Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الترياق المسموم"... أدوية مجهولة المصدر في مصر

شهادات صادمة تكشف عن انتشارها بالسوق السوداء عبر وسطاء يستغلون نقص المواد الخام في غياب الرقابة

تحذيرات تتزايد للمصريين من شراء أدوية مجهولة المصدر في السوق السوداء (اندبندنت عربية)

في أحد الشوارع الجانبية بحي المهندسين الراقي (وسط الجيزة)، وقفت (ن ع) بصحبة زوجها تترقب بقلق وتوتر وصول "سمسار الدواء" الذي تواصلت معه عبر أحد الوسطاء المعنيين بسوق صناعة الدواء. كانت تأمل في أن يمدها بكمية من دواء "يوثيروكس" المخصص لمرضى الغدة الدرقية، تكفيها أشهراً عدة في ظل اختفائه من الصيدليات المصرية.

لكن الفتاة العشرينية وجدت نفسها مضطرة إلى الانتظار لمدة 50 دقيقة إضافية قبل أن تفقد الأمل تماماً في حضوره بعد أن أغلق هاتفه من دون أن يلتقيها. في هذا الوقت، قرر زوجها الذي كان يرافقها التواصل مع أحد معارفه من الصيادلة ليسأله عن وسيلة أخرى للحصول على هذا النوع من الدواء، والذي فتح له طريق التواصل مع ما سماه "تاجر شنطة".

"سأحاول تدبيره لك على أن يكون سعر العبوة 700 جنيه مصري (نحو 22 دولاراً أميركياً)"، هكذا أخبره مستقبل الاتصال، ليرد عليه الزوج بشكل سريع ومن دون أن يأخذ وقتاً للتفكير "أرجو منك توفير أكبر كمية يمكن الحصول عليها، ولن نختلف حول السعر". لتعود بارقة الأمل من جديد للسيدة (ن ع) التي كانت تتخوف من عدم تمكنها من توفير الدواء، مع اقتراب نفاد ما لديها منه، إذ تعاني "قصوراً مزمناً" في الغدة الدرقية.

وهذا المرض "منتشر" بين السيدات، وتكون فيه الغدة غير قادرة على إنتاج ما يكفي من بعض الهرمونات المهمة، مما قد يسبب عديداً من المشكلات الصحية، كزيادة الوزن والإرهاق وضعف العضلات مع آلام المفاصل، كذلك العقم وأمراض القلب، ولعلاج هذا الوضع يوصي الأطباء بتعويض النقص في الهرمونات وإعطاء المريض هرمونات الغدة في صورة أدوية، من أبرزها في السوق المصرية "التروكسين" و"يوثيروكس"، الذي لم يكن يتجاوز سعره الرسمي نحو 28 جنيهاً (أقل من دولار واحد بسعر الصرف الراهن).

لكن وعلى وقع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر من تعرض سعر صرف العملة الوطنية لانهيارات متتالية أمام الدولار الأميركي، فضلاً عن ارتفاع نسب التضخم، بدأت تتنامى ظاهرة "السوق السوداء"، وانتقلت تدريجاً من قطاع إلى آخر على مدى الأشهر الأخيرة، إلى أن وصلت قطاع الأدوية لا سيما تلك المعالجة لـ"الأمراض المزمنة"، بحسب تحقيق لـ"اندبندنت عربية"، تكشف خلاله عن "نقص في عديد من الأدوية المستوردة وتسعير عشوائي للأدوية في السوق السوداء"، فضلاً عن انتشار "أدوية مجهولة المصدر" مشكوك في فاعليتها وتأثيرها.

لكن السلطات الصحية المصرية تنفي هذا الأمر، مشيرة إلى وجود "عديد من البدائل" للأدوية الناقصة في السوق المحلية يمكن اللجوء إليها، قادرة على مواجهة نقص الأدوية المستوردة، وتتميز بالكفاءة والفاعلية ذاتها، فيما يقر آخرون بوجود أزمة سببها نقص العملة الأجنبية في البلاد وعمليات استيراد "المادة الفعالة لعديد من الأدوية".

ألم المرضى

في حديث نقص الأدوية تتفاقم معاناة المرضى وينطفئ نور المستقبل مع كل إجابة من صيدلية يترددون عليها، تكون فحواها "الدواء غير متوفر وهناك شح فيه بالأسواق".

في حالة منى لم تستوعب ما قاله لها أحد موظفي خدمة العملاء من أن عليها أن ترتدي "حفاضة" في ظل نقص دواء مضاد الإسهال "إيموديوم"، وعدم وجود بدائل تحمل المادة الفعالة نفسها، مقررة إنهاء المكالمة من وقع تلك الصدمة.

تعاني منى (الخمسينية) من تلف خلايا الأمعاء من جراء جلسات الكيماوي التي تخضع لها بأحد مستشفيات حي المهندسين، استعداداً لاستئصال ثديها. لم تكن تلك التجربة الأولى لمنى في صراعها مع مرض السرطان، فقد بدأت معاناتها مع الأورام قبل عامين باستئصال الرحم، ولم تفق من صدمتها حتى وجدت نفسها مضطرة إلى إزالة الغدة الدرقية مطلع العام الماضي.

تقول منى في حديثها معنا "أكثر شيء يؤلمني أنني مجبرة على ارتداء الحفاضات... إنه أمر مزعج للغاية فقد تخطيت الـ50"، معبرة عن الأثر النفسي الذي تركه بداخلها نقص الأدوية المضادة للإسهال، ثم تضيف "مهما كانت شدة الأزمة لا أعتقد أن توفير بدائل مناسبة مسألة مستحيلة"، مبدية انزعاجها بسبب ما تعانيه من مشقة حتى تصل إلى حصتها العلاجية، مما يجعلها تضطر في كثير من الأحيان إلى اللجوء للسوق السوداء.

"منصور ك"، يعاني هو الآخر أزمة مماثلة وإن اختلف المرض، فهو وابنته التي لم تتجاوز بعد الـ14 من عمرها، مصابان بمرض السكري، وبات الحصول على الجرعات المطلوبة "مهمة أسبوعية شاقة"، وفق توصيفه.

يقول منصور "أوصيت كل شخص من دائرة معارفي القديمة وحتى الجديدة بشراء الدواء حال وجدوه في محيط عملهم أو وجودهم"، موضحاً أنه من الممكن "أن تجد عبوة أنسولين أو عبوتين في صيدليات بأماكن وقرى نائية أو حتى محافظات بعيدة، وعليه أحاول توصية دائرة معارفي ومعارفهم لعل أحدهم يستطيع أن يحضر لي الدواء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق منصور، القاطن في قرية نائية بإحدى محافظات قناة السويس، "تتأزم إمكانية الحصول على الدواء يوماً بعد الآخر، كل التفكير ينصب حول إمكانية توفير أكبر قدر منه، وعليه حاولت التواصل مع من أعرفهم من أهل قريتي من المقيمين خارج البلاد ليرسل لي عبوات من الدواء مع من يعرفهم من القادمين إلى مصر في أقرب الآجال".

وبحسب إحصاءات رسمية يقدر إجمالي عدد المصابين بالسكرى في مصر بنحو 11 مليون شخص، وهو ما تم الوصول إليه عبر التأمين الصحي، وفقاً لتصريحات وزير الصحة والسكان خالد عبدالغفار في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022. وتعد حقن الأنسولين الدواء الوحيد لمرضى السكري من النوع الأول، أما مرضى السكري من النوع الثاني فيعتمدون على الحبوب أو الأقراص لضبط معدل السكر في الدم، وأبرزها "كاناجليفلوزين" و"جليميبرايد" و"برافستاتين" و"جليبرايد" و"ميتفورمين" و"ليراجلوتايد" و"بيوغليتازون" و"سيتاجليبتين".

من السكري إلى أمراض الهرمونات يقف "م ح" عاجزاً أمام حالة ابنته، تسيطر عليه الحيرة والخوف من المستقبل، فالابنة التي تبلغ من العمر 12 سنة، اضطر إلى إجراء عملية جراحية لها قبل أكثر من عام ونصف العام "لإزالة الرحم"، بعد أن أبلغه الأطباء بضرورة القيام بذلك، بسبب "خلل في هرمونات الطفلة".

"الحالة حرجة وعليك التصرف وشراء أي من تلك الأنواع من الأدوية من الخارج، كل الأدوية في السوق المصرية التي تتعاطى مع حالات كهذه لن تجدي نفعاً"، رسالة تكررت لأكثر من مرة على مسامع "م ح"، في محاولة "علاج خلل الهرمونات لدى ابنته"، موضحاً في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، "جربت عديداً من الأدوية الموجودة في السوق المصرية التي نصح بها أطباء خلال الفترة الماضية، لكنها لم تأت بنتيجة، وأخيراً أخبرني صراحة الطبيب الأخير الذي أتابع معه الحالة بأن الأدوية من هذا النوع الموجودة في مصر ليست ذات كفاءة أو تأثير فعال، وطالبني بضرورة اللجوء للخارج عبر أحد المعارف للحصول على أي من تلك الأنواع من الأدوية وهي (كاليمارا، أو ألورا، أو ميني فيل)". وهي أنواع من "لاصقات" لتصحيح هرمون الأنوثة (الأستروجين).

وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي نفت الحكومة المصرية انتشار أدوية مغشوشة وغير مطابقة للمواصفات القياسية بالصيدليات، موضحة أن "جميع الأدوية المسجلة بهيئة الدواء المصرية، التي يتم تداولها في الأسواق آمنة وفعالة وذات جودة عالية، ومطابقة لجميع معايير ومتطلبات التصنيع وفقاً لإرشادات منظمة الصحة العالمية، وتخضع جميعها لعمليات فحص ورقابة دورية أثناء مراحل الإنتاج والتوزيع والعرض المختلفة".

إلا أنه في المقابل، وبحسب بيشوي قيصر، الذي يدير إحدى الصيدليات بمنطقة الزاوية الحمراء (وسط القاهرة)، فإن السوق المصرية تعاني نقصاً في بعض الأدوية، موضحاً "على سبيل المثال بدائل أدوية الغدة حتى محلية الصنع منها لا تغطي السوق المصرية، كما لا يستجاب لمطالبنا بزيادة حصتنا من تلك الأصناف".

 

 

ووفق قيصر فإن عملية الحصول على تلك الأصناف تدار بـ"الكوتة"، إذ لا يسمح لنا إلا بكميات قليلة، لا يمكنها أن تسد حاجات المرضى، موضحاً أنه "عندما طلبت 50 علبة من الدواء (الغدة) حصلت على ست فقط".

ويرجع بيشوي قيصر أسباب نقص بعض الأدوية إلى أن "تسعيرتها غير عادلة"، لذلك تتجه بعض الشركات إلى تصنيعها وتصريفها في "السوق السوداء"، مطالباً وزارة الصحة بتشديد الرقابة على سوق الدواء لأنها "في بعض الأحيان تخرج الأدوية بطرق غير شرعية من وإلى أماكن محددة، حتى تباع بأسعار مضاعفة، مثلما يحدث مع حقن تنشيط التبويض للنساء اللاتي لديهن مشكلات في الحمل، إذ تذهب تلك الحقن مباشرة إلى مراكز الحقن المجهري، وعندما نطلبها كصيادلة من الشركات لا يتم توفيرها لنا"، على حد وصفه.

بين نارين

أمام حالة النفي التي يصر عليها المسؤولون بوزارة الصحة المصرية حول "توافر الأدوية وبدائلها"، يبدو الواقع مغايراً "جملة وتفصيلاً" لدى القائمين على قطاع الأدوية في البلاد مع تنامي ما بات يعرف بـ"تجار الشنطة"، فضلاً عن ظهور أزمة أخرى متعلقة بـ"غش الدواء أو عدم فاعليته".

فوفق شهادة الصيدلي طارق فؤاد، الذي يحمل 30 سنة من الخبرة في سوق الدواء، فإن "تجار الشنطة باتوا ينشطون في الآونة الأخيرة، ويعتمدون في تجارتهم على الأدوية الباهظة الثمن المتعلقة بمرضى الأورام والمناعة، وتلك الأدوية تكون مضروبة، ويمكنها أن تشكل خطورة على المرضى".

وأشار فؤاد إلى أن "بعض حقن الأورام تصل أسعارها في السوق السوداء إلى 20 ألف جنيه مصري (647.23 دولار أميركي)"، موضحاً أن هؤلاء التجار يمرون عليه من وقت لآخر، خلال تنقلهم بين الصيدليات، ومعهم الأدوية المستوردة غالية الثمن، المختفية من السوق. ويمضي في حديثه "على المستوى الشخصي أرفض التعامل معهم نظراً إلى ثقتي بأن أدويتهم مغشوشة، أو مصنعة تحت بئر السلم، ويتم تغليفها ووضعها داخل علب مماثلة لنظيرتها الأصلية، وذلك في وقت يتعامل بعض الصيادلة معهم".

ويتابع فؤاد "إذا فرضنا بأنها أصلية فهي بالضرورة فاسدة نظراً إلى عدم مراعاة الأسلوب المتبع في تخزين الأدوية الذي يتطلب وضعها في درجات حرارة معينة". ويرى أن "من يقدم على تهريب أدوية غير مصرح بها، ولم تسجل بوزارة الصحة المصرية، يمكنه تهريب مخدرات".

في الاتجاه ذاته، يقول الصيدلي المصري علي القادري إن "ما لا يعلمه كثر أن السوق السوداء مضروبة في مصر، ونشاطها الأكبر يظهر في أدوية مرضى السرطان، إذ تتم عمليات تقليد وغش أدوية العلاج الكيماوي (Chemotherapy) بالهند، وبيعها في البلاد وفق سعر الدولار بالسوق السوداء على رغم أنها غير أصلية".

وأشار القادري إلى أن السوق السوداء للأدوية في مصر باتت تعتمد على إعادة تدوير الأدوية المستوردة المهربة منتهية الصلاحية، ولا يوجد رقابة على تلك العملية، مقدراً نسبة عجز الأدوية الحيوية بـ70 في المئة، لكن الأنسولين الخاص بمرضى السكري متوفر من طريق الشركة المصرية الخاصة بهيئة الشراء الموحد.

 

 

وفي ما يتعلق بأدوية الجدول الأول والثاني (قائمة من الأدوية مرتبة في جدول ملحق بقرار أو قانون السلطات ينظم تناولها لتأثيرها في الحالة النفسية) فإن جميعها ناقصة، إضافة إلى أن حقن باسط العضلات الوحيدة الموجودة بالسوق المصرية غير متوفرة، وفق القادري، الذي أوضح أن بعض الشركات المصرية لا يعجبها السعر المحدد لها، بالتالي تلجأ لضخ أدويتها بالسوق السوداء.

تتطابق تلك الشهادات مع نتائج حملات التفتيش الواسعة التي أجرتها هيئة الدواء المصرية في أغسطس (آب) الماضي، بالتنسيق مع الجهات الرقابية والأمنية، والتي أسفرت عن رصد مخالفات منها تداول الأدوية المهربة وغير المسجلة، إضافة إلى ضبط 55 موقعاً غير مرخص، وكمية من المواد الخام غير المسجلة من دون فواتير، إضافة إلى ماكينات ومواد للتعبئة والتغليف، وضبط 17 مخزن أدوية غير مرخص. وفي الشهر ذاته أطلقت هيئة الدواء المصرية تحذيراً من تداول عبوات مقلدة من دواء يستخدم في علاج التهابات الجهاز التنفسي بمختلف أنواعها.

أحد مهربي الأدوية تحدث من طريق أحد الوسطاء عن طريقة تهريب الأدوية عبر حدود مصر الغربية مع ليبيا. وقال (أ س) مهرب بمنطقة السلوم (شمال غربي مصر)، إن "الأدوية المهربة تدخل مصر من طريق ليبيا عبر منفذين مختلفين، ويتوقف الأمر على الكميات"، موضحاً أنها إذا كانت "ثقيلة" فإنها تمر من خلال سيوة، بينما المحدودة منها تدخل من السلوم.

ويشرح (أ س) طريقة التهريب قائلاً "نسير على الأقدام مسافات طويلة، ونتبع تعليمات الأدلاء، لأنهم يمتلكون خبرة بأماكن الألغام والأسلاك التي تنتشر في تلك المنطقة الحدودية، ويعرفون طرق التعامل معها"، مضيفاً "نسير خلف الدليل في صف واحد... والبضاعة توزع على (شيالين)، يعملون على تهريب عديد من الأصناف مثل الأدوية والسجائر ومستحضرات تجميل، وتصل يوميتنا خلال تلك العمليات إلى خمسة آلاف جنيه (نحو 160 دولاراً أميركياً) لأننا معرضون للخطر طوال الوقت".

ومن وقت لآخر تعلن الأجهزة المعنية عن اكتشافها محاولات تهريب كميات من الأدوية عبر الحدود الغربية، ففي فبراير (شباط) الماضي أحبطت جمارك السلوم محاولة شخص ليبي تهريب كمية من الأدوية أجنبية الصنع، كانت مخبأة بكابينة سيارة بأماكن سرية، قدرت بنحو 470 عبوة دواء، بلغت قيمتها 302 ألف و678 جنيهاً مصرياً (نحو 9800 دولار أميركي)، بينما بلغ التعويض الجمركي المستحق لتلك الأدوية 605 آلاف و374 جنيهاً (نحو 19600 دولار أميركي).

وفي يونيو (حزيران) الماضي أعلنت قوات حرس الحدود المصرية في سيوة إحباط محاولة سائق مقيم في الواحة تهريب أدوية غير خالصة الرسوم الجمركية إلى ليبيا عبر الحدود الجنوبية بين البلدين.

الأطباء السبب

وعلى رغم الشهادات السابقة التي تكشف عن وجود أزمة حادة بسوق الدواء المصرية، فإن رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية علي عوف ينفي الأمر، مشيراً إلى أن هناك دعماً مستمراً من مجلس الوزراء لتوفير الدولار من أجل استيراد الأدوية والمواد الخام المتعلقة بصناعة الدواء، ملقياً باللوم على الأطباء الذين يتأثرون بدعاية شركات الدواء الأكثر مبيعاً، ولا يكتبون الأصناف المتاحة في الصيدليات.

وفسر نشاط السوق السوداء في مصر بأن "الناس تحب الدواء المستورد المهرب"، لكنه لا ينفي اختفاء دواء التروكسين الخاص بالغدة"، معتبراً أنه "تسبب في خلق سوق سوداء في مصر بشكل فج نظراً إلى أنه مطلوب بالاسم".

وأوضح‏ رئيس شعبة الأدوية أن تعريف الدواء الناقص بالنسبة إلى المنظمة الدولية العالمية للدواء هو الدواء الذي ليس له بديل، و"في مصر لدينا إدارة متخصصة في التعامل مع نقص الأدوية وتوفير البدائل"، منوهاً بأن 90 في المئة من الأدوية المنتجة في مصر تتكون من مواد فعالة مستوردة.

وسلط الضوء على تمكن هيئة الدواء المصرية أخيراً من رصد مضادات حيوية "أوجمنتين" مغشوشة، وهي واقعة من وجهة نظر عوف تمثل "انتصاراً" وتنم عن رصد ومتابعة جيدين.

وعند سؤاله عن كيفية دخول الأدوية المغشوشة من الأساس، نبه رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية إلى أنه "من المستحيل القضاء على السوق السوداء والأدوية المغشوشة، فهي موجودة في كل دول العالم، ولا يقتصر الأمر على مصر فقط".

واحدة من آليات محاربة السوق السوداء في مصر - بحسب عوف - ما تقوم به هيئة الدواء بتحويل الكمية الأكبر من الأدوية المستوردة إلى صيدليات الدولة "الشركة المصرية لتجارة الأدوية"، المكونة من 28 صيدلية، بدلاً من توزيعها على الصيدليات الخاصة، بسبب زيادة أعدادها، إذ تصل إلى 80 ألف صيدلية مرخصة في مصر مما يصعب عملية إشباعها بالأدوية المطلوبة.

واعترف بأن أدوية الأورام التي تباع داخل صيدليات الدولة بستة آلاف جنيه (نحو 200 دولار أميركي)، عندما تصل الصيدليات الأخرى يتم بيعها بـ20 ألف جنيه (نحو 650 دولاراً أميركياً)، ومن الممكن أن تكون مغشوشة".

 

 

وأمام الشد والجذب في الشارع المصري حول أزمة سوق الأدوية في مصر، وردود المسؤولين، تقدم عدد من أعضاء مجلس النواب بطلبات إحاطة إلى المسؤولين حول نقص بعض الأصناف من الأدوية من السوق واختفاء أصناف أخرى، في مقابل ارتفاع أسعار أدوية المضادات الحيوية والفيتامينات، ففي مطلع يوليو (تموز) الماضي تقدمت سميرة الجزار بطلب إحاطة موجه إلى المهندس مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء في شأن مواجهة ظاهرة اختفاء الأدوية وارتفاع أسعارها، معتبرة أن تلك الأزمة تعرض أصحاب الأمراض المزمنة لخطر الموت. وتقدم أيضاً عادل عامر بطلب إحاطة، موجه إلى رئيس مجلس الوزراء في شأن "العجز الكبير في الأدوية الخاصة ببعض الأمراض ومنها المزمن خلال الفترة الأخيرة وبخاصة الأدوية المستوردة"، مطالباً بـ"إعلان كشف دوري بالأدوية غير الموجودة في السوق المصرية، وطرح البدائل لخلق حالة من الثقة من قبل بعض المرضى في هذه الأدوية، بخاصة أن هناك من يرغب في الحصول على المستورد وليس لديه قناعة بنوع آخر، ومن ثم يجب أن يكون هناك تواصل مباشر مع المرضى في شأن نواقص الأدوية وبدائلها".

الأمر ذاته، تحدث فيه أمين سر لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس النواب هشام حسين، من خلال تقدمه بطلب آخر موجه إلى وزير الصحة المصري خالد عبدالغفار في شأن نقص الأدوية ومستلزمات العمليات الجراحية، مؤكداً أن تلك الأزمة تترتب عليها تداعيات سلبية تخص المرضى.

وقال في طلبه إن الفترة الأخيرة شهدت شكاوى عدد كبير من المواطنين من مشكلة نقص الأدوية، بخاصة المستوردة منها، والمتعلقة بالأمراض المزمنة والتي ليس لها بدائل محلية، مثل أدوية الغدة الدرقية وأدوية الأورام ومستلزمات العمليات الجراحية.

وتشير تقديرات المركز المصري للحق في الدواء إلى أن 95 في المئة من صناعة الدواء المصري تعتمد على الاستيراد من الخارج، بدءاً من المواد الفعالة وحتى الأحبار التي يكتب بها على شرائط الدواء، وكلها تستورد من الخارج، وهو ما يجعلها صناعة ترتبط بشكل أساسي بأسعار الصرف وتتأثر بتقلباتها.

وفي يوليو 2020 أوضح المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن مصر تعتمد على استيراد 95 في المئة من المواد الخام منها 55 في المئة من الصين و45 في المئة من الهند، الأمر الذي أدى إلى تأثرها بشدة بالمتغيرات العالمية.

وتشير إحصاءات رسمية إلى زيادة عدد مصانع الأدوية على مستوى الجمهورية إلى نحو 170 مصنعاً في العام الماضي، مقابل 130 مصنعاً في 2015، بنسبة زيادة 30.8 في المئة، إضافة إلى امتلاك مصر 700 خط إنتاج في 2022، مقابل 500 خط عام 2015 بنسبة زيادة 40 في المئة، إلا أن تقارير إخبارية مصرية تحدثت عن توقف بعض الشركات عن إنتاج الدواء لارتفاع سعر الدولار، مما أسهم في وجود السوق الموازية، وفق ما يقول متخصصون.

هل من مخرج؟

مع تفاقم أزمة نقص الأدوية وتنامي ظاهرة السوق السوداء في هذا القطاع، يرى المدير التنفيذي للمركز المصري للحق في الدواء محمود فؤاد، أن أزمة الدواء متفاقمة، لدرجة "أننا نستقبل اتصالات من مسؤولين بدرجة وزراء يطلبون المساعدة في توفير دواء الغدة"، على حد قوله، مشيراً إلى انعكاس تلك الأزمة على مفتشين كبار بهيئة الدواء يعانون المرض، وليس بمقدورهم توفير متطلباتهم من الدواء، وغيرهم مئات الآلاف من المصريين يواجهون المعاناة نفسها. ونبه إلى أن "مصر تشهد انتهاكات يومية في قطاع الصحة، ينتج بسببها حالات وفيات وفقد أطراف بسبب نقص بعض الأنواع من الأدوية والحقن".

وبحسب فؤاد فإنه لأول مرة منذ عام 1933 - تاريخ صناعة الأدوية في مصر - تعاني البلاد نقصاً يصل إلى 30 في المئة من الدواء المصنع محلياً، موضحاً أن "الأمر الغريب وغير المفهوم أن مواد خام تصل قيمتها 97 مليون دولار تقف في عرض البحر، على رغم توصية رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي للبنك المركزي بتوفير العملة الأجنبية للقضاء على تلك الأزمة".

وأشار إلى اضطرار بعض المصانع إلى تخفيض طاقتها بنسبة 60 في المئة، مقدراً ما تحتاج إليه مصر لتغطية المواد الخام من الأدوية إلى نحو 260 مليون دولار بصفة شهرية.

ووفق فؤاد وصل نقص الأدوية المستوردة في مصر إلى نسبة 80 في المئة، مما زاد نشاط السوق السوداء، وعلى أثر الأزمة ظهرت عصابات غش الدواء، معدداً الأصناف الدوائية المحلية الصنع التي تعاني نقص المعروض بالصيدليات "جميع الأدوية الخاصة بالجهاز الهضمي والدوري والعصبي والتنفسي مهددة بالاختفاء".

ويمضي في حديثه "من مسؤولية إدارة نواقص الدواء التنبؤ بأوقات اختفاء الأدوية وفق تعليمات منظمة الصحة، لكنها لا تقوم بالمهام المطلوبة منها، لاعتبارها إذاعة الأصناف الناقصة والمختفية سراً حربياً"، متابعاً "تشهد مصر في الآونة الأخيرة نقصاً كبيراً في أدوية المناعة والأورام والسكري وبعض أمراض الدم والهرمونات".

من جانبه، يقترح وكيل نقابة الأطباء المصرية جمال أبوعميرة "الاعتماد على الاسم العلمي للدواء أثناء كتابة الروشتات للمرضى في ظل زيادة أعداد شركات الأدوية، وصعوبة إلمام الأطباء وكذلك الصيادلة بجميع الأصناف الدوائية، مما يتطلب معه وصف الدواء بكتابة المادة الفعالة، التي يندرج أسفلها قائمة متنوعة من الأدوية التي تحمل التركيب الدوائي نفسه، وهو ما من شأنه تقليل أزمة نقص الدواء". وهو الأمر الذي يتفق فيه نقيب صيادلة القاهرة وعضو مجلس الشيوخ المصري محمد الشيخ مع أبوعميرة، قائلاً "إن بعض الأدوية تحتوي على 13 مثيلاً، ويجب اعتماد الاسم العلمي للأدوية أسوة بدول الخليج العربي". ويذكر أن نقص بعض الأدوية أسهم في ظهور تجار الشنطة الذين يغذون السوق بأدوية دخلت البلاد بطرق غير شرعية عبر عمليات التهريب.

وأشار نقيب صيادلة القاهرة إلى انتشار الأدوية التي تباع عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي من دون رقيب، ومن الضروري أن تتصدى مباحث الإنترنت لتلك الجريمة، موضحاً أن أدوية الغدة المهربة إلى مصر لم تخضع لاختبارات معملية، ومن الممكن أن تكون تلك الأصناف "مضروبة وغير آمنة".

المزيد من تحقيقات ومطولات