"حابي" بطل طالب الرفاعي يعيش ازمة وجوده بوجهين

رواية كويتية عن انقسام الهوية بين الذكورة والانوثة

الكاتب الكويتي طالب الرفاعي (يوتيوب)

بين الأسطورة الفرعونية عن إله فيضان النيل حابي، الذي له هيئة إنسان بجسد أنثوي وذكوري؛ وبين الحقائق العلمية عن تشوه في الجينات، تنفتح رواية "حابي" للكاتب الكويتي طالب الرفاعي (دار ذات السلاسل2019) على عبارة تحذيرية صادمة: "لا تصيري ولداً"؛ يمكن رؤية هذه الجملة المفتاح المحوري لقراءة هذه الرواية، كما يمكن اعتبار هذه الرواية أنها عن الجسد ومن أجله، الجسد في انشطار هويته وتشظيه بين الأنوثة والذكورة.

يمضي سؤال الهوية الجنسانية في هذا النص ليظل مفتوحاً على تأويلات ومراوحات نفسية واجتماعية عدة مؤلمة وكاشفة، لا يمكن حسمها أو الانتهاء منها. فالمقطع الأول الافتتاحي في السرد يُختتم مع عبارة تقولها شقيقة البطل-البطلة: "والله سأقتلك"؛ ولأن الحياة ككل تقوم على ثنائيات تصنف بين مذكر ومؤنث، بحيث ينضوي الجسد البشري أيضاً تحت هذا التصنيف. فقد قدمت الأديان والفلسفات قديمها وحديثها، رؤيتها للكون ضمن جوهر العالم الأنثوي، والعالم الذكوري. لكن سيرورة الواقع لا تمضي في هذا النظام الدقيق، إذ ثمة نمط آخر، طريق مغاير، حيث عبارة: "لكل قاعدة شواذ" تبدو صحيحة تماماً.

يمثل الجسد بالنسبة إلى الإنسان وجوده ككل، مع موت الجسد ينتهي كيانه البشري الفاعل والمؤثر في الحياة، الجسد له السلطة الرئيسة التي تدير حياة الإنسان، إنه الموطن والسكن، وبه يتمكن من التعبير عن نفسه والتواصل مع الآخر، لذا تبدو العلاقة مع الجسد علاقة إشكالية بسبب الحاجة الحتمية للتوافق مع هذا الجسد. لكن ماذا لو لم يكن هناك وفاق؟ ماذا لو أحسّ الإنسان باغتراب عن جسده، وأن هذا الجسد لا يُعبر عن هويته الحقيقية!

ازمة الهوية

يضع الكاتب أزمة الهوية الجسدية منذ المشهد الأول، بين رغبة البطلة بالتحول إلى ولد، وبين التهديد بقتلها، هذا القتل الذي سيتخذ أكثر من وسيلة على مدار النص نفسية واجتماعية وجسدية. الصوت السارد في النص "ريان" وقد وفق الكاتب في اختيار اسم لبطلته التي ستمضي في رحلة غير اعتيادية بحثاً عن ذاتها الحقيقية الأعمق، حيث يتراوح السرد بين الماضي واللحظة الآنية وينقسم إلى فصلين، الأول "حا" والثاني "بي" في إشارة إلى انقسام الذات، مع تمييز الكاتب الزمن الآني بخط أسود ثقيل، بينما الماضي بالخط الأسود العادي. تبدأ البطلة باستعادة ذكرياتها في المستشفى في بانكوك، قبل دخولها إلى العملية الجراحية التي ستضعها على أول الدرب لهويتها الحقيقية، فمشكلتها التي تم وصفها بأنها "عيب خلقي" لا دخل لها به، يُمكن اعتبارها طريق الشفاء التي كان مقدراً لها المضي بها حتى النهاية. تبدأ معاناة ريان منذ سن السادسة عشرة مع إدراكه أن له جسداً أنثوياً في الظاهر، وآخر ذكورياً يتحرك تحت جلده.

يبدو الرسم النفسي للبطل- ة ريان موسوماً برهافة شديدة منذ الصفحات الأولى؛ يتخذ الفن في حياة ريان وجوهاً متعددة، حب الموسيقى، الكتابة، القراءة، الركون للصمت وما فيه من لحظات تأمل، لنقرأ: أنا صادق في حبي للقراءة وسأثبت عليها... حينها لم يدر بخلدي أنني سأتشبث بهذه المقولة أطالعها وتطالعني طوال درب تحولي. عشقت مسرحيات شكسبير، وتوسدت أشعار جبران حيثما ذهبت، ولا أدري لماذا نفرت من قصائد نزار قباني وتغزله بالمرأة"

اختار الكاتب سرد جزء كبير من الفصل الثاني "بي" من على متن الطائرة التي تنقل ريان مع صديقتها جوى إلى لندن ومنها إلى أميركا؛ هذا السرد الذي جاء من اللامكان في جوف الطائرة بدا مرتبطاً بالحالة السردية النفسية للبطل-ة، على الرغم من أن الأماكن المذكورة في الرواية تتنوع بين الكويت، والمستشفى في بانكوك، ورحلة الطائرة، لكن لا يبدو عنصر المكان مؤثراً في هذا النص بسبب طغيان الصراع النفسي، فالأماكن الخارجية في تحركات الأبطال بدت محدودة.

وتطرح الرواية بشكل مباشر مدى تأثر البشر بالعلاقات الاجتماعية من حولهم، وقدرتها على التحكم بحياتهم، مثّلت العلاقة مع الأم بالنسبة إلى البطلة جوهراً أساسياً، العالم في حياة ريان انقسم إلى قسمين، من يقف معها: الأم وصديقتها الأميركية جوى، ثم الأب والعائلة على الضفة الأخرى، فيما عدا أختيها مريم وعائشة إذ حملتا لها شيئاً من التعاطف. عبّر الأب عن السلطة الأبوية الرافضة لما يقوله العلم والمنطق، اضطر مكرهاً إلى توقيع الأوراق للموافقة على إجراء عملية التحول، لكن في داخله يعتبر أنه يعيش في زمن ملعون وأن هناك مسخاً في بيته، يقول لريان: " تريدين أن تكوني ولداً يا كلبة"، ويتمادى في كل مواقفه في الإهانة والتهديد بالنبذ والحرمان من الإرث. في المقابل تقدم الأم حباً غير مشروط، على الرغم ممّا تواجهه من صراع مع الأب والمجتمع والأسرة إلا أنها تمضي في الانتصار لابنتها ولما تراه صواباً، متحدية الجميع قائلة: "ابنتك جينياً ولد".

بين المذكر والمؤنث

عمد الكاتب في الفصل الأول إلى المراوحة في السرد بين صيغة المذكر والمؤنث، ثم التدرج في الفصل الثاني إلى طغيان صيغة المذكر مع بداية صوغ للهوية الجديدة بالنسبة إلى ريان، وطلب الأطباء منه البدء في عيش حياته وممارستها كفتى، ومن هنا تبدأ رحلة نفسية شاقة في التحول، لأن الانتقال من عالم إلى آخر لا يشمل فقط تحولات العمليات الجراحية على الجسد، بل عمليات نفسية قاسية وبشكل حاد ومؤلم للغاية، لنقرأ: " كيف يُمكن فتاة عاشت خمسة عشر عاماً من عمرها أن تنتقل وتهضم تحولها إلى ولد… يصعب عليّ تصوّر كيف عليّ أن أتغيّر مع أخواتي وكيف أطلب منهنّ أن يتغيرنَ معي… كيف لهنّ تقبلي كأخ؟" هكذا يكون على ريان أن تمسح كامل شريط عمرها وتسترشد بأحاسيس استباحت روحها وجسدها ورافقتها منذ الطفولة، فالتحوّل كما يبدو صدام اجتماعي مدوٍ مع العائلة والمدرسة والمجتمع والأصدقاء والمعارف.

مع اختيار البطل الانتقال مع جوى إلى أميركا فراراً من عالمه الضيق ومعاناته في الكويت، يكشف الكاتب أيضاً عن الهوة العلمية والفكرية والاجتماعية بين الشرق والغرب، هذا يتماشى أيضاً مع كون شخصية جوى الفتاة المنحدرة من أم أميركية وأب كويتي، أن تكون هي وحدها الصديقة المخلصة لريان التي تستوعب وتتفهم معاناته منذ البداية، في مجتمع لا يقبل الاختلاف، أو الخروج عن النمط السائد.

يمكن القول إن طالب الرفاعي من خلال "حابي" يعمد إلى إماطة اللثام عن قضية شائكة ومعقدة في مجتمعاتنا العربية، التي لا تزال حبيسة صراعات الذكورة والأنوثة ضمن معظم الفئات الاجتماعية والعلمية، لكن هذا العمل الإبداعي يقف بعيداً من الصراعات الرائجة ليقترب من ذات إنسانية معذبة ومستنزفة في علاقتها مع جسدها، وفي مواجهتها حرباً شعواء لتدافع عن هذا الجسد المتحوّل؛ يطرح الكاتب معاناتها، أزمتها، تساؤلاتها الوجودية المشروعة.

في النهاية يصل البطل إلى قناعة بأن قدره أن يكون "حابي"، وهذا لا يبدو قدره هو فقط، بل بشكل أو آخر قدر كل إنسان بدت حياته مرهونة لوجود وجهين فيها: أنثوي وذكوري. يقول: "أنا ولد، أشعر كأن طعماً مراً بفمي قدري أن أبقى حابي".

المزيد من ثقافة