Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

برمنغهام الحديثة متعددة الثقافات ومزدهرة على الرغم من العنصرية

جون بلومفيلد يعود إلى هذه المدينة المزدحمة بالمهاجرين من الجيلين الثّاني والثّالث، ويتحدث إلى السّكان المحليين الواثقين الذين يُمثّلون النّقيض التّام لكلّ ما يُنادي به روجر سكرتن ونايجل فاراج

جامع كامبريدج في المملكة المتحدة هو الأول من نوعه في أوروبا. فعمارته تراعي البيئة (ويكيبيديا.أورغ)

في الوقت الحاضر، قلّة قليلة من السّياسيين البريطانيين يتجرأون على الطّلب من شخصٍ داكن البشرة أو شخصٍ من أصول آسيوية أن "يعود من حيث أتى". إلا أنّ ذلك لا يمنع الأصوات المؤثرة من الحفاظ على روح إينوك باول وأفكاره. الفيلسوف المحافظ روجر سكرتن والمعلّق في مجلة سبيكتيتر دوغلاس موراي ليسا سوى اثنين ممن يحذون حذوه، مجترين التأكيد أنّ الاندماج في المجتمع مسألة صعبة جداً، لا بل مستحيلة منطقياً في حالة المسلمين، ولو كانوا من المهاجرين المولودين في بريطانيا.

والأمر نفسه ينسحب على نايجل فاراج؛ هو الذي لم يذكر المهاجرين بالحسنى يوماً ووصل به المطاف أخيراً إلى الشّكوى من عدم رغبة البعض منهم في تعلّم اللغة الإنكليزية. إلا إنّ نظام اليوم مليء بالسّلبية – على حد تعبير بوريس جونسون – ويُناقض الواقع على الأرض. ومجرّد جولة في أنحاء برمنغهام، ثاني أكبر مدينة في بريطانيا، كافية لتوضيح الصّورة وتكذيب سكرتن/ فاراج: 44 في المئة من السّكان المحليين يتحدرون من خلفيات مهاجرة متنوّعة، والمهاجرون من الجيلين الثاني والثالث يشكّلون جزءاً لا يتجزأ من نسيج المدينة الذي يعمل بكدٍّ واجتهاد للدفع بعجلة الحياة فيها قُدماً.

جون، رجل أسود البشرة في العقد الثالث من العمر؛ غادر والداه جامايكا باتجاه المملكة المتحدة في سبعينيات القرن الماضي. وحسب ما أخبرني عندما تحدّثتُ معه، هو يعمل في محطة قطار "نيو ستريت" منذ اثني عشر عاماً، ويُحبّ عمله وعيشته في برمنغهام. عرفتُ منه أيضاً أنه متزوّج من زميلة له في المحطة، بريطانية سوداء البشرة من أصول جامايكية، ويعيشان في منطقة غير بعيدة عن وسط المدينة مع ولديهما اللذين يُبليان جيداً في المدرسة. "هذه المدينة تُشعرني بالارتياح والانتماء"، على حد تعبير جون.

وأثناء مروري بـمحل "بوتس" (Boots) للبصريات الكائن عند منعطف الشّارع، خضعتُ لفحص نظر على يد هاربريت الذي هو من أصول هندية. وشأنه شأن العديد من المهاجرين، شجّعه والداه على الدّراسة والتعلّم. وعقب اجتيازه اختبار 11+، التحق بـ"مدرسة الملك إدوارد الإعدادية" (King Edward Grammar School، وانتقل منها إلى "جامعة أستون" (Aston University) حيث تأهّل لدراسة طب العيون والعمل في الصيدلية. بعدها بأيام قليلة، توجّهتُ إلى شركة "فولسفاغن" لإخضاع سيارتي لامتحان وزارة النّقل والمواصلات (MOT). هناك، التقيتُ بمندوبة خدمة العملاء وهي امرأة في منتصف العمر؛ قدم والدها إلى هنا من الهند إبان ستينيات القرن الماضي. قالت لي إنها تعيش في شرقي برمنغهام وتعمل في المرآب منذ أكثر من عقد. وهي سعيدة جداً لأنّ أحد أولادها الثلاثة قد بدأ للتو بالعمل كمتدرّب في ورشة الصّيانة والتّصليح.

يظهر أنّ الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين في بريطانيا، يشقّون طريقهم في مختلف مناحي الحياة، مع العلم أنّ الميل إلى إقامة مشاريع تجارية هو الأكثر شيوعاً بينهم. أمين مثلاً، هو الابن السادس لوالدين من أصول بنغلادشية. وُلد عام 1975 في قلب مدينة أستون ونشـأ على حبّ الموسيقى والدراما. أتاحت له مهارته في مجال الكومبيوتر دخول الجامعة المحليّة حيث وجد منفذاً جديداً لاهتماماته الفنية كموزّع موسيقي يعزف خليطاً من البنجرا والهيب هوب ويُروّج لـ"سهرات طلابية حضرية". وعلى مدى 25 عاماً، كسب أمين رزقه من العمل كموزّع موسيقي ومروّج لحفلات صاخبة يؤمّها أكثر من ألفي شخص في أنحاء ميدلاندز. وفيما كان طالباً في "جامعة وسط إنكلترا" (University of Central England) التي تُعرف اليوم بـ"جامعة برمنغهام سيتي" (Birmingham City University)، بدأ يجمع المعجبين والمتابعين من حوله. ومن جامعته، انطلق إلى الجامعات المجاورة، فالنوادي الليلية في أنحاء ميدلاندز. وعن تجربته، يقول أمين: "في البداية، كنتُ أجد صعوبة في دخول النوادي الليلية على أنني موزّع موسيقي. لكن بمجرد أن دخلت، كلّ شيء يُصبح رهن إشارة منّي." 

لقد اختار أمين عزف الهيب هوب لأنّه أقرب إلى رواية القصص من أنواع الموسيقى الأخرى. كما أنّ غناء الراب بالإنكليزية يُتيح له التطرّق إلى مواضيع تخصّه وتعنيه، لكن الأفضل ألا يكون من نوع راب العصابات الذي لا يتناسب أخلاقياً مع معتقداته الإسلامية ولا يُشرّف الأغلبيّة التي تُشارك في سهراته الراقصة وتنتمي إلى التبعية الهندية. بالنّسبة إلى أمين، الموسيقى لا تتعارض أبداً مع مظاهر ديانته الإسلامية، لكنّها كذلك بالنسبة إلى بعض الأصوليين الذين صادفهم في حياته ووصفوا الموسيقى بـ"الحرام". وأمين، لا يُدخّن ولا يشرب الخمر، لكنّه يعتقد أنّ لكلّ شخص حرية اتخاذ القرار الذي يريده في هذا الشأن. وعلى المستوى العاطفي، واعد أمين فتيات كثيرات غير مسلمات. لكن هذا كان من الماضي، وهو اليوم رجل متزوّج ضمن الأطر الدينية.

أنجز أمين عملاً جيّداً في عالم الموسيقى و"كسب مالاً محترماً"، كما يقول لي بخجل. لكنّ ساعات العمل الطويلة والسّهرات المتأخرة بدأت تُلقي بثقلها عليه. لذلك، قرر دخول عالم التغذية من بابها العريض وبالأموال التي جناها من التوزيع الموسيقي. في البدء، افتتح مطعماً للبيتزا؛ وها هو الآن يُدير مقهى "تشارليز كيتشن" (Charlie’s Kitchen) في منطقة لوزيلز غرب برمنغهام، من السّاعة الثامنة صباحاً وحتى منتصف الليل. وفي المقهى الجديد، يستعين أمين بخدمات ثمانية موظفين موزّعين على نوبتين ويتباهى بتقديم فطورٍ إنكليزيٍّ كاملٍ بنقانق حلال لا بنقانق من لحم الخنازير. هذه الفكرة بذاتها قد تُثير خوف بيرز مورغان (كاتب وصحافي ومُقدم برامج تلفزيونية من بين آخرها "صباح الخير بريطانيا")، لكنّ عملاء أمين في المقهى – وبينهم بريطانيون من أصحاب البشرة البيضاء  - "يُحبّونها!"

في لوزيلز، يعيش أمين مرتاحاً. فالمنطقة، حسب قوله، تغيّرت قليلاً عمّا كانت عليه في أيام شبابه. حينها، كانت تعجّ بالأفارقة الكاريبيين. وفي العام 2005 تحديداً، شهدت توترات شديدة بين مجتمعاتها المحلية. ومع هذا كلّه، لم يتعرّض أمين لأيّ موقفٍ خطير في نوادي السود التي عمل فيها كموزّع موسيقي في الفترة الممتدة بين تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن الحالي. كلّ ما عرفه في تلك الأثناء كان مجرد مطبّات عرضية وأيّ منها لم يتفاقم ليصل إلى درجة توتر فعليّ.

ومثل أمين، تتمتّع إيفون بروح المبادرة وتنظيم المشاريع. وهذا ما حدا بها إلى افتتاح دار الحضانة "بلايهاوس"، وهو عبارة عن منزل متّصل في الجانب الغربي من برمنغهام، تُزيّن شرفته صور ملوّنة لأنشطة طفوليّة مرفقة برسائل واضحة عن فلسفة الحضانة: "أنا التنوّع: أشركوني"، وأخرى عن مراحل التعلّم السّبع وتوقعات السّلوك الجيّد.

وكان والدا إيفون قد غادرا منطقة الكاريبي ووصلا إلى المملكة المتحدة عام 1954. ومذاك، وهما يعيشان ويعملان في مدينة كوفنتري. أما إيفون، فمكثت معهما حتى تزوّجت وانتقلت إلى برمنغهام عام 1981. هناك، عانت الأمرين للعثور على دار حضانة لطفلها البكر وكانت محظوظة بالعثور على دار "بلايهاوس" الخاص للمحاميتين: كريستين وفاي. لذا لمّا وضعت طفلها الثاني، فكّرت بتحدّي نفسها وافتتاح دار حضانة خاصة بها.

ولمّا عرفت المحاميتان، مالكتا الحضانة، بنيّتها سألتاها عمّا إذا كانت ترغب في شراء المكان منهما. لكنّ رغبتها لوحدها لم تكن كافية، إذ في كلّ مرة كانت تقصد فيها المصرف لتأتي بالمال الضروري لإتمام صفقة الشراء، كانوا "يردّونها خائبة". وفي أحد المرات، قال لها مدير أحد المصارف في ناتويست إنّ "الطّبقة الوسطى من أصحاب البشرة البيضاء لن تُرسل أطفالها إلى دار حضانة تعود ملكيّته لامرأة سوداء". لحسن الحظ، كانت كريستين وفاي أكرم من المصارف مع إيفون، حيث منحتاها فترة سداد طويلة الأجل، تمكّنت بفضلها وبفضل قرض حصلت عليه من مصرف "كو-أوب" من المضي قدماً بالصفقة.

في الوقت الرّاهن، تتولّى إيفون إدارة ثلاث دور حضانة في المنطقة. وفيما تجلس في مكتبها الضيّق، تروي لي أنّ سجلاتها تتضمّن 150 طفلاً تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وثلاث سنوات وأنّ هؤلاء الأطفال يتحدرون من خلفيات مختلفة، منها البيضاء والسوداء والآسيوية والأوروبية الشرقية، وحتى الماليزية واليابانية والإفريقية أحياناً. التنوّع يفرض نفسه على دور الحضانة الثلاث وهناك حتى أطفال لأبوين من عرقين مختلفين، قل مثلاً أسود وسويدي، أسود وروماني وأسود وبلغاري.

وبالنّسبة إلى الموظفين العاملين لدى إيفون، فهم أيضاً مختلطون ويضمّون أشخاصاً من إسبانيا ونيجيريا واليابان، فضلاً عن بريطانيين من أصحاب البشرة البيضاء والسوداء وبريطانيين من أصول آسيوية وبريطانيين مسلمين وسيخ وهندوسيين. وكما يظهر جلياً في الإعلانات والصّور التي تُطوّق شرفة الحضانة، فإنّ هذه الأخيرة تُقدّم خدمات رعاية للأطفال من مختلف الثقافات. وحسب قول إيفون، الأطفال في الدار يتفقون مع بعضهم البعض و"خلال سنوات الاثنين والثلاثين في الخدمة، لم نُواجه أيّ حادثة عرقية من أيّ نوع في أيّ من فروعنا".

نشأت مريم في أسرةٍ مسلمة قوية. و"بفضل المنح والدروس المكثفة تمكّنتُ مع أشقائي وشقيقاتي من دخول الجامعة. هناك اختلطتُ بمجموعة مختلفة من الناس وانفتحتُ على العالم بعد أن عشتُ أسيرة بلدة نونيتون الصغيرة". وتحوّلت من مراهقة ترتدي البرقع إلى امرأة غير مؤمنة تحبّ الرقص وتشرب الخمر من وقتٍ لآخر، وانتهى بها المطاف بالزّواج من رجلٍ أبيض. وبعد مسيرةٍ مهنية ناجحة في القطاع العام والتطوعي في أنحاء ميدلاندز، تتولّى مريم اليوم منصباً رفيعاً في "جمعية مساعدة نساء برمنغهام" (Birmingham Women’s Aid) التي تستضيف في مراكزها الستة سنوياً 250 امرأة وتُقدّم الدعم لآلاف أخريات. ولمّا تتحدّث عن مسيرتها المهنية، تقول مريم: "استطعتُ أن أُحرز تقدّماً معقولاً. نجحتُ في معظم المقابلات الوظيفية التي أجريتها. وفي مرحلة ما بعد ستيفن لورنس، انضممتُ إلى منظمات متحيّزة. ولكنّ هذه المنظمات لم تعد موجودة وتداعت أنظمتها عن بكرة أبيها منذ العام 2010".

وعلى خلفية الأحداث التي شغلت السّاحة الدولية طوال العقدين الماضيين، غيّرت مريم في طريقة تفكيرها. وبنظرها اليوم، المجموعات الإرهابية هي عصابات شنيعة: "هؤلاء الذين يُفجّرون الناس هم قتلة ومجرمون ولا علاقة لهم بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد". تقول مريم هذا من دون أن تُخفي انزعاجها من الحرب التي شُنّت على الإرهاب والتّطرف الدّيني تحت حكم مودي في الهند. وبعد كلّ ما حصل ويحصل، لا تتردّد مريم في وصف نفسها الآن بـالمسلمة الملحدة.

وتُضيف: "بنات إخواني وقريباتي الأصغر منّي سناً، كلهنّ نشأنَ وترعرعنَ هنا وكلهنّ مهنيات ومتديّنات. هنّ لا يرتدينَ الحجاب لأنّ آباءهن أو أزواجهن يُجبرنهنّ على ذلك، بل لأنّ الحجاب هو طريقة الواحدة منهنّ في الدفاع عن مجتمعهن وليس ديانتهن. ولهذا السّبب، أنا أصرّ اليوم على أن أكون جزءاً من مجتمعي من غير أن أكون متديّنة. من المهم أن يفهم الواحد منّا ثقافته، ليتمكن من التعامل مع هذا النوع من الهجمات."

وفي معرض حديثها، تُخبرني مريم كيف أن هذه الثقافة الجديدة تُغيّر معالم الحياة الاجتماعية في قلب أحياء برمنغهام. ففي المقاهي ومتاجر الحلوى التي ظهرت في السّنوات القليلة الأخيرة مثلاً، نجد فتيات يُغطّين رؤوسهنّ بالحجاب ووجوههنّ بأطنان من المكياج، فخورات بهويّتهن المسلمة. "البعض من بنات إخواني وقريباتي الأصغر منّي سناً يصبغنَ شعورهنّ بالحنّة. هذه المقاهي هي بمثابة مساحات اجتماعية، قل مساحات آمنة يُمكن لهؤلاء النّساء أن يرتدنَها لشرب الشاي وتبادل أطراف الحديث". يبدو أنّ أصحاب المشاريع المحليين عرفوا أخيراً كيف يستقطبون الشباب الجديد ويُنعشون قلب مدننا!

إلى الحين، لا تزال هناك أسر مهاجرة تعتزّ بمعتقداتها الدّينية وروابطها العائلية الوثيقة وتُشدّد على توزيع الأدوار فيما بينها حسب الجنس، وهذا ما يجعل النشأة في أحضانها غاية في الصعوبة. تلك كانت تجربة زينب التي تربّت وسط أشقائها الأربعة. وعلى الرّغم من مسيرتها الواعدة في المدرسة، أصرّت والدتها المتمسّكة بالأعراف والتقاليد أن تُزوّجها. "لمّا بلغتُ السادسة عشرة من عمري"، تروي زينب، "اصطحبتني (أمي) في زيارةٍ إلى الباكستان لتزويجي. في فترة ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن ثمة قوانين تمنع الزّواج القسري. كنتُ معزولة هناك وأمي لم تتوانَ عن ضربي لمّا قابلتُها بالرفض".

كان زوج زينب من عائلة صوفية روحانية عريقة في لاهور. ومن باب التشدد، أجبرتها العائلة على ارتداء البرقع. وجدت زينب صعوبة كبيرة في التأقلم مع الأجواء الجديدة، وبعد أسابيع قليلة، أتت مع زوجها لزيارة أمها في برمنغهام. كان شقيق زوجها الجديد إنساناً مستبداً وصاحب سلطة وكان يمنعها من القيادة أو حتى الجلوس في المقعد الأمامي للسيارة.

وصحيح أنّ هذه القصة تُحاكي الأفكار النّمطية لسكرتن، لكنّها لا تصمد في وجه روح زينب – "كنتُ فتاةً غلاميّة في صغري" – واندفاعها. ففيما كانت تعتني بأطفالها الأربعة، تطوّعت في الجامع كي تخرج من المنزل. وبعدها، التحقت بإحدى كليات الدّراسات العليا المحلية لتعلّم الدراسات الإسلامية. ومنها انتقلت إلى "جامعة برمنغهام" لدراسة علم اللاهوت الذي أرادت بواسطته تحدّي ضوابط الثقافة المفروضة عليها وقيودها مقابل البيانات الأصلية لديانتها.

وبعد اللاهوت، خضعت زينب لدورةٍ تدريبية في العمل المجتمعي والشبابي. استمرت الدورة مدة سنتين؛ وفي خلالهما، كان على زينب أن تقود سيارتها يومياً من برمنغهام إلى مانشستر. ولما انتهت الدورة، كان الوقت قد حان للخطوة الكبرى التي ستقلب حياة زينب رأساً على عقب، ونعني بها طلب إنتسابها إلى شرطة العاصمة. نعم، هذا صحيح. أرادت زينب أن تكون شرطية في العاصمة لأنه لم يكن باستطاعتها أن تكون كذلك في برمنغهام بسبب الضّغوط العائلية. وفي الأسبوع الثامن عشر من الدّورة التأهيلية في هندون، كانت زينب العنصر الوحيد الذي ينتمي إلى أقلية إثنية. تلك كانت المرة الأولى التي تمكث فيها بعيداً عن المنزل. كان الوضع غاية في الصعوبة بالنسبة إليها، لكنّها أبت أن تستسلم وكانت مصممة على هدفها. "لم أرتدِ الحجاب حينها، لأنّ المبادئ الأخلاقية بنظري أهم بكثير من الملابس". لم تتعرّض زينب لمواقف تنمّ عن تمييز واضح وصريح، حسب قولها، لكنّ اثنين من الرّقباء "استصغرانها". كانت الدورة صعبة، لكنّها لم تصعب على زينب التي تجاوزتها بكفاءة، متجاهلةً تعليق أحد الرقباء لها بعد النجاح: "ما زال أمامكِ وقت لتعودي أدراجك".

لقد مرّ على خدمة زينب كشرطية في أحد أحياء لندن حوالى 17 عاماً. وطوال هذه الفترة، لم تشعر برغبةٍ في الحصول على ترقية. تعمل زينب بمناوبة عمل لمدة أربعة أيام، لذا كان لقائي بها في منزلها عند الساعة 2.30 فجراً بعد 11 ساعة عمل متتالية. "مساعدة الناس، لهذا أقوم بعملي. وهذا ما ساعدني على الصّمود. في مهنتي، أتصدّى لمختلف جوانب الحياة وأتعامل معها: الموت والانتحار والخلافات والرعاية الاجتماعية للأطفال والاعتداءات الجنسية والمخدرات والطعن بالسلاح الأبيض. كثيراً ما أقوم بمهام محلية وأحياناً ما أستفيد من معرفتي الخاصة بالبونجابي والأوردو والهندي".

في أيّامنا هذه، بات وضع الأقليات العرقية في جهاز الشرطة أسهل بكثير مما كان عليه أيام زينب، حتى ولو أنّ عدد الشرطيين من السود والآسيويين والمنتمين إلى الأقليات الإثنية لا يزال ما دون الـ14 في المئة وأقل بكثير من عدد سكان لندن المنوّعين الذين يستفيدون من خدماتهم. "هناك المزيد منّا وهناك طبعاً المزيد من الدعم. وأنا عن نفسي، أرى المزيد من الوجوه الأنثوية الآسيوية"، على حد تعبير زينب التي تنتمي إلى فريق من 30 عنصراً ، بينهم عدد قليل من أصحاب البشرة السوداء وعدد أقل من أعراق مختلطة. عندما يكون الطقس حاراً في شهر رمضان، تشتكي زينب من صعوبة العمل في الشوارع، ملمّحةً إلى أنّ الرؤساء الكبار لا يصغون ولا يهتمون لأمر الشرطيين المناوبين. وقد تكون الضّغوط المصاحبة للاقتطاعات حقيقية فعلاً، لكنّ الرقباء المسؤولين عن فريق زينب "لامعون ويُحسنون صنيعاً".

وعن طبيعة عملها والأمر الواقع، تقول زينب: "في يومياتي كشرطية، يُمكن للأمور أن تحدث كما يمكن أن أتعرّض للقتل. هذا جزء من عملي وأتقبّله". أما عن المستقبل، فتتساءل زينب عمّا إذا كانت ستنتقل إلى فرعٍ متخصص كفرع السلاح، "لتُثبت للعالم أنّ بإمكان النّساء تأدية هذا النوع من المهام" أو إلى الفرع الخاص المعني بقضايا الأمن القومي والاستخبارات، أسوةً بالبعض من أصدقائها من أصحاب البشرة السوداء والأصول الآسيوية.

الحقيقة أنّ تجربة زينب هذه لم تتحدَّ الأفكار النمطية لسكرتن وحسب، بل غيّرت حياة زينب وعائلتها أيضاً. "بتُّ مفخرة للجميع "حتى أمي". ولا ننسى زوجها وشقيق زوجها الذي "يقدّرها أيّما تقدير لأجل ما تقوم به". بنظر زينب، التضحيات التي بذلتها استحقّت كلّ العناء.

وعلى غرار العديد من المهاجرين، تُشدّد زينب على أهمية الدّراسة. ما يُفسّر دخول أطفالها الجامعة واستكمال دراستهم حتى النهاية. وقد لا ينطبق هذا القول على إحدى بناتها التي تركت الكلية قبل الأوان، لكنّ هذه الأخيرة امرأة ناجحة وتدير اليوم مشروعاً تجارياً خاصاً بها. لقد تغيّر وجه العالم مذ كانت زينب شابة في طور النمو. وبالمقارنة مع والدتها، هي حالياً أكثر انفتاحاً منها لما كانت في سنّها. وفي مواجهة تظاهرات المتطرّفين الدينيين في حرم مدرسة "أندرتون بارك" الابتدائية(Anderton Park)  المجاورة، تبدو زينب صارمة وثابتة في موقفها: "نحن لسنا في بلدٍ مسلم. لا يمكنكم أن تفرضوا آراءكم على المدرسة وتُعطّلوا دروس الأطفال. إن أردتم أن تتظاهروا، اذهبوا إلى مجالس النواب. لديّ أصدقاء مثليّ الجنس في الشرطة وهم يساندونني ويدعمون معتقداتي. على الأطفال أن يتعرّفوا على الآخر. هل لديكم رأي مخالف؟"

والطّب البيطري اليوم كما جهاز الشرطة منذ 20 عاماً: منطقة محتكرة على أصحاب البشرة البيضاء تكاد نسبة المهنيين المتحدرين من خلفيات إثنية مختلفة فيها ألا تتعدّى الـ2 في المئة فقط. لكنّ هذا الواقع الصعب لم يمنع فابيان، حفيد ثنائي جامايكي من جيل ويندرش (ما بين 1948 و 1971)، من القدوم إلى برمنغهام للعمل في مجال الخدمات البيطرية مع أنّ مظهره الخارجي لا يخدمه؛ فابيان هو شاب طويل القامة ومجعّد الشعر ولطالما أحبّ الحيوانات.

"إنه أمر مبتذل، أعلم هذا، ولكنّه حقيقي وينطبق على معظم الأطباء البيطريين". عندما كان فابيان مراهقاً، كان من الصّعب عليه الحصول على خبرات عملية وتطبيقية. ومع ذلك، تمكّن من العمل في عيادات خيرية للحيوانات في المدينة قبل أن يُقرّر الالتحاق بمعهد العلوم البيطرية الشّهير في مدينة برنو التشيكية، "لأنّني (بطبيعتي) أحب التجارب الجديدة".

عدا ذلك، مصاريف الدّراسة وتكلفة المعيشة هناك أرخص بكثير من المملكة المتحدة والمقررات التعليمية في كليّتها تُعطى باللغة الإنكليزية. أحبّ فابيان التخصّص بالحيوانات الغريبة وبفضل الخبرة التي اكتسبها في المعهد تمكّن من الحصول على وظيفة في عيادة مستقلّة في برمنغهام حيث يُوزّع وقته بالتساوي بين الأنشطة الأساسية – قطط وكلاب – وتلك المتخصصة من قوارض إلى صقور ومن سحليات إلى إيغوانات وحشية. "سمِّ ما شئت من الحيوانات، فإني لا شك صادفته". وبعد ست سنوات طويلة من التدريب الجامعي، جاء اليوم الذي ينطلق فيه فابيان بمسيرته العملية ويتولّى وظيفة مدفوعة جيداً. "قد لا تكون برمنغهام أجمل مكان على وجه البسيطة، لكنّني أحبُّ حياتي فيها. فهي مدينة متوازنة بشكلٍ جميل ولا تبعد كثيراً عن الرّيف، بعكس لندن".

يُدرك فابيان تمام الإدراك غياب التنوّع العرقي في أوساط الأطباء البيطريين، بالمقارنة تحديداً مع أطباء الأسنان والأطباء الآخرين. "تلقّيتُ تعليقات "مزعجة" من بعض العملاء. كانوا ينظرون إليّ أحياناً وكأنني وجه جديد من وجوه الحداثة". فابيان اليوم عضو فاعل في "الجمعية البريطانية للتنوّع والإثنية في الطب البيطري" (British Veterinary Ethnicity and Diversity Society) التي تسعى خلف تقدير من "الكلية الملكيّة للجراحيين البيطريين" (Royal College of Veterinary Surgeons) وتبذل قصارى جهدها لمعالجة مروحة واسعة من القضايا العالقة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: غياب القدوة الحسنة والتغلّب على الجهل العنصري في كثير من المجتمعات الريفية، ومنح الشّباب في المدن فرصة الحصول على التّدريبات التطبيقية اللازمة.

لدى فابيان موقع إلكتروني خاص به واسمه: "Dready Vet" (بما معناه: "بيطري خائف"). وهو إذ يُديره بنفسه، يحرص على أن يكون منصة مفتوحة لمناقشة حالات فردية أو شاملة لها صلة بالذبح والتغذية النباتية الصرفة ورعاية الحيوان. بالنسبة إلى فابيان، ثمة حاجة ملحّة لتجاوز الحواجز البنيوية التي تشوّه المشهد العام داخل المهنة نفسها وخارجها. وربما تكون القدوة الحسنة مهمة في حياة المرء، لكنّها لا تنفي الحقيقة القائلة إنّ "النجاح حالة فردية فيما الإخفاق قاعدة عامة. ولو كان هناك أنظمة دعم فعالة وفاعلة، لكانت حالات الفشل أقل بكثير. صحيح أنّ الموهبة موزّعة على الجميع بالتساوي، لكنّ الحاجة إلى أنظمة دعم لا تزال قائمة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لطالما كان الطب البيطري طموح فابيان في الحياة. "إنه مهنة رفيعة المستوى خصوصاً في هذا البلد الذي يزخر بمحبّي الحيوانات"، يقول فابيان. وبما أنّ أكثرية البيطريين الرّسميين العاملين في المجالات الأقلّ جاذبية، كسلامة اللحوم والحليب والمسالخ ومعامل تصنيع الحليب، يتفرّعون من بلدان الاتحاد الأوروبي لا من المملكة المتحدة، يُعرب فابيان عن خوفه على قطاع التغذية وصناعة المنتجات اللبنية لو استمرت بريطانيا في مساعيها لتحقيق بريكست صعب.

في غضون الـ25 سنة الماضية، حقّقت مجتمعات الأقلية في برمنغهام نتائج أفضل على مستوى الشهادة العامة للتعليم الثانوي وزاد اهتمام جامعاتها بمواكب المواهب التي تسير نحوها وتطرق أبوابها طلباً للعلم. وتأتي في طليعة هذه الجامعات: "جامعة أستون" التي يتحدّر أكثر من نصف طلابها، ومعظمهم من السّكان المحليين، من خلفيات سوداء وآسيوية وأقليات مختلفة؛ وهذه النسبة هي الأعلى بين الجامعات البريطانية جمعاء.

وآمنة هي فتاة باكستانية من الجيل الثالث وُلدت وترعرعت في برمنغهام. وصل جدّاها إلى هنا من روالبيندي منذ ستين عاماً تقريباً. تعيش آمنة مع والدتها وأشقائها الثلاثة في الحي الآسيوي الكبير في "هودج هيل" شرقي برمنغهام. هي حالياً طالبة في علم الاجتماع ورئيسة الاتحاد الطلابي في الجامعة التي تدرس فيها. أثناء لقائي بها، تصطحبني بكلّ فخر في جولةٍ استطلاعية على مقرّ الاتحاد الجديد المجهّز بصفائح شمسيّة وحمامات غير جنوسية وغرف مخصّصة لصلاة المسلمين وتقديم النّصح وخدمات الصحة النفسية، فضلاً عن مرافق بث إذاعي وبودكاست ومساحات متعددة الأغراض للرقص والمسرح.

لا تُعبّر آمنة عن معتقداتها من خلال طريقة لبسها بل من خلال تصرفاتها والقيم التي تعتنقها. يحتلّ الدين حيّزاً مهماً من هويّتها؛ وبالنسبة إليها، العنصر الأهم في الدين هو الاضطلاع بمسؤولية احترام الآخر والعطف على الآخر. لدى آمنة أصدقاء مثليّ الجنس. "عليك أن تحترمهم، تقول لي، "فهم غير قادرين على تغيير ما هم عليه". قد تحظى وجهة نظر آمنة هذه بموافقة أشقائها الثلاثة، ولكنها لن تحظى بموافقة كثيرين في مجتمعها الضيّق، "بمن فيهم عمّاتها وخالاتها وأعمامها وأخوالها، إذ أكثر ما يخشاه هؤلاء في حياتهم هو اعتراف أحد أبنائهم أو بناتهم بأنه (أو أنها) "مثليّ(ـة) الجنس"." آمنة سعيدة بمواعدة شباب غير مسلمين، لكنّها صاحبة مبدأ ولديها حدود، أي أنها لو أرادت أن ترتبط بعلاقة طويلة مع أحدهم بنيّة الزواج، فإنها تتوقع من هذا الأخير أن يتبنى ديانتها.

وما جذب آمنة إلى "جامعة أستون" هو انفتاحها وتنوّعها. "أردتُ أن أختلط بالناس على نطاق أوسع مما كنت قادرة عليه في "هودج هيل". ومن خلال دوري كرئيسة للاتحاد، أنوي تغيير تجربة الطلاب للأفضل". ومن هذا المنطلق، دأبت آمنة وزملاؤها على تحويل الاتحاد إلى مساحة متعددة الثقافات ومريحة حيث يُمكن للناس أن يختلطوا بعضهم ببعض بكلّ سهولة. "اتحادنا هو قلب الجامعة ونحن نروّج له على أنه منزل كلّ طالب بعيداً عن المنزل. أبوابه مفتوحة للجميع بغض النظر عن خلفياتهم. لطالما كان هذا هو هدفنا وهذا ما نفعله الآن".

على مدى الصّيفين الماضيين، أثبتت الرياضة الإنكليزية أنّها أقوى وأكثر انفتاحاً وتقبّلاً للأشخاص متعددي الأعراق. لكنّ الرياضة ليست المجال الوحيد، والروايات أعلاه خير دليل على الدور الذي بات يضطلع به المهاجرون من الجيلين الثاني والثالث والمساهمات التي يقومون بها لتغيير وجه الأعمال والخدمات العامة والمهن في برمنغهام. في الوقت الحاضر، التقدّم منوّع لكنّه حقيقي. وقد لا يكون السكان الأصليون ممنونين له، ولكنّه واقع الحال الذي يفرض نفسه عليهم. زينب في دورها كشرطية وفابيان بممارساته البيطرية وآمنة بشعرها الأسود الطويل – المصبوغة أطرافه باللون الزهري – والمنسدل على كتفيها، هم النقيض التام لكلّ ما يُنادي به سكرتن وموراي؛ هم الوجوه الواثقة للمدينة الحديثة في بلدٍ متغيّر.

يُذكر أنّ أسماء بعض الشخصيات المذكورة قد تغيّرت لغاية هذا المقال.

جون بلومفيلد هو مؤلف كتاب "مدينتنا: المهاجرون وإنشاء برمنغهام الحديثة" (Our City: Migrants and the Making of Modern Birmingham) الصّادر عن دار "أنباوند" (Unbound) للنشر والمتوفّر في المكتبات وعبر الإنترنت بـ18.99 جنيهاً استرلينياً.

© The Independent

المزيد من دوليات