Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اتفاق لبنان و"النقد الدولي" في "الثلاجة" بانتظار الرئيس

"بيروت لم تقم بالإصلاحات المطلوبة ما سيؤثر على الاقتصاد لسنوات مقبلة"

يعيش الاقتصاد اللبناني مرحلة من الانكماش في انتظار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي (اندبندنت عربية)

أتت زيارة وفد صندوق النقد الدولي إلى لبنان في إطار الزيارات الدورية التي يقوم بها إلى شركائه المفترضين كل ستة أشهر، وخلال النصف الأول من سبتمبر (أيلول) ناقش الوفد برئاسة إرنستو راميريز ريغو الخطوات التي قام بها مجلس النواب والحكومة التي تعتبر ضرورية لتوقيع الاتفاق النهائي، ولم يلمس الوفد أي تغيير جوهري على مستوى الإصلاحات بين زيارته السابقة، في مارس (آذار) الماضي وسبتمبر الجاري، كما لاحظ "الافتقار إلى الإرادة السياسية التي تجعل لبنان في مواجهة قطاع مصرفي ضعيف، وخدمات عامة غير كافية، وتدهور في البنية التحتية، وتفاقم ظواهر الفقر والبطالة، واتساع في فجوة المداخيل"، وبحسب البيان الذي أعقب زيارة ريغو إلى بيروت فقد "زادت التدفقات المالية بالعملات الأجنبية خلال فصل الصيف بسبب ارتفاع السياحة"، مستدركاً "إلا أن إيرادات السياحة والتحويلات المالية أقل بكثير من المطلوب لتعويض العجز التجاري الكبير ونقص التمويل الخارجي".

في المقابل، رحب الوفد بالخطوات التي اتخذتها القيادة الجديدة لمصرف لبنان لجهة التخلص التدريجي من منصة "صيرفة"، وإنشاء منصة تداول جديدة للعملات الأجنبية، ووقف السحب من احتياطي العملات الأجنبية، والحد من التمويل النقدي، وتعزيز الشفافية المالية، داعياً إلى توحيد سعر الصرف، كما عبر عن ضرورة إقرار قانون "الكابيتال كونترول"، وإجراءات الحد من العجز، وتحديد الخسائر في القطاع المالي، والمضي في إعادة هيكلة المصارف، وكذلك "حاجة الحكومة إلى تنفيذ استراتيجية مالية متماسكة، تمنحها القدرة على تحمل الديون، وإفساح المجال أمام الإنفاق الاجتماعي، والإنفاق على البنية التحتية".

ولفت وفد صندوق النقد الدولي إلى عدم إقرار موازنة 2023، وضرورة تناسب موازنة 2024 مع عملية توحيد سعر الصرف، وتأمين الموارد الكافية لإعادة بناء الإدارة الضريبية، ونبّه إلى التأخير في وضع خطة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، و"أدى هذا التقاعس إلى انخفاض كبير في الودائع القابلة للاسترداد"، و"عدم إقرار المجلس النيابي للتعديلات على قانون السرية المصرفية، وقانون الكابيتال كونترول".

الاتفاق مؤجل

وتزداد القناعة لدى المتابعين للمفاوضات بين صندوق النقد الدولي ولبنان بأن الاتفاق ما زال بعيداً، إما لعدم رغبة في إقرار الإصلاحات، أو لعجز السلطة القائمة عن القيام بها في غياب رئيس جمهورية وحكومة فاعلة. واعتبر وزير المالية يوسف خليل أن "ما صدر عن صندوق النقد الدولي يعدّ توصيفاً دقيقاً للواقع المالي والنقدي والاقتصادي، ويتطابق مع رؤية وزارة المالية، وينسجم مع ما بدأته من خطوات تصحيحية"، وأشار خليل إلى أن "ما ورد لجهة استكمال الإصلاحات يؤكد وجهة النظر القائلة أن ما قامت به الوزارة يجب أن يُستكمل بتشريعات لخطوات إصلاحية بنيوية عاجلة، ما زال الوضع السياسي المأزوم يحول دون تنفيذها".

وكان نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي أكثر وضوحاً، وهو المكلف بمتابعة التفاوض مع الصندوق، إذ أشار، في تصريح صحافي، إلى أن "الاتفاق على صعيد الموظفين مع صندوق النقد الدولي والذي توصل إليه لبنان في أبريل (نيسان) 2022، ما زال قائماً، والصندوق ينتظر أن نقوم بكل الإجراءات المسبقة حتى نصل إلى الاتفاق النهائي، فإذا قمنا اليوم بإقرار كل الإصلاحات المطلوبة، فلا شيء يمنع من الوصول إلى هذا الاتفاق، ولكن بعد إدخال بعض التعديلات التي فرضها التأخير الحاصل". وأضاف "من البديهي والمفروض أن يأخذ أي اتفاق مع الصندوق خصوصية البلد ووضعه الراهن بالاعتبار، وقد حرصنا على ذلك خلال المفاوضات، ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن تبني معايير خاصة ببلد ما غير متناسقة مع المعايير الدولية"، لافتاً إلى أن "الأصوات العالية النبرة التي صدرت خلال وجود بعثة الصندوق في لبنان قد تخفف من اندفاعة فريق الصندوق على المساعدة، ولكن لا يجب ولا يمكن للصندوق أن ينسحب من مساعدة أحد أعضائه، وهو يردد دائماً أنه على أتم الاستعداد لمساعدة لبنان، ولكن بالطبع، لن يكون اهتمام الصندوق بلبنان أكثر من اهتمام اللبنانيين ببلدهم". أما في ما يتعلق بالمسؤولية عن التأخير الحاصل من الجانب اللبناني، فأكد الشامي أن "الجميع مسؤولون، وإن بأشكال متفاوتة"، منبهاً إلى أن "الوقت داهم والاستمرار في الاعتماد على شراء الوقت وخطط الظل لن يؤدي إلى النتائج المرجوة".

الصندوق غير مرتاح

كشف النائب مارك ضو عمّا دار خلال اللقاءات بين النواب ووفد صندوق النقد الدولي وقال "كانت هناك إشارة واضحة إلى تقصير السلطات اللبنانية عن القيام بمسؤولياتهم في ما يتعلق بالقوانين، ويقع على عاتق البرلمان إقرار قانون توزيع الخسائر، والسرية المصرفية، والكابيتال كونترول، أما من جهة الحكومة فهي لم ترسل قانون إعادة هيكلة المصارف". وتطرّق ضو إلى النقاش حول مضمون القوانين التي أقرّ بعضها مجلس النواب واللجان المشتركة "يوجد نقص في قانون السرية المصرفية، ولا بدّ من تعديله ليشكل جزءاً من خطة صندوق النقد الدولي، كما أن هناك شبه استحالة لتنفيذ صيغة قانون الكابيتال الكونترول كما أقرتها اللجان المشتركة، لأنها غير عادلة بالنسبة للمواطنين، وتكرس حجز الأموال المحجوزة أصلاً، وتعطي حمايات لأصحاب المصارف في ما يتعلق بتلك الودائع، ويبقى موضوع توزيع الخسائر من المواضيع الأكثر دقة، ويدور نقاش كبير حول ما يجب تسديده في ظل الفوائد المتراكمة أو الفساد وتبييض الأموال، ومن ثم ما يمكن تسديده ضمن مستوى الـ 100 ألف دولار"، و"كذلك دراسة طرح الحكومة صندوق استعادة الودائع، وآليات تمويله في ظل عجز الدولة وإفلاسها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبر ضو أن "التأجيل في وضع خطة متكاملة سيؤدي إلى تحميل الخسائر للمودعين بعد سحب 40 مليار دولار من إجمالي الودائع عبر تعاميم مصرف لبنان (تعاميم مصرف لبنان رقم 151 و158) التي أدت إلى اقتطاع 85 في المئة من قيمة الوديعة في كثير من الأحيان، وكذلك إضعاف إمكانية استعادة الودائع".

نهاية المفاوضات؟

وتابع النائب ضو "لمسنا، خلال النقاشات، أن هناك صعوبة لتوقيع الاتفاق في ظل الوضع السياسي الراهن في لبنان"، مضيفاً "طرحنا السؤال: هل ما زال الاتفاق قائماً وممكناً، فجاءنا الرد: الاتفاق ما زال قائماً، ولا بدّ من انتظار انتخاب رئيس، وتشكيل حكومة جديدة لأن الطاقم الموجود غير قادر على إتمام الاتفاق مع صندوق النقد".

الإصلاحات مؤجلة

من جهته، أكد النائب في تكتل "الجمهورية القوية" رازي الحاج على الطابع التقني للنقاش مع وفد صندوق النقدي لأن "فريقه لا يتحدث في السياسة، وإنما يناقش مضامين الخطة، كما يعرض الأفكار الممكنة للمساعدة في وضع خطط ما"، و"هو يطالب بالوصول إلى مؤشرات اقتصادية تفتح الباب أمام التعافي، وإعادة هيكلة الدين العام، والتدقيق في حسابات المصارف ومصرف لبنان لمعرفة مدى الملاءة المالية وحجم الموازنات، تمهيداً لهيكلة المصارف"، موضحاً "عرض صندوق النقد موقفه لناحية ضرورة حل بعض المشكلات من أجل عودة النمو"، وكذلك التأكيد أن "ما تبقى من الودائع هو مجموع الاحتياط، وما تبقى من سيولة لدى المصارف، وهو ما لا يشكل مجموعه أكثر من 10 في المئة من إجمالي الودائع". وأشار الحاج إلى "موقف متفهم لدى صندوق النقد الدولي لناحية تأجيل التوقيع على الاتفاق النهائي إلى حين انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتعيين حكومة"، محذراً من "وضع لبنان على القائمة السوداء في حال استمرت العرقلة بعد تجديد السلطة". وشدد الحاج على المسؤولية التي يتحملها النواب لناحية إقرار الإصلاحات، قائلاً "نجحنا في فصل السياسة النقدية عن السياسة المالية، ومنع الحكومة من الاقتراض من مصرف لبنان، وإلزامها بإرسال قطع حساب قبل إقرار الموازنة". ولفت إلى أن تحديد مسؤوليات مختلف الأطراف، من الدولة والمصارف التجارية، وكذلك الودائع الواجب ردها والمعلومة المصدر، هو مدخل أساسي للحل والتعافي الاقتصادي، و"لا يمكن أن يكون الحل بإقرار قوانين لشطب الودائع أو إضاعة الوقت لمواصلة تذويبها".

إبراء الذمة شرط للإصلاح؟

وما زال الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بعيد المنال، وكذلك التعافي الاقتصادي، ويتخوف المحامي كريم ضاهر رئيس الجمعية اللبنانية لحماية المكلفين من "عدم وجود رغبة في الإصلاح لدى أهل السلطة في لبنان قبل إعفائهم من المسؤولية عن الانهيار، وبالتالي، لن يفرج المتحكمون بالقرار عن الإصلاحات إلا بعد الحصول على إبراء ذمة نهائي وشامل"، محذراً من "تكرار ما حصل في نهاية الحرب الأهلية حيث أدى الإبراء إلى الإفلات من العقاب، ومهّد لعودتهم إلى السلطة والإمساك مجدداً بزمام الأمور، والعيش في حلقة مفرغة لناحية العيش في أزمات كل فترة من الزمن". ويشير ضاهر إلى أن "الاتفاق المبدئي على مستوى الموظفين ما زال يرعى المفاوضات الجارية حالياً"، وما زالت المطالب نفسها لناحية القوانين الأربعة: التعديلات على السرية المصرفية بما يتيح التدقيق في الحسابات كافة لتصنيفها بين مشروعة والجديرة بالحماية وغير مشروعة "في إطار خطة لتسديد جزء من الودائع، وتحديداً تلك الصغيرة، وهو ما زال مرفوضاً من قسم كبير من الطبقة السياسية والمودعين الرافضين لفكرة شطب الودائع"، أما القانون الثاني، فهي قوانين الموازنة التي ما زالت بعيدة عن الطموحات، والقانون الثالث قانون هيكلة المصارف لحل مشكلة القطاع المتهالك الذي يذوّب الودائع تحت غطاء التمييز بين اللولار والدولار". وبحسب ضاهر "لا بدّ من خطة إعادة التوازن المالي للخروج من الأزمة والفجوة، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات وتحميل الخسائر"، أما القانون الرابع فهو "قانون الكابيتال كونترول الذي وصل بصيغته الهجينة وغير المرضية لصندوق النقد إلى البرلمان". وينوه ضاهر إلى مطالب ملحة تتصل بـ"إعادة هيكلة القطاع العام والقضاء على الاقتصاد النقدي الذي يتهدد بوضع لبنان على القائمة الرمادية على المستوى الدولي ووقف التعاملات المالية معه".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير