ينبغي ان تصرخ الملكة كي تحمي الدستور من بريكست... فالهمس لايجدي

بإمكانها أن تضع حداً لهذا الجنون إن أبلغت رئيس الوزراء رفضها القاطع لتوجيه إساءة من هذا النوع للديمقراطية

الملكة اليزابيت لدى استقبالها رئيس الحكومة الجديد بوريس جونسون في قصر باكينغهام في لندن يوليو2019 (رويترز)

 ليست الاتهامات باقتراف جرائم خطيرة أمرٌ جديد بالنسبة للملكة.  حتى أن ليندون لاروش، وهو مساعدٌ لنيكسون قضى عقوبة بالسجن وكان ترشّحه الدائم للرئاسة محل استهزاء، قد اتهمها بالوقوف وراء تجارة المخدرات العالمية.

كما اتهمها كثير من أصحاب نظريات المؤامرة بالتخطيط لاغتيال الأميرة ديانا، وسيأتي غيرهم ليتهمونها أيضاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بتدبير وفاة جيفري إيبستاين من أجل حماية الأمير آندرو، إن لم يكونوا قد بدأوا فعلاً بذلك.

 ومع أننا نستطيع أن نعزو النظريات السابقة إلى المخيلات الخصبة، أرغب اليوم بزرع بذرة نظرية مؤامرة إجرامية جديدة وضعتها بنفسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لو اعتبرنا أنّ بوريس جونسون يستوعب حجم المخاطر التي ينطوي عليها تجاهل تصويت يحجب عنه الثقة، وإن لم تطرده الملكة من رئاسة الوزراء، فستكون مذنبة بجريمة القتل غير العمد نتيجة لإهمالها الشديد لبلادها.  

لايكاد الكلام الذي نسمعه عن وجوب ترّفع الملكة عن السياسة كي تحمي نزاهة نظام الملكية الدستورية  يتوقف. ولاشك أن تشارلز الأول، الذي كان  آخر ملك تدخل في عمل البرلمان، قد دفع هو والملكية ثمناً باهظاً جرّاء هذا التدخل، فهو أُعدم وهي باتت دستورية.

ولكن في الحقيقة، حين يناسبها أن تنزل من علياء حيادها، لا تنأى الملكة إليزابيث الثانية عن السياسة كما يقال لنا. في العام 2014، وفي ملاحظة متعمدة أُريد لها أن تبدو عفوية وأن تصل إلى المسامع بالصدفة، وجّهت الملكة كلامها إلى جمهور الناخبين في استفتاء اسكتلندا بشأن الاستقلال. فقد عبّرت لأحد المهنئين خارج كنيسة على مقربة من قصر بالمورال في اسكتلندا، عن أملها بأن "يفكّر (الاسكتلنديون) مليّاً في مستقبلهم". وأٌفيد أنّ النبأ أسعد ديفيد كاميرون بعد اختباره فترة من الذعر بسبب التصويت آنذاك.    

 وها هي الملكة قد عادت مجدداً إلى قصر بالمورال في وقت يحتل فيه منصب رئاسة الوزراء شخص آخر انتسب إلى نادي بالينغدون الحصري لطلاب جامعة أكسفورد الذكور،من المحافظين خصوصاً، والذي عُرف عن أعضائه رمي أرغفة الخبز وإثارة الفوضى. لكن الوضع اليوم يختلف من جهات أخرى.

أول الاختلافات هي أنّ رئيس الوزراء لا يكافح من أجل إبقاء اسكتلندا ضمن المملكة المتحدة. فحلف جونسون ودومينيك كامينغز، اللذان سنطلق عليهما من الآن فصاعداً الاسم المركّب الأنيق: بامينغز، يسعى وفق خطة مصممة بدقة إلى إجبار البلاد على الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون صفقة. ومن ناحية أخرى، يهدد بامينغز بالانقلاب على الدستور شبه الغائب والضعيف أبداً الذي وُجدت الملكة كي تحميه، قبل أي شيء آخر.

 نشرت جريدة "ذا صانداي تايمز" على صدر صفحتها الأولى ما يمكن اعتباره تدخلاّ ملكياً آخر. فمع تزايد المخاوف بتورطها في الأزمة القادمة بسبب سياسة الأرض المحروقة التي يتبناها بامينغز، ارتأى أحدهم تسريب خبر عدم رضى الملكة عن الطبقة السياسية الحالية وعن فشلها في الحكم.

حللتِ،  جلالتك، أهلاً ووطئتِ سهلاً في عالمنا. يمكن للمرء أن يعلّق بسخرية على الخبر فيقول "أحقاً؟". لكن بدل إضاعة الوقت في التعليق على تأخرها في الإنضمام إلى هذا الجمع، أو في اليقظة، علينا أن نحتفل بمقدمها ولو كان متأخراً.

وإن كانت عازمة على التصرف أساساً، فما الذي تنوي فعله إزاء فشل حكومتها الذريع إجمالاً، وبالتحديد إزاء خطر تجاهل بامينغز التصويت بحجب الثقة، وإرجاء الانتخابات إلى ما بعد عيد هالوين، وفرض الخروج المميت من دون صفقة على برلمان وشعب رافضين له؟ 

يمكنها أن تضع حداً لهذا الجنون، إن أوضحت لجونسون خلال لقائهما التالي رفضها القاطع لتوجيه إساءة من هذا النوع للديمقراطية، وقالت له إنها ستكلف شخصاً آخر تشكيل الحكومة في حال بدرت عنه أي إشارة بالتشبت بموقعه رغم حجب الثقة عنه.

لكنها غير مضطرة للانتظار إلى ذلك الحين. فمجرّد تسريب خبر جديد ذكي سيأتي بالنتيجة نفسها. وحتى بامينغز ليس بالغرور الكافي لفتح جبهة مع الملكة التي ليس من الممكن أن تُقاوم بسبب سلطتها المبنية على شعبيتها الضخمة أكثر من أوهام دورها الدستوري.  

 تعيش الأنظمة الملكية وتموت وفقاً لقدرتها على التكيّف مع الزمن.  وجدت الملكة نفسها على قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في أتون الكارثة في الأيام التالية لوفاة الأميرة ديانا لأنها رفضت التكيّف مع الحدث. ولكن عندما هدّدها السخط العام إزاء لا مبالاتها الواضحة، تأقلمت مع متطلبات اللحظة فتركت قصر بالمورال متوجهة إلى لندن وقضت على هذا الخطر من خلال بث كلمة اتسمت بالحكمة عبر التلفزيون.

  لا يهدد الخطر الحالي الملكية بشكل مباشر. إنما يوجّه سهامه نحو الديمقراطية بحد ذاتها. ولكن إن بلغ السيل الزبى، وإن حاول حلف بامينغز بالفعل السير قدماً نحو الخروج من دون اتفاق متحدياً كل الأعراف ومن دون أية صلاحيات تخوله ذلك، لا بد أن يُطرح السؤال التالي : ما نفع الملكية الدستورية إن رفضت الملكة الدفاع عمّا يعتبر الدستور؟

ولن يطول الأمر قبل أن يطرح السؤال اللاحق وهو: ألن نشعر بمزيد من الأمان إذا انتخبنا رئيساً يتمتع بصلاحيات رسمية تجيز له التدخل في حالات الطوارئ، إذا اعتدت، أو حين تعتدي، أي حكومة على الديمقراطية ؟  

 في خضم التذبذبات التي تلامس حالة الفوضى التامة، يجب ألا تعتبر أية مؤسسة نفسها بمأمن عمّا يحيطها. يمكن أن ينهار الاتفاق السياسي الذي دام قروناً خلال الأشهر القليلة المقبلة، وحين يهوي أحد المؤسسات القديمة، لا شك أن أصداء انهياره ستتردد لتلحق الأذى بغيرها حسبما تقول نظرية الدومينو.   

تروج على نطاق واسع حالياً أنباء حول تآمر بعض الشخصيات الغامضة داخل القصر والحكومة لإبعاد الملكة ومنعها من أي تدخل مباشر. 

يشكّل التدخل السياسي أكبر خطر على الملكية بحسب العرف السائد. ولكن يوافق بامينغز بالطبع بأن لا مكان للتفكير التقليدي في هذا الزمن. ويكمن الخطر الحقيقي على الملكية الآن في الوقوف موقف المتفرج وإتاحة الفرصة أمام الحكومة كي تتصرف بازدراء حيال الديمقراطية كما لوكانت حكومة طغمة عسكرية. 

راكمت الملكة رصيداً سياسياً ضخماً على امتداد 67 عاماً بالكاد خرجت خلالها عن صمتها. عليها أن تنفق هذا الرصيد لحمايتنا من إدارة أشبه بالعصابة. "أمتلك صوتاً!" هذا ما صاح به والدها الملك جورج السادس في وجه معالج النطق ليونيل لوغ في فيلم "خطاب الملك". تملك الملكة أيضاً صوتاً وعليها التفكير في استخدامه قبل فوات الأوان.

© The Independent

المزيد من آراء