جونسون يؤجج خوف الطبقة المتوسطة لفرض أجندة "حفظ نظام" عنصرية

الوعد الذي قطعه رئيس الوزراء على نفسه بـ "البطش بالجريمة" هو مجرد شيفرة لمراقبة مجتمعات السود من أبناء الطبقة العاملة وتجريمها

َصورة أرشيفية لرئيس الوزراء بوريس جونسون مع تيريزا ماي إلى جانب الرئيس الأميركي خلال اجتماعات دول مجموعة السبع في 2018 (رويترز)  

نحن نعيش في أوقات رهيبة، حسبما تقول الحكومة الحالية. وفي الحقيقة، وكي نكون منصفين، ليس هذا الادعاء غير صحيح بالمطلق. فالسياسة البريطانية تصبح كل يوم مستعصية على الفهم أكثر من اليوم الذي سبقه، فاستحالة اتخاذ إجراءات الطوارئ المتعلقة بالتغير المناخي تلقي بظلالها على مستقبل هش وغامض سلفاً؛ والمهاجرون يموتون بأعداد كبيرة على أيدي قادة العالم؛ كذلك يبدو وكأننا نتجه إلى الوقوع في أتون ركود اقتصادي عالمي وشيك مع كل خطوة رجعية يقوم بها السياسيون المستبدون. وبالطبع فإن الإعلان عن سياسات من شأنها أن تبثّ الفرقة إضافة إلى مناورات سياسية أخرى حول بريكست، يذكران المرء على نحو يدعو إلى التجهم بأن بوريس جونسون هو رئيس الحكومة الحالي.

لكن لاشيء يُخيف الناخبين الذين يسعى حزب المحافظين إلى كسبهم، كخطر أولئك الملثمين الجريئين مجهولي الهوية، الذين يمثلون تهديداً محتملاً، ولم تُفوّت هذه الحكومة منذ تشكيلها أخيراً أي فرصة لجعلهم عدو الشعب الأول. فبالنسبة إلى أولئك الناخبين، يعتبر هؤلاء الشباب، أو دعنا نستعير الاسم الذي أطلقته عليهم هيلاري كلينتون، وهو"المفترسين الخارقين"، السبب الحقيقي وراء ضياع البلاد.

وهؤلاء الناخبين هم بالضبط الناس الذين حاول جونسون استمالتهم عن طريق تعهده  "بالبطش بالجريمة"، وبتوفير مرافق جديدة لاستيعاب 10 آلاف سجين، وتوسيع صلاحيات الإيقاف والتفتيش في الشوارع. وهذا يحصل مع أن المسؤول عن تحقيق هذه الوعود، مشغول حاليا بتمزيق نسيج الديمقراطية بإصرار شديد، من خلال انتهاج مسار قاسٍ لتنفيذ بريكست من دون اتفاق. ففي مقال له نشرته صحيفة "ميل أون صنداي" عبّر رئيس الوزراء البريطاني عن رغبته في "قلب توازن الخوف. أنا أريد للمجرمين أن يخافوا، وليس الجمهور".  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونظرا للعدد الكبير من السود الذين استهدفتهم الشرطة، بشكل لا يتناسب مع عدد أصحاب البشرة السوداء الكلي، من خلال الإيقاف والتفتيش في الشوارع، فإنه ليس واضحا تماما مَن هو "الجمهور" الذي يعنيه رئيس الحكومة حقا. الواضح هو ان الحكومة تأخذ خوف جماعة معينة على محمل الجدّ مولية إياه اهتماماً أكبر مما تخصصه لخوف جماعات أخرى.

أفادت صحيفة " اندبندنت" العام الماضي، أن احتمال تعرُّض السود في إنجلترا وويلز للتفتيش يزيد بتسع مرات عن احتمال تعرض أصحاب البشرة البيضاء له، وقبلها بأشهر قليلة اتضح أن عدد الوفيات بين صفوف السود في مخافر الشرطة وصل العام الماضي أعلى مستوى له في عشر سنوات متعاقبة، و كان الكثير من المساجين من ذوي البشرة السوداء يعانون من "مشاكل صحية عقلية"، حسبما ذكر "المكتب المستقل لسلوك الشرطة". وتفاقمت هذه الإساءات، وهي بالحرف الواحد، قضايا حياة أو موت، على يد المحافظين الذين يعِدون الآن بمزيد من التشدد. فكأن الأشخاص المتضررين بهذه الممارسات الجائرة لا يستحقون الاستماع إليهم . 

من المفترض أن يكون"البلطجية" مجهولي الهوية الذين يشير جونسون إليهم في مقاله، هم القضية الحقيقية التي تتطلب المعالجة. إذ أنهم "متغطرسون"، وعلى ما يبدو، يجوبون الشوارع بالعشرات، وهم متهورون ومغرورون، يسيطرون على مدن بأكملها، ويشوهون الملكية العامة بالغرافيتي. كما يلوثون الهواء بموسيقاهم الصاخبة العنيفة، ويطعنون عشوائيا أشخاصا مدنيين ورجال شرطة متى شاؤوا، بينما يخشى البريطانيون البيض، الضعفاء، من أبناء الطبقة الوسطى، مغادرة مساكنهم التي يشعرون فيها بأمان نسبي.

بالنسبة إلى أولئك "المحترمين" الذين يرفض معظمهم فكرة أن يكون رئيس الحكومة مسلماً، وهم الذين لا يبالون بالضرر الكبير الذي سيلحق بالاقتصاد البريطاني" جرّاء الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، فإن الطريقة الوحيدة للتعامل مع انتشار النشاط الإجرامي في المدن هي استخدام أقسى الإجراءات وأكثرها تطرفاً. هكذا يبدو أن لاحاجة لأخذ الأدلة، التي تثبت أن القيام بذلك لن يؤثر أبداً على الجهود الرامية إلى الحدّ من العنف، في الاعتبار. كما يمكن أيضاً التغاضي عن سلامة الشباب العالقين في ذلك العنف، الذين لن يستفيد أكثرهم  من أن يكونوا مستهدَفين من جانب الدولة، إضافة إلى التهديدات التي تنتظرهم في الشوارع. 

انشغال رئيس الحكومة بالخوف، يُشبه استغراق بريتي باتيل، وزيرة الداخلية به أيضاً، إذ قالت "بصراحة، بوجود عناصر شرطة أكثر هناك وحضور أكبرللشرطة، أريد أن يشعر المجرمون، بالخوف بكل معنى الكلمة من فكرة ارتكاب مخالفات". وما رددّته الوزيرة  شيّق، إذا أخذنا بالاعتبار استخفاف جونسون من "وكلاء مشروع الخوف" خلال حملة الاستفتاء على الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2016.

ويبدو أنه حين يتعلق الأمر بكسب الأصوات، تصبح المخاوف الوحيدة ذات الأهمية هي تلك التي تستند إلى الفبركة والتحريض بواسطة لغة مشفرة عنصرياً وإثنياً. أما السجناء الذين يواجهون ظروفا تزداد سوءاً، ابتداء من ازدحام الزنزانات، وارتفاع نسبة أولئك الذي يلحقون الأذى بأنفسهم، وعدم تلقيهم أي دعم بعدما يتركون نظام العدالة الجنائي، فهم ليسوا بحاجة إلى احترام مخاوفهم، حتى ولو أدت استشارتهم حول معالجة المشاكل في السجن إلى إحداث تحسينات في أوضاعهم مثلما أظهر "صندوق إصلاح السجون" أن ذلك ممكناً.  

إن الفكرة القائلة أن الأحكام لفترات طويلة، كما ذكر جونسون، لم تكن سلفاً متزايدة بإضطراد، هي فكرة زائفة، شأنها شأن كل الاقتراحات المطروحة خلال الأيام القليلة الأخيرة، من توظيف 20 ألف شرطي إضافي إلى رصد 85 مليون جنيه إسترليني لـ "دائرة الادعاء الملكية" بغرض معالجة معدل الجرائم،  فكل هذه الإجراءات ستؤدي إلى زيادة عدد الجرائم لا تخفيضه.

شهدت عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة الذكرى الثامنة لنهاية حوادث الشغب التي شهدتها لندن. وينبغي ألا يُستهان بتحذير دايان أبوت وزيرة الداخلية في حكومة الظل العمالية من إمكانية تكرار تلك الحوادث، في ضوء الخطوات التي أعلنها جونسون، فأبوت صائبة في قراءة التطورات.

مع ذلك، فإن خشبة المسرح قد نُصبت الآن من أجل حرب على أولئك الذين دمرت الجريمة حياتهم، وهي مخيفة لبعضنا، فرئيس حكومتنا ووزراؤه المازوخيين الذين يحبون إلحاق الأذى بأنفسهم، قد شرعوا للتو بتنفيذ المهمة.

© The Independent

المزيد من آراء