لمَ لا تُعبّر الأفلام البريطانية عن غضبٍ أكبر إزاء أحوال البلد؟

عن عالم الفن السّابع: منذ جيلٍ مضى، كانت الأفلام البريطانية على غرار فيلم "أرواح الشّباب المتمردة" (Young Soul Rebels) لإيزاك جوليان الذي يُعرض حالياً في "معهد الأفلام البريطاني" (BFI)، تجسيداً حيّاً لمرحلة غنيّة بصناعة أفلام جدليّة وناشطة

مو سيساي بدور كاز في فيلم اسحاق جوليان "أرواح الشباب المتمردة" (عن بي أف أي)

أين هي أفلام بريكست؟ لعلّ أحد أكثر العناصر المُثبطة للمعنويات في صناعة السينما البريطانية حالياً هو فشلها شبه التام في التّطرق إلى صعوبات الحياة العصرية البريطانية وأزماتها. وإذا ما استثنينا كين لوش، قلّة قليلة جداً من المخرجين، الشّباب والكبار في السنّ على السّواء، يتجرأون اليوم على صناعة أفلامٍ تسبر أغوار التوترات والمظالم المعششة في مجتمعنا أو تسخر ببشاعة من تخبّط بريطانيا في مسيرة بحثها عن علامات الخروج من أوروبا.

"لم أرَ فيلماً مهمّاً عن بريكست بعد. لا أشعر أنّ السّينما البريطانية تتطرّق إلى الأوضاع الرّاهنة بأيّ طريقة مثيرة من الطّرق"، لفت مؤخراً كاتب السّيناريو والرّوائي حنيف قريشي (من أبرز أعماله: "مغسلتي الجميلة"(My Beautiful Laundrette)  و"سامي وروزي يفعلانها" (Sammy and Rosie Get Laid).)

ومن بين الأفلام المعروضة في صالات لندن هذا الشّهر، فيلم واحد فقط يُعالج قضايا العنصريّة والقوميّة والصّراع بين الطّبقات والأجيال عن طريق شخصيّات منوّعة من مُجَّان وحليقي رؤوس واسكتلنديين مخمورين وموزّعي موسيقى روحيّة وقتلة ورجال شرطة منحرفين وإعلاميين حقيرين. كان من الممكن لهذا الفيلم أن يكون أصدق تعبير عن بريكست لو لم تكن أحداثه انعكاساً للعام 1977 (عام اليوبيل) ولو لم يصدر عام 1991. والفيلم المقصود بكلّ هذا الشرح هو فيلم "أرواح الشباب المتمرّدة" لإيزاك جوليان الذي يُعرض حالياً في "معهد الأفلام البريطاني" كجزء من سلسلة "التسعينات" (Nineties) – سينمائيّون شباب متمرّدون يحتفلون بـ"الأفلام التلفزيونية والسّينمائية التي شكّلت حالةً إبداعية متفجّرة إبان تسعينيات القرن الماضي".

وربما ليس من قبيل المصادفة أن يكون عهد ثاتشر زاخراً بصناعة أفلامٍ جدليّة وناشطة في بريطانيا. وإن كان على فيلم جوليان الآنف الذكر، فقد صادف صدورُه أواخر أيام ثاتشر في الحكم؛ ورغم ذلك، لم تنقصه الطاقة والغضب والاستخفاف التي ميّزت عدداً كبيراً من الأفلام البريطانية في تلك الحقبة.

"كانت ثاتشر هدفا رائعا للتمرد"، يقول قريشي متذكّراً، "هي التي خلقت جدار الغضب الذي انبثق عن ثقافة الشّباب البريطاني... كانت رائعة ومحفّزة جداً. في عهدها، كانت كراهيّتنا مجدية وفي محلّها."

وفي مقالٍ كتبه عام 1988، وصف قريشي إنكلترا على أنّها "مكان مزرٍ وبشع وغير مريح... قل حفرة سلطويّة قذرة وضيّقة الأفق ومعادية للمثليين وعنصرية ومتزمتة تُديرها مجموعة من الأميين الماديين خبثاء وضيقي الأفق." وربما يكون قد أضاف إلى عبارته أنّ البيئة بالتالي كانت مثالية لصناعة الأفلام.

صدّقوا أو لا تصدّقوا، إنّ الشّعور المعادي لثاتشر هو الذي حثّ مختلف صنّاع الأفلام على التحرّك.

فكانت المقاربة المباشرة والشّجاعة لأفلام آلن كلارك التلفزيونية والروائية، على غرار أفلام "حثالة" (Scum) (1979) و"صُنع في بريطانيا" (Made in Britain) (1982) و"الشركة" (The Firm) (1989) التي تناوبت على تصوير الأحداث وحليقي الرّؤوس ومشاغبي كرة القدم بأسلوبٍ سريع تملؤه طاقة صاخبة غير موجودة في معظم أفلام ثقافة الشباب البريطاني اليوم. وبفضل أفلامه هذه، استطاع كلارك أن يُسلّط الضوء على مواضيع تعكس واقع حياة أبطاله الجانحين والحانقين ويضمن أدواراً محترمة لراي وينستون وتيم روث وغاري أولدمان وسواهم من الممثلين الشّباب حينها.

وكان فيلم "الأخيرون من إنكلترا" (The Last of England) الذي صوّره ديريك جارمان بكاميرا 8 ملم، أكثر تكاملاً وارتباطاً بالفن من أسباقه، لكنّه كان بدوره تعبيراً صارخاً عن الغضب والسّخط حيال أوضاع البلاد الناجمة عن ممارسات ثاتشر في الحكم.

وفي تلك الآونة، كان جوليان جزءاً من حركات ثقافية وأخرى خاصة بصناعة الأفلام، مثال "روك ضدّ العنصرية"(Rock Against Racism)  و"سانكوفا فيلم أند فيديو كوليكتيف"(Sankofa Film and Video Collective). وبوصفه شاباً ملولاً وغريباً، أسود البشرة ومثليّ الجنس من شباب لندن، فقد رأى في صناعة الأفلام وسيلةً للإضاءة على العنصرية والمظالم من جهة، وتحدّي الأفكار النّمطية لوسائل الإعلام، من جهة أخرى.

يُمكن القول إنّ أفلام تلك الحقبة كانت تُؤثّر في ناسها حسب مواقف النّقّاد والمعلّقين منها. فالمؤرّخ نورمان استون (الذي تُوفّي في وقتٍ سابق من العام الجاري) مثلاً، وجّه لفيلم "سامي وروزي يفعلانها" وسواه من الأفلام المعادية لثاتشر نقداً ساخراً ولاذعاً إلى حدٍّ استثنائيّ في صحيفة "صنداي تايمز" (Sunday Times). وفي إطار مقالاته النقدية، لم يتردد استون بوصف تلك الأفلام بـ"المهينة وعديمة الفائدة" والمثيرة للـ"اشمئزاز والإزدراء، مقترحاً منح البعض منها جوائز خاصة لـ"كونها مقرفة عموماً". ومن وجهة نظر جمهور الشّباب آنذاك، كان لمثل هذه الملاحظات مصداقية وأهمية بقدر أيّ تقييم آخر من فئة الخمس نجوم.

الحقيقة أنّ أحداً لم يُدرك أنّ أفلاماً بريطانية كهذه بميزانية منخفضة قادرة على إثارة هذا الكم الهائل من السّخط إلا بعد فوات الأوان. فمن خلال تعرّضه لها بأسلوبه الخرطوشي الحادّ، أقرّ استون بقدرتها على التأثير وأكّد انخراطها في النّقاش العام على نحوٍ لا يليق اليوم إلا بعددٍ قليل جداً من الأفلام البريطانية. ومن هذا المنطلق، يُمكن القول إنّ مخرجي تلك الأفلام نجحوا فعلاً في الضّرب على الأوتار الحساسة التي كانوا يستهدفونها.

وفي مقابل ردود الفعل اللاذعة، كانت هناك ردود فعل إيجابية استحقّ فيلم "أرواح الشّباب المتمردة" على أثرها جائزة النّقاد في "مهرجان كان السينمائي". ورغم ذلك، استمرت أكثرية الصّحافة البريطانية في تجاهله. وفي ما يلي عيّنة صغيرة على الانتقادات السّلبية التي طالت الفيلم: "مبتذل وغير مفهوم"؛ حقير"؛ "أداء ممثليه أقل من المستوى".

من الواضح أنّ لدى جوليان ما يُثير انزعاج النقاد وحفيظتهم، إذ بدا الأمر وكأنّهم لا يريدون له النّجاح.

ومثل جوليان، واجه قُريشي مواقف عدائيّة حين كان يُخرج فيلم "لندن تقتلني" (London Kills Me) لشركة "ووركينغ تايتل" (Working Title) عام 1991. وكان الفيلم آنذاك يُعالج موضوعي التشرّد وتعاطي المخدرات بأسلوبٍ يُحاكي واقع المعنيين بهما. لكنّه لم ينل إعجاب النقاد الذين استخفّوا به ومن بينهم النقاد الذين كانوا قد أثنوا بسخاء على فيلم قريشي السابق "مغسلتي الجميلة".

وهنا يتحدّث جوليان عن لقاءٍ جمعه بقريشي في مطعم في لندن بعد وقتٍ قصير على صدور "أرواح الشباب المتمردة" و"لندن تقتلني" في دور السينما وصالات العرض. "كنّا نُضمّد جراحاتنا (سائلين) واحدنا الآخر عمّا يجري في قطاع صناعة الأفلام وما الخطأ في الاستجابة الصحافية للأعمال الفنية. فنحن لم نصدّق أنّ أعمالنا سيئة بقدر ما يصفونها. كنّا أكيدين أنّ هناك شيء آخر يحصل"، على حد تعبير جوليان الذي يُرجّح أن يكون للأمر علاقة "بتشكيك النّاس في مقدرة أصحاب البشرة السوداء على الكتابة. كان هناك خلاف عام وهذا الخلاف لم يزُل أبداً."

والملفت أنّ أياً من قريشي أو جوليان لم يُخرج أفلاماً درامية ثانوية. فكلاهما كان يطمح لأن يكون في مقدّمة الموجة الجديدة من صنّاع الأفلام من الآسيويين البريطانيين وأصحاب البشرة السوداء، ولكنّ هذه الموجة لم تدم طويلاً وسرعان ما فقدت زخمها. لكنّها تركت لقريشي وجوليان مسيرة مهنية لامعة لا تمتّ بصلة لإخراج الأفلام الروائية المهمة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.

وفي مرحلة ما بعد عهد ثاتشر، فقدت السّينما البريطانية تدريجياً صلتها الواضحة بالأحداث وقدرتها على إثارة الجدل. وفي الفترة الممتدة بين منتصف تسعينيات القرن الماضي وأوائل القرن الحالي، صدرت أعمال على غرار "تراينسبوتينغ" (Trainspotting) و"أسرار وأكاذيب" (Secrets and Lies) و"ابني المتعصّب" (My Son the Fanatic) و"صائد الجرذان" (Ratcatcher) من بين أفلام ناجحة أخرى، ناهيك عن عدد لا يُستهان به من أفلام العصابات والمسلسلات الشاعرية المموّلة باليانصيب. في تلك الفترة كانت شركة "ووركينغ تايتل" تُنتج أفلاماً على شاكلة "يوميات بريدجيت جونز" (Bridget Jone’s Diary) و"نوتينغ هيل" (Notting Hill)، لا على شاكلة "لندن تقتلني" أو "مغسلتي الجميلة". فالاهتمام بالسّينما والتعويل عليها كوسيلة للتعامل مع القضايا السياسية والاجتماعية تضاءل عمّا كان عليه منذ سنوات؛ ولم يعد أحد يُنتج أفلاماً بقساوة أفلام آلن كلارك أو بجرأة ووقاحة "سامي وروزي يفعلانها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"ولعلّ موسيقى السّود أو الموسيقى الحضرية أو الهيب هوب أحد أبرز الأمور التي لمعت في بريطانيا منذ الحرب، ومع ذلك لا نرَى أي أثرٍ لها في السينما البريطانية"، يذكر قريشي لافتاً إلى وجود ثغرة لم تقوَ حتى أفلام العصابات، أمثال فيلم "ياردي" (Yardie) من إخراج إدريس إلبا، على رأبها سوى جزئياً.

 لسوء الحظ، قطعت السّينما البريطانية علاقتها بجمهور الشّباب ولم يعد المؤلفون والمخرجون اليافعون أمثال قريشي وجوليان، يصنعون أفلاماً تُهاجم وتستهزئ بالسّياسيين الذين يديرون دفّة الدولة على هواهم. ومن الأفلام البريطانية المعاصرة التي ارتقت مؤخراً إلى مستوى "حثالة" و"صُنع في بريطانيا"، سلسلة أفلام "ذا إن بيتوينرز" (The Inbetweeners) الكوميدية – مع أنّ فكاهتها المراهقة لا تنطوي على أبعاد سياسية من أي نوع.

وعن الأفلام البريطانية المستقلّة، أفاد تقرير "معهد الأفلام البريطاني" العام الفائت أنّ "أفلام المملكة المتّحدة المستقلّة مهمة، إذ لها القدرة على التّرويج لطريقة عيشنا المتنوّعة والصّاخبة والتأثير في نظرة العالم إلينا عبر قصص تحتفي بثقافة بريطانيا وأفكارها وتدفع بصادرات البلاد قدماً. لكن المشكلة أنّ شباب هذا العصر أقل ارتباطاً وتعلّقاً بها". بصريح العبارة، لم تعد السينما البريطانية تعني لجمهور الشباب، فهو لا يشاهد أفلامها ولا ينظر إليها كوسيلة نافعة للتعبير عن أي شيء مهم يخصّ حياته.

لا يسع أي أحد منا أن يدّعي بأنّ الأفلام التي أغضبت نورمان استون، حطّمت أرقاماً قياسية على شباك التذاكر (رغم النّجاح الذي حقّقه فيلم "مغسلتي الجميلة"). لكنّ تلك الأفلام "السّقيمة"، إذا صحّ التّعبير، تنطوي على طاقة منحرفة وموضوعية غير موجودة ببساطة في السّينما البريطانية اليوم.

(يُذكر أنّ فيلم "أرواح الشّباب المتمرّدة" لأيزاك جوليان يُعرض يوم 14 أغسطس (آب) في قاعة "معهد الفيلم البريطاني" في ساوث بانك)

© The Independent

المزيد من ثقافة