بداية أزمة اجتماعية في الجزائر أم استهداف للمؤسسة العسكرية؟

بعد احتجاج متقاعدي الجيش على تخوم العاصمة

دخلت الاحتجاجات الاجتماعية والمهنية على خط الحراك من دون سابق إنذار (أ.ف.ب)

تتأزم الأوضاع في الجزائر مع استمرار الانسداد السياسي، بعدما دخلت الاحتجاجات الاجتماعية والمهنية على خط الحراك من دون سابق إنذار، على الرغم من أن كل المؤشرات كانت تؤكد أن الوضع يتجه إلى أزمة اجتماعية، تهدّد المطالب السياسية.

 وفي وقت سيطرت مظاهر الغضب الشعبي على غياب التنمية في مختلف المحافظات الداخلية، فاجأ متقاعدو الجيش الجزائري السلطات العمومية، باحتجاجات على مداخل العاصمة التي طوّقتها قوات الشرطة.

شكوك واستنفار

استنفرت القوات الأمنية بعد احتجاج متقاعدين عسكريّين وجنود احتياط من الجيش الجزائري، بخاصة بعد قطعهم الطريق السيار الذي أدى الى وقوع أزمة مرور خانقة على مداخل العاصمة، استمرت لأكثر من 6 ساعات، وذلك للمرةّ الأولى منذ بداية الحراك في 22 فبراير الماضي، وجاءت "الانتفاضة المفاجئة" للتعبير عن معاناة هذه الفئة من تردي الأوضاع الاجتماعية وللمطالبة بتعديل قانون منح التقاعد.

فتحت الخطوة باب التخوف لدى النظام المؤقت والشعب معاً، طارحةً تساؤلات حول من حرّك هذه الفئة التي لها علاقة بالمؤسسة العسكرية، وقد فسرت جهات عدة التصرف بأن الاطراف التي حذّر منها قائد الاركان في خطاباته، "تلعب على ضرب المؤسسة العسكرية"، بعد فشلها في إثارة الشارع ودفع الشعب إلى التصادم مع جيشه.

3 تفسيرات

يقول المحلل السياسي عبد النور بشوشي في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إن متقاعدي الجيش يعتقدون أن السلطات هضمت حقوقهم ولم تمنحهم التعويضات المناسبة عن سنوات خدمتهم في الجيش خلال العشرية السوداء التي عرفتها الجزائر، مبرزاً أن احتجاجهم مفاجئ وغير مبرر على اعتبار أن السلطات شكّلت في وقت سابقٍ، لجنة مشتركة بين وزارتي الداخلية والدفاع لبحث المسألة.

 ويوضح أن الإصرار على التصعيد في هذا التوقيت تحديداً له تفسيرات عدة منها، انتزاع قرارات حاسمة لصالحهم أو إسماع صوتهم بضرورة إشراكهم في الحوار أو ثمة من يدفع بهم إلى الشارع لتأييد الحراك بغية إحداث قوة ضد المؤسسة العسكرية، التي باتت تستهدفها جهات معروفة في الداخل والخارج.

ويرى بشوشي أنه في وقت يعكف النظام المؤقت على إيجاد سبلٍ للخروج من الانسداد السياسي، ظهرت أزمة اجتماعية واقتصادية لتزيد المشهد توتراً والوضع تأزماً، مشيراً إلى تأثر كل نواحي الحياة والتنمية بشكل سلبي، نتيجة تمدد الأزمة التي تعيشها البلاد.

 وحذّر من عجز الميزانية و تآكل احتياطي النقد الأجنبي الذي تراجع من 200 مليار دولار عام 2014 إلى 70 مليار دولار في الوقت الحالي، معتبراً أنه بات من الضروري الوصول إلى شرعية سياسية شعبية، تسمح للحكومة المقبلة بوضع آليات إطلاق العجلة الاقتصادية، لأن الوقت يضغط في اتجاه إغراق البلاد في متاهات اقتصادية خطيرة.

المؤسسة العسكرية تحذر

كانت المؤسسة العسكرية قد سبق وحذّرت مرات عدة من أطراف مشبوهة وراء تدخل الجيش في السياسة خلال العشرية السوداء، تحاول تنفيذ مخططات لتشويه سمعة الجيش.

وأوضحت أنه "في وقت تعيش بلادنا أزمة، يريد البعض، ممّن باعوا ضمائرهم وضربوا المصلحة العليا للوطن عرض الحائط، بل يتآمرون عليه جهاراً نهاراً، أن تراوح هذه الأزمة مكانها ويطول أمدها، برفضهم الحلول المتاحة والممكنة التي من شأنها أن تسمح لبلادنا بتجاوزها، وبالتالي يجب قطع الطريق على المغامرين الذين يسعون إلى تنفيذ مخطط على جهات عدة، يهدف في نهاية المطاف إلى الايقاع ببلادنا في أتون الفوضى والاختلال".

نوايا "خبيثة"

وبحسب أستاذ علم الاجتماع كمال مرواني في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، فإن الأزمة الاجتماعية التي كانت منتظرة، مقارنةً بالأزمة السياسية التي ارتبطت بفساد رجال الأعمال، يمكن التحكم فيها لولا تحرّك أذرع "العصابة".

 ويضيف أن تجذّر عملاء "العصابة" في مختلف القطاعات وعلى جميع المستويات جعل الأزمة الاجتماعية تهدد بانفجار شعبي، فشلت "العصابة" في الوصول إليه، منذ إعلان القيادة العسكرية الحرب على الفساد والفاسدين، مشيراً إلى أن احتجاج متقاعدي الجيش يكشف عن النوايا "الخبيثة" لـ"القلة القليلة"، التي ذكرها قائد الأركان في خطاباته، والتي تدفع الشعب إلى التصادم مع جيشه، في محاولة لاستهداف العلاقة الوجدانية القوية بين الشعب وجيشه وضرب اللحمة والثقة بينهما.

ويرى مرواني أن الأبواق التي طالبت الجيش بالتدخل في الشأن السياسي خلال عشريات سابقة، هي ذاتها التي تحاول اليوم عبثاً أن تدفعه إلى ذلك في هذه المرحلة، وهدفها تمرير مشاريعها "المشبوهة" وأجندات عرّابيها الذين يكنّون الحقد والضغينة للجزائر وشعبها، والدليل تشكيكهم في تحركات العدالة وإيهام الجزائريين بأن تحرك القضاء إنما جاء بإيعاز من المؤسسة العسكرية، كما أن جهود لجنة الحوار والوساطة، تنفيذ لمخططات المؤسسة العسكرية، بخاصة بعد نجاح هذه اللجنة في مباشرة عملها وتواصلها مع أطراف عدة، كانت إلى وقت قريب ترفض الاعتراف بها.

المزيد من العالم العربي