بعد الإفراج عن "غريس 1"... ماذا تبقى من أزمة "احتجاز الناقلات" بين لندن وطهران؟

سلطات جبل طارق رفضت رسمياً طلب واشنطن مصادرة الناقلة... وتوتر أميركي إيراني جديد

بعد أسابيع من الدبلوماسيَّة بين طهران ولندن لحل أزمة "احتجاز الناقلات" المتبادلة منذ أوائل يوليو (تموز) الماضي، التي قادت إلى الإفراج عن ناقلة النفط الإيرانية (غريس 1)، بعد أنْ سمحت سلطات جبل طارق، التابعة إلى التاج البريطاني، لها بالتحرك، شريطة "عدم انتهاك عقوبات الاتحاد الأوروبي ونقل حمولتها إلى سوريا"، اكتسبت الأزمة بعداً آخر مع استصدار الولايات المتحدة الأميركية "مذكرة لمصادرة الناقلة الإيرانية"، التي رفضتها رسمياً، اليوم الأحد، سلطات المنطقة الصغيرة الواقعة في الطرف الجنوبي من إسبانيا.

وبعد الرفض الرسمي، لما قالت سلطات جبل طارق، إنه جاء "ردّاً على طلبات أميركية متكررة لمصادرة الناقلة الإيرانية"، تبادرت الأسئلة لدى المراقبين عن مستقبل المذكرة الأميركية، وعن أمد الأزمة المتصاعدة منذ أشهر بين طهران وواشنطن والمنعكسة بالأساس في مياه الخليج العربي، وكذلك صداها على حرية الملاحة في تلك المنطقة الاستراتيجية من حيث موارد الطاقة للعالم.

قصة (غريس 1)
في الرابع من يوليو (تموز) الماضي، توجَّهت الأنظار إلى تلك المنطقة الواقعة على الطرف الأقصى غربي البحر الأبيض المتوسط (جبل طارق) بعد إعلانها احتجاز ناقلة نفط إيرانيَّة تُدعى (غريس 1)، للاشتباه بنقلها النفط إلى سوريا، وهو ما يمثّل انتهاكاً لعقوبات الاتحاد الأوروبي.

وفي التاسع عشر من الشهر ذاته، احتجزت طهران ناقلة ترفع العلم البريطاني، وتدعى (ستينا إيمبيرو)، قالت إنها "انتهكت شروط الملاحة الدوليَّة" في مياه الخليج، ما تسبب في تدهور حاد في العلاقات بين البلدين.

وعلى وقع تصاعد تلك الأزمة، التي انعكست وقائعها بمحاولات أميركية بريطانية لتشكيل تحالف عسكري في مياه الخليج، لم يخرج إلى النور بعدُ، لحماية الملاحة في تلك المنطقة، كانت "محاولات دبلوماسيَّة حثيثة تتحرك باتجاه احتواء أزمة الناقلات"، التي بدأت في التحلحل مع نهاية الأسبوع الماضي.

وبينما كانت الأزمة تراوح مكانها في التصعيد، جاءت الانفراجة الخميس الماضي، عندما أمرت المحكمة العليا في جبل طارق بالإفراج عن السفينة، بعد أن قالت سلطات الأراضي البريطانية إنها "تلقَّت ضمانات خطيَّة من طهران بأن (غريس-1) لن تتوجه إلى دولة تخضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي".

غير أن إيران نفت أن تكون قدَّمت "أي ضمانات للإفراج عن السفينة"، وقالت إن "سلطات جبل طارق تسعى فحسب إلى حفظ ماء الوجه".

رئيس حكومة جبل طارق فابيان بيكاردو، ردّ من جانبه على التعليق الإيراني قائلاً "الموقف المكتوب يؤكد أن الجمهورية الإسلامية في إيران قطعت هذا التعهد"، مشيراً إلى أن "الوقائع أقوى من التصريحات السياسيَّة التي نسمعها".

وأضاف "الأدلة التي رصدت على متن (غريس 1) تؤكد أن السفينة كانت متوجهة إلى سوريا".

وقبل ساعات من قرار محكمة جبل طارق، باشرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي شنَّت حملة "ضغوط قصوى" على إيران، في مسعى قانوني أخيراً لمطالبة سلطات جبل طارق بتمديد احتجاز السفينة.

الطلب الأميركي جاء بطريقة غير متوقعة في وقت بدا أنّ "اتفاقاً بين لندن وطهران بات في متناول اليد بعد أسابيع من المفاوضات الدبلوماسيَّة"، وفق مراقبين.

وأصدرت محكمة اتحاديَّة في واشنطن "أمراً باحتجاز ناقلة النفط الإيرانية والنفط الموجود على متنها (2,1 مليون برميل نفط) ونحو مليون دولار"، وذلك في محاولة أخيرة لمنع السفينة من مغادرة جبل طارق.

 

وقالت المدعية العامة في واشنطن جيسي ليو، في بيان صحافي، "ثمة مزاعم أن شبكة من شركات الواجهة غسلت ملايين الدولارات لدعم هذه الشحنات".

وأضافت "يشمل المخطط أطرافاً متعددة تابعة إلى الحرس الثوري الإيراني (صنَّفته واشنطن منظمة إرهابية)، وجرى تدعيمه عبر رحلات خادعة لـ(غريس 1)".

واتهم وزير العدل الأميركي، في المذكرة، "الناقلة بالضلوع في مخطط للوصول بطريقة غير قانونية إلى النظام المالي الأميركي بهدف دعم شحنات غير شرعية من إيران إلى سوريا يرسلها الحرس الثوري الإيراني".

وهددت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، "بحظر منح تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة لكل أفراد طاقم (غريس 1) الذين أُفرج عنهم".

وقالت "أفراد طاقم السفن التي تساعد الحرس الثوري عبر نقل نفط من إيران قد لا يتمكنون من الحصول على تأشيرات أو من دخول الأراضي الأميركية".

ومع استعداد السفينة الإيرانية، اليوم الأحد، إلى حيث وجهتها، وتكرار الضغوط الأميركية لاحتجازها، رفضت رسمياً اليوم الأحد سلطات منطقة جبل طارق "الطلب الأميركي باحتجاز الناقلة"، موضحةً "العقوبات الأميركية غير قابلة للتطبيق في الاتحاد الأوروبي".

 

وقالت سلطات جبل طارق، في بيان، "بموجب القانون الأوروبي، ليس بمقدور جبل طارق تقديم المساعدة التي تطلبها الولايات المتحدة"، إذ تريد واشنطن حجز الناقلة استناداً إلى العقوبات الأميركية على إيران.

وتابعت، "نظام عقوبات الاتحاد الأوروبي مختلفٌ بشكل جوهري عن نظام الولايات المتحدة". إضافة إلى ذلك، تمنع النظم الأوروبية "تحديداً تطبيق بعض القوانين الأميركية"، من بينها القوانين التي تنص على العقوبات ضد إيران، وفق البيان.

في غضون ذلك، أعيد تسمية الناقلة، التي كانت ترفع علم بنما بـ(أدريان داريا) لمواصلة رحلتها ورفعت العلم الإيراني.

إذ أظهرت لقطات صوَّرتها "رويترز" للناقلة التي كانت متوقفة قبالة جبل طارق، اليوم الأحد، أنها "رفعت العلم الإيراني، وأصبحت تحمل اسماً جديداً على جانبها".

كانت (غريس 1) ترفع علم بنما في الأصل، لكن سلطات الملاحة البحريَّة في تلك الدولة قالت في يوليو (تموز) إنها "رفعت السفينة من سجلاتها بعد تحذير أشار إلى أنها تشارك في أنشطة تمويل للإرهاب أو مرتبطة بها".

وبعد الإفراج عن (غريس 1) جددت بريطانيا مطالبتها بأن تفرج إيران عن الناقلة التي ترفع العلم البريطاني، واحتجزتها طهران في مضيق هرمز في الـ19 من يوليو (تموز).

وقالت طهران إن (ستينا إيمبيرو) خالفت "قوانين الملاحة الدوليَّة"، لكن الخطوة الإيرانية اعتُبرت على نطاق واسع بأنها ردٌّ انتقاميٌّ على احتجاز (غريس 1).

ونقلت شبكة "سكاي نيوز" عن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب قوله إن "فكرة التبادل تُضفي الشرعيَّة على عمل إيران. ومن ثم فلن تقايض لندن سفينة احتجزت بشكل قانوني بأخرى احتجزت بطريقة غير قانونية"، ليبقى مصير السفينة البريطانية في الأراضي الإيرانية، غير محدد بعد.

صفحة جديدة من التوتر
على وقع مذكرة المصادرة الأميركية لناقلة النفط الإيرانية، التي لم ترد حتى الآن وزارة الخارجية الأميركية على طلب للتعليق على كيفية تنفيذها سواء عبر "خدمة المارشال الأميركية، وهي وكالة اتحادية لإنفاذ القانون، أو أي مسؤول إنفاذ قانون معتمد". كما امتنعت وزارتا الدفاع الأميركية والخارجية البريطانية عن التعليق.

يقول مراقبون "المذكرة من شأنها أن تطيل أمد الأزمة الدبلوماسيَّة بين طهران وواشنطن"، فاتحة "جبهة جديدة من المواجهة" بين البلدين بسعيها إلى مصادرة الناقلة الإيرانية.

وبعد التطورات التي شهدتها الناقلة الإيرانية، ووصلت حد الإفراج عنها، تباينت مواقف المراقبين بشأن تداعيات وانعكاسات الخطوة على صعيد علاقات البلدين "المتوترة" منذ شهور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ففي حين رأى البعض أن "قرار الإفراج" عن الناقلة "انتصارٌ لإيران، وهزيمةٌ للولايات المتحدة"، رأى آخرون أن العلاقة بين طهران وواشنطن "لن تتأثر أكثر"، لأن "خيط المصلحة الرفيع ما زال يحكم النظامين".

وحسب هاني سليمان الباحث السياسي بالمركز العربي للبحوث والدراسات، فإن "فتيل الحرب والتوتر بين طهران وواشنطن في المنطقة لم يُنزع حتى الآن، ولا تزال فرص اندلاعها قائمة رغم هدوء مضيق هرمز منذ اختطاف السفينة البريطانية قبل أربعة أسابيع".

وحسب سليمان فإن "التوتر سيظل قائماً في المنطقة طالما استمرت إيران في مسارها الحالي بعيداً عن الالتزام بالضوابط التي تخضع لها الدول الأخرى، مسيرة في ذلك حالة غير مسبوقة من الاضطراب وعدم الاستقرار بالمنطقة". معتبراً أن الإفراج عن نقالة النفط وعدم أخذ سلطات جبل طارق بمذكرة التوقيف الأميركية، مثَّل "صفعة لإدارة ترمب".

من جانبه، حذَّر تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، من أن "أي تقدير خاطئ أو تصعيدٍ أحادي الجانب يمكن بسهولةٍ أن يدفع المنطقة بأكملها إلى صراعٍ مدمرٍ لا يريده أحد، مثلما حدث في أوروبا عام 1914"، في إشارة إلى الحرب العالميّة الأولى، إذ اندلعت شاراتها بعد مقتل الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند.

وحسب التقرير، فإن عدداً كبيراً من المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن ترمب وبعكس تشدد بعض المقربين منه، لا يحبذ في النهاية نشوب صراع كبير بالمنطقة، فطالما ما "شكا من تورط بلاده في حروب الشرق الأوسط دفاعاً عن دول أخرى دون منفعة مباشرة للولايات المتحدة".

وبين التحذير من التصعيد، والاعتقاد بأنه محكومٌ بضوابط لم يتم تجاوزها بعد، تبقى خيارات البلدين في المستقبل المنظور هي من تحدد شكل التوتر في الخليج، حسب "واشنطن بوست"، التي تقول إن خيارات ترمب والنظام الإيراني "على وشك النفاد"، ويقتربان من "شفا حفرة"، فرغم إصرار الجانبين على أنهما لا يريدان الحرب فإن سلسلة التصعيد في منطقة الخليج وأماكن أخرى "تثير القلق".

وحسب الصحيفة، فإنه ورغم أن البيت الأبيض "يتمسَّك بممارسة أقصى قدر من الضغط"، عازماً على خنق طهران اقتصادياً من خلال العقوبات التي تعرقل صادرات النفط الإيرانية، في المقابل يهاجم النظام الإيراني "أهدافاً سهلة كناقلات تمر عبر مضيق هرمز".

المزيد من دوليات