تعرف على أبرز الميليشيات "النسوية" في تاريخ المنطقة

أسس الحوثيون فرقة "الزينبيات" التي تعد ذراعهم النسوي ضد مخالفيهم

"زينبيات الحوثي" أبرز من عملن في العمليات المتطرفة (رويترز)

قضت العادة بأن يُختزل نشاط المرأة الحركي ضمن تنظيمات يسارية حقوقية، غالباً ما تكون مرتبطة بصراع المرأة الأزلي في انتزاع حق المساواة مع الرجل في كل التجارب على مستوى العالم. ولم تكن المنطقة العربية بمنأى عن هذا الاختزال لارتباط قضية المرأة في الشرق الأوسط والمنطقة العربية بالقضية العالمية التي تتشارك معها في المعاناة مع اختلاف مستواها، وتتأثر بالحركة النسوية التحررية التي تملك القدرة على اختراق أي مجتمع لعدالة قضيتها، وتشابه مشاكلها التي تسعى لحلها في اختلاف المجتمعات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أن طبيعة المنطقة الغارقة في التدين منذ قرون خلقَ حراكاً نسوياً مختلفاً مرتبطا بالجانب العقائدي قبل أن تصله الأفكار الليبرالية، إذ انخرطت المرأة في كثير من النزاعات بحكم الأمر الواقع في الصراعات بشكلها المسلح عندما أصبح استهداف المرأة في مناطق النزاع هدفاً مشروعاً، كنموذج "كتيبة حماية نساء بين نهرين" الكردية التي خلقها التهديد الوجودي الذي تعرضت له المرأة الكردية من داعش في العراق وسوريا بشكل مقصود واللواتي لعبن دوراً رئيسياً في قوات الحماية الكردية وهزيمة داعش، الأمر ذاته دفع الجيش السوري الحر لتأسيس "أمناء عائشة" بعد الاستهداف المتكرر لهن من النظام.

إلا أنا ما ننوي استعراضه هو الدور الذي لم يرتبط بدوافع كهذه على الأقل بشكله المباشر، وإنما لأهداف تنظيمية تخدم الأهداف الحركية للميليشيات المتطرفة.

تنظيم الأخوات المسلمات

ظل حراك تنظيم الإخوان المسلمين في مصر سرياً في كثير من ممارساته، وطغت هذه السرية على الدور الفاعل الذي لعبته المرأة في التنظيم خصوصا فيما يتعلق بطرق التجنيد والأدوار التي تلعبها، إذ اقتصر دورهن في البداية على الجانب الدعوي وجمع التبرعات حتى حصل الصدام الأهم بين الإخوان المسلمين والسلطة المصرية في 1954 التي شكلت مرحلة انتقالية في نشاط الجماعة في مصر.

فحسبما ذكرت فاطمة عبدالهادي في كتابها "رحلتي مع الأخوات المسلمات"، التي كانت إحدى مؤسسي التنظيم النسوي للإخوان، "فإن توتر 1954 وموجة الاعتقالات كانت سبباً في تغير شكل الجماعة بعد الضغط الذي تعرضت لهن الأخوات لارتباطهن بالتنظيم النسوي أو لارتباطهن بأحد أعضاء الجماعة المعتقلين، ما حوّلها إلى حركة أيديولوجية غارقة في السياسة وصراعاتها".

على الرغم من ذلك ظلت طرق التجنيد للسيدات غامضة إلى حد كبير، إذ شكلت زوجات وقريبات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين لب التنظيم النسوي، إلى أن بدأت الجماعة النسوية توسع مجال نشاطها الاجتماعي إلى مجالات الرعاية الاجتماعية كرعاية الفتيات اليتيمات اللواتي كن الهدف الرئيسي لمشروع التنشئة السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين، ما يوسع نطاق دائرة الأمهات والزوجات اللواتي يحملن النفس الأيديولوجي المتطرف.

أخوات الباسيج

تعرف قوات الباسيج الإيرانية بأنها القوة الشعبية التابعة للحرس الثوري الإيراني، وهي اختصار لـ"قوات التعبئة للفقراء والمستضعفين" التي تم تأسيسها فور إسقاط الشاه واعتلاء آية الله الخميني للسلطة في طهران عام 1979 بغرض حماية الثورة كقوة شعبية مرتبطة بقائد الثورة الأعلى في ذلك الوقت. إلا أن الأمر تغير مع مرور الوقت إذ لعبت هذه القوة دوراً في قمع الحركات الاحتجاجية التي خرجت رافضةً للطريقة التي سارت بها الأمور بعد الثورة، إلى المشاركة في المعارك خارج إيران سواءً في العراق أو سوريا، وهي الخطوة التي لم تأخذها المرأة المنتظمة في أخوات الباسيج، إذ لم تتجاوز أدوار الجناح النسوي للباسيج في المهام الخارجية أدوار التمريض والطبخ في الحرب الإيرانية-العراقية بالتحديد.

إلا أن نشاطها الرئيسي كان داخلياً في قمع الأنشطة النسائية التي ترافق الحركات الاحتجاجية داخل إيران، من اعتداء واعتقال وفض اعتصامات والاحتساب في بعض الأحيان على المظهر العام للمرأة وفقاً للقوانين الدينية التي تحكم الجمهورية الثيوقراطية.

كتيبة الخنساء

كما دشن داعش أسلوباً جديداً في الإرهاب وطرقاً مبتكرة في الإعدام، اجتهد التنظيم الأكثر تطرفاً في إعادة توظيف المرأة في العملية المسلحة في التنظيمات المتطرفة، إذ ظلت الحساسية الدينية من دور المرأة في الفضاء العام تحد نشاط المرأة مثل هذه التنظيمات، إلا أن داعش نجح في توظيف المرأة كعنصر مقاتل في جبهات الحرب.

فبالإضافة إلى الدور الأمنية وأدوار الحسبة المختلفة التي كانت تلعبها كتيبة الخنساء في أراضي سيطرة التنظيم في الرقة، إلا أن القيود الاجتماعية والدينية التي سبق ذكرها ظلت تقيد التنظيم وإن انفك منها جزئياً، إذ لم ترو الشهادات التي احتكت بكتيبة الخنساء إلا القليل عن أدوارها العسكرية، وظلت أبرز الشهادات التي نشرت في تقارير غربية تتحدث عن وحشيتهن في تعذيب النساء ومعاقبتهن ودورهن في عملية الرق والسبي التي أعاد التنظيم إحيائها.

الزينبيات

لا يعرف تاريخ محدد لتأسيس "ميليشيا الزينبيات" في اليمن الجناح النسوي لميليشيات الحوثي المدعومة من إيران، إلا أن بعض التقارير تشير إلى سبتمبر (أيلول) 2014 قبل أيام قليلة من سقوط صنعاء بيد قوات الحوثي وصالح في حينها، إذ تشير التقارير إلى أن التأسيس بدأ في صعدة قبل أن يلحق التنظيم النسوي التابع للتنظيم الأصل إلى صنعاء للعب الأدوار المعتادة من التنظيمات النسوية المتطرفة إذ سجلت "الزينبيات" حضورها الأبرز في فض الوقفة الاحتجاجية الكبيرة التي شهدتها صنعاء في 2017 من قبل أمهات وزوجات المعتقلين في سجون الحوثي، ونشر التنظيم صوراً ومقاطع لعمليات التدريب على الأسلحة النارية التي خضعت لها "الزينبيات"، اللواتي يساهمن في مهام اقتحام المنازل بشكل كبير لما للمنازل من حساسية كبيرة في مجتمع تقليدي كالمجتمع اليمني.

وتحصل "الزينبيات" على اسمهن من اسم زينب بنت الرسول محمد من زوجته خديجة، ويعتبر هذا الاسم شائع التداول كمسمى حركي لدى التنظيمات المتطرفة الشيعية، إذ لم تكن زينبيات الحوثي أول من حملن هذا الاسم، إلا أنهم كانوا أبرز من وظفهن في العمليات المتطرفة.

تبرير توظيف النساء 

تختلف المبررات حول توظيف النساء في العمل المتطرف من ما إذا كان الجماعة المتطرفة تمثل السلطة أو تمثل المعارضة، إذ يتم تبلغ أهمية النساء الحركيات بالنسبة للسلطة المتطرفة كما هو الحال في إيران أو مع تنظيم الحوثي الذي يحكم صنعاء وما جوارها الذين يقومون بتوظيفهن في عمليات قمع الحركات الاحتجاجية.

ويختلف الأمر عندما لا تتجاوز الميليشيا كونها ميليشيا، وتلعب دور المعارضة كما هو الحال مع الإخوان المسلمين، إذ يصعب في المجتمعات الشرقية التقليدية التعامل مع المرأة من قبل الجهات الأمنية بنفس درجة التعامل مع الرجل كما يقول خالد العضاض، الخبير في الجماعات المتطرفة، في حديثه لـ"إندبندنت عربية"، إذ قال "فعالية المرأة في الجماعات المتطرفة تتجاوز فاعلية الرجل في كثير من الأحيان، إذ إن قدرتها على التهرب بسهولة من كافة إجراءات التفتيش والكشف الأمني ترفع فرص نجاح العملية الإرهابية لمستوى لا يجيده الرجل، بالإضافة إلى الحصانة الاجتماعية التي تملكها المرأة وتحد من قدرة التعامل معها" ما يحول العملية الأمنية إلى دعاية مضادة للسلطة تحت مسمى "الاعتداء على الحرائر" وهو ما يجعل قدرتها على الصمود في وجه السلطة أعلى من الرجل.

المرأة المتطرفة "تابعة" في تطرفها

على عكس الحركات النسوية المعتادة التي تطالب باستقلال المرأة وانعتاقها مع السيطرة الذكورية، تقدم الجماعات المتطرفة شكلاً بشعاً من أشكال الاستغلال الذكوري، إذ لم يسبق أن نجحت المرأة في ظل هذه المناخات المتدينة من تأسيس جماعة مستقلة بذاتها، ويفسر العضاض ذلك بأن الجماعات المتطرفة وإن تعاملت مع المرأة فهي لا تتجاوز مواقفها المسبقة عنها "نظرا لطبيعة التعامل مع المرأة في منظومة الثقافة الإسلامية والعربية، ونظرتها أيضاً لنفسها وفقًا لهذه المنظومة، فإنه من المستحيل بمكان استقلال النساء بميليشيات نسوية صرفة"، إذ تفرض القيود الدينية سلطتها على المرأة التي تعيش تحت سيطرة هذه التنظيمات، ولا يسمح لها بالمشاركة في الفضاءات العامة إلا فيما يتعلق بخدمة التنظيم.