخليجيون كانوا متلهفين، قلنا لهم إن النظام شرس ولديه قدرة على المقاومة. لذلك، هذه التنظيمات المتطرفة ستستفيد من الصراع، وستتحول سوريا قاعدة جيدة لهم، لكنهم لم يصدقوا. في واشنطن، أتذكر جاءنا ديفيد باتريوس (مدير وكالة المخابرات المركزية) وهيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية)، الموضوع الأساسي كان سوريا. قالوا للمالكي التحقوا، النظام السوري سيسقط. قال المالكي لا، لن يسقط. الجيش قائم، هناك مسيطرون علويون، ومسيحيون، وسنة ودروز وأقليات، متماسكون. والمعارضة معارضة إسلامية وغير جذابة، المعارضة القومية العلمانية الديمقراطية ضعيفة، ولا تملك دعماً. فصار نقاش، صديقي باتريوس كان موجوداً سابقاً في العراق، قال إن النظام السوري سيسقط، قلت له، سيادة الجنرال، أختلف مع تقييمك، قال هوشيار أنا رئيس وكالة المخابرات الأميركية، ونحن نعلم أكثر، قلت مثلما كنت تعرف أكثر عن بلدي العراق، فضحك!".

 يسترجع الوزير زيباري صفحات من ذاكرته مع بعض الشخصيات الإقليمية التي شاركها العمل السياسي، فيقول عن الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز "أول مرة التقينا، كان ولياً للعهد، كُنا في كوالالمبور، في مؤتمر منظمة الدول الإسلامية، وكنا ضمن وفد كبير من مجلس الحكم، أياد علاوي وأنا والدكتور محمود عُثمان وعز الدين سليم، وقيادات من مجلس الحكم، أتصور في أكتوبر (تشرين أول) أو نوفمبر (تشرين ثاني) من عام 2003. أنا طلبت موعداً لنلتقي مع ولي العهد، فوافق، فزرناه، رحب بنا، وقال بما معناه، أنتم قراركم ليس بيدكم. قلت من هو السبب، أليس صدام حسين؟ وأنتم أهملتم العراق، هل ظل شيء ولم نفعله؟ وأنتم تخليتم عنا، وحدث نقاش طويل في ما بيننا. بعد ذلك، في كل مرة كنت أذهب إلى السعودية، وأطلب مقابلته كان يوافق، ويتحدث ويقول إنه يريد أن يتقدم العراق، ويجب أن نكون موحدين. كان طلبنا الرئيس، أن تُفتح السفارة، حتى يشعر شيعة العراق بعروبتهم، كُنت أُخبر الملك عبد الله إذا قمتم باحتوائهم، فإنهم لن يتجهوا نحو إيران".

بداية الثورات

بعد اندلاع الربيع العربي، حدثت تحولات حادة في علاقات العراق الإقليمية، التي يتذكرها الوزير زيباري "عندما حدثت ثورة الياسمين في تونس، كُنت أول مسؤول من دولة عربية يزور تونس، ويهنئهم، وقدمنا لهم مساعدة مالية، لهيئة الانتخابات المستقلة، بمليوني دولار. كان هناك جدل، هل ثورات الربيع العربي كانت ستحصل لو لم يسقط صدام حسين؟ هذا كان أحد الأسئلة لدى النخب السياسية العراقية. كذلك كنا متعاطفين مع المعارضة السورية، عُقد مرة اجتماع، وتحدثت كمعارض وليس كمسؤول، وحدث زعل مع نوري المالكي وآخرين، فقلت أنا أتحدث بناء على تجربتي، كنا متعاطفين مع ليبيا مثلاً، العراق كان من الدول المشاركة في الاجتماع الذي حدث في فرنسا، لمنع الهجوم على بنغازي".

لكن موجة الربيع العربي لم تقفز فوق العراق، الذي كان ذا وضع خاص، يقول الوزير زيباري "حدثت لدينا أيضاً تظاهرات ضمن موجة ثورات الربيع العربي، في ساحة التحرير. وجرى ضرب واعتقالات ومنعوهم من عبور الجسر، وألقت الأجهزة الأمنية قنابل غازية على المتظاهرين. رأيت ذلك وأنا ذاهب إلى اجتماع مجلس الوزراء، الكل كان خائفاً، بالذات رئيس الوزراء نوري المالكي. قلت لهم ما هو سبب خوفكم، كل هذه المطالب التي يطالبون بها، نحن قمنا بها، نحن نملك تداولاً سلمياً للسلطة، توجد انتخابات، هناك دستور، فلماذا الخوف؟ لدينا الحريات، كل هذه الأمور موجودة، فليتظاهروا يومياً، لماذا هذا الاستفزاز والعنف، أخمدوا قليلاً واهدأوا".

يعود الوزير زيباري للتذكير بأن التظاهرات التي حدثت في المناطق السُنية العراقية في ما بعد، لم تكن ضمن موجة الربيع العربي، بل رد فعل على سلوكيات السُلطة العراقية "بدأت بمنحى آخر. التظاهرات السنية لم تكن مع ثورات الربيع العربي. كانت حالة خاصة بعد الاعتقالات، مع استبعاد طارق الهاشمي وغيره، وبدأت في المدن السنية أكثر. العنف المفرط المستخدم، التصرّفات الطائفية من الحكومة ومن الجيش ومن القوات الأمنية والقتل في كركوك والحويجة والرمادية، كان أمراً مرفوضاً، وفق الدستور، الذي يحوي مادة ترفض استخدام القوات العسكرية لفض الخلافات السياسية، لذلك كنت معارضاً هذه التصرفات".

المزيد من حوارات