لماذا يختزل دونالد ترمب أزمات الاقتصاد الأميركي في سياسة البنك المركزي؟

مؤشرات سلبية على زحف ركود كبير إلى السوق... والإنتاج الصناعي يتراجع وعائدات السندات تهوي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الإعلان عن جيروم باول كمرشح لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، 2 نوفمبر 2017 (أ.ف.ب.)

على الرغم من جملة المشاكل والأزمات التي تنتظر اقتصاديات العالم، والتي بدأت مؤشراتها تلوح في الأفق القريب، يشير الهجوم المتكرر والعنيف من قبل الرئيس الأميركي على مجلس الاحتياطي الاتحادي "البنك المركزي" إلى أن دونالد ترمب اختزل كل المشاكل والأزمات في عدم اتجاه "المركزي الأميركي" إلى خفض أسعار الفائدة والتدخل في سعر صرف الدولار "القوي".

وحديثا، لم يُجرَ تدخل رؤساء دول في سياسات البنوك المركزية إلا في حالتين، الأولى في حالة هجوم الرئيس الأميركي على مسؤولي البنك المركزي الأميركي، وأيضاً في تركيا بعد هجوم رجب طيب أردوغان على المصرف المركزي، وإقالة رئيسه السابق خلال الفترة الماضية.

لكن يبقى السؤال: لماذا يختزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب المشاكل والأزمات التي يواجهها اقتصاد الولايات المتحدة في تحركات وسياسيات البنك المركزي الأميركي، وهل انصياع قادة البنك المركزي لتعليمات "ترمب" بخفض سعر الفائدة والتدخل في إضعاف الدولار "القوي" سيحل الأزمات التي تنتظر الاقتصاد الأميركي مع موجة التباطؤ في معدلات النمو العالمي التي تتحدث عنها الوكالات والمؤسسات الدولية؟

الرئيس الأميركي يواصل انتقاد البنك المركزي

قبل يومين، واصل ترمب انتقاده للاحتياطي الفيدرالي، مطالباً بخفض سريع لمعدلات الفائدة مثلما كان البنك المركزي يرفعها بسرعة. وقال في تغريدة عبر موقع تويتر "الاحتياطي الفيدرالي تحرك بمنتهى السرعة عندما رفع معدلات الفائدة في السابق، لكنه الآن متأخر جداً في خفضها".

وفي وقت سابق من هذا الشهر، حث الرئيس الأميركي البنك المركزي على خفض معدلات الفائدة بمقدار نقطة مئوية كاملة.

وأضاف "حتى الآن، تم فرض تعريفات جمركية على المنتجات الصينية بقيمة 300 مليار دولار، لكن لا يمكنك أن تخبرني أن هذا قد أضرّ باقتصادنا، وهو في الحقيقة لم يؤدِ إلى أي نوع من الارتفاع الكبير في الأسعار".

وتأتي تعليقات ترمب في الوقت الذي تعاني فيه البورصة الأميركية من خسائر حادة مع مخاوف حدوث ركود اقتصادي بالولايات المتحدة. وكان الاحتياطي الفيدرالي قد خفض معدل الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في الشهر الماضي، وذلك للمرة الأولى في 10 سنوات.

رؤساء بنوك يدافعون عن رئيس البنك المركزي الأميركي

وفي مقال تحليلي نشرته وكالة "بلومبيرغ أوبنيون"، دافع 4 رؤساء سابقين للبنك المركزي الأميركي عن جيروم باول، الرئيس الحالي للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ضد الهجوم العنيف والمتكرر من قبل الرئيس الأميركي.

وقال كارل سميث، وهو أحد الرؤساء السابقين للبنك المركزي الأميركي، إن رؤساء الفيدرالي السابقين منحوا بهذا الدفاع رئيس البنك المركزي الأميركي الحالي جيروم باول حماية لا تقدر بثمن لتوفير الدعم للاقتصاد الأميركي الذي عصفت به الحرب التجارية للرئيس دونالد ترمب.

وذكر التقرير أنه على الرغم من ذلك، فإن "باول" لا يزال محاصراً، حيث إن المدرسة النقدية في الاقتصاد تنصحه بخفض معدلات الفائدة بشكل حاد لتصبح قريبة من الصفر، لتجنب مخاطر حدوث ركود اقتصادي بدأت ملامحه في الظهور بالفعل وفق البيانات الرسمية الأميركية الحديثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتناول رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الأربعة السابقين تلك المسألة في صدر الصفحة الأولى لصحيفة "وول ستريت جورنال"، كما أن جانيت يلين، الرئيس السابق للفيدرالي، كانت قد دعت إلى تخفيضات سريعة لمعدلات أسعار الفائدة.

وأسباب الحاجة لخفض الفائدة تتمثل في تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، كما أن الاقتصاد الأميركي هدّأ من وتيرته السريعة خلال العام الماضي، إلى جانب معدل التضخم المنخفض، والأهم أن حرب ترمب التجارية تخلق حالة عدم يقين ضخمة. وفي مثل تلك البيئة فإن التصرف الحكيم الذي يجب القيام به هو خفض معدلات الفائدة حتى قبل ظهور أول إشارة على الركود.

وبالفعل، فإنه حينما تكون معدلات الفائدة على بعد نقاط مئوية قليلة من الصفر، كما هو الحال الآن، فإن النظرية الاقتصادية تقول إنه يتعين على الفيدرالي خفض معدلات الفائدة أسرع مما كان يمكن القيام به في حال اختلاف الأمر، لأن المخاطر تكون حينها غير متناسقة.

ما هي مخاطر الخفض السريع لأسعار الفائدة على الاقتصاد الأميركي؟

في المقابل، ووفقاً لرؤية "بلومبيرغ أوبنيون"، فإنه وإذا كان الاحتياطي الفيدرالي سريعاً في عمليات خفض معدل الفائدة، فإنه يخاطر بتحفيز الاقتصاد حتى لو كان أي ضعف بمثابة أمر مؤقت، وفي تلك الحالة فإن البنك يمكنه عكس الاتجاه ورفع معدلات الفائدة إلى مستويات أعلى حتى مما كانت موجودة من قبل، وحينها يمكن تهدئة الاقتصاد ويتحول التضخم من جديد إلى مستهدف الفيدرالي.

ولكن في حالة إن كان البنك المركزي الأميركي متردداً للغاية في مسألة خفض معدل الفائدة، فإنه يخاطر بالتراجع أدنى المنحنى، أي أقل مما يتطلبه التضخم، ومحاولة إنعاش الاقتصاد الذي يتهاوى بالفعل نحو الركود. وفي تلك الحالة ستظهر الحاجة إلى خفض معدلات الفائدة بأكثر من المتوقع، ولكن معدلات الفائدة لا يمكنها أن تتراجع أدنى مستوى الصفر، وعليه فإن الفيدرالي قد يحتاج إلى اللجوء إلى التيسير الكمي أو إلى تدابير أقل فهماً لتحفيز الاقتصاد.

وهذا هو نفس الموقف الذي تعرض له الفيدرالي الأميركي بعد انتهاء الكساد الكبير، والذي يفسر لماذا لم يبدأ الاقتصاد في النمو بالفعل مجدداً إلا في 2011، رغم أن الكساد انتهى فعلياً خلال العام 2009.

وأشار التحليل إلى أن "باول" يدرك كل هذا، لكن الحرب التجارية تجعل أي شيء يفعله محفوفاً بالمخاطر،

واشتكى "ترمب" مراراً وتكراراً من أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي لا يساعده في شن حروب تجارية. ونظرياً، يمكن لمجلس الاحتياطي الفيدرالي القيام بذلك عن طريق خفض معدلات الفائدة وبالتالي إضعاف الدولار، حيث إن ضعف العملة يجعل الصادرات الأميركية أكثر قدرة على المنافسة وجعل تعريفة الرئيس أكثر إيلاما بالنسبة إلى الصين.

والأمر يزداد سوءاً، حيث إنه إذا خفض الفيدرالي معدل الفائدة الآن، فإنه سيبدو في مظهر المحاول لدعم الاقتصاد قبيل الانتخابات الرئاسية، والأدهى من ذلك أن الرئيس الأميركي يطارد الفيدرالي منذ توليه المنصب تقريباً لخفض معدل الفائدة، وإذا قام "باول" بذلك فإنه قد يعرّض البنك لاتهامات بأنه يقوم بذلك لمصلحة الرئيس الأميركي.

وهذا نوع من التحايلات تشتهر به البنوك المركزية التي تقع تحت ضغوط محاولة إرضاء السياسيين، حيث تبالغ في تحفيز الاقتصاد قبل الانتخابات مباشرة لمساعدة الحزب الحالي على البقاء والاستمرار في السلطة. لكن في كل مرة يفعلون ذلك، يرتفع التضخم إلى مستويات أعلى حتى يصبح في نهاية المطاف خارج نطاق السيطرة.

ومثلما ذكر رؤساء الفيدرالي الأربعة، فإنه حتى ظهور هذا النوع من التنسيق يمكن أن يقوّض ثقة الشعب الأميركي في قرارات البنك المركزي. إذاً لماذا تظل تخفيضات معدل الفائدة هي أفضل خيار متاح؟

لأن هدف الفيدرالي هو إبقاء الاقتصاد الأميركي مستقراً، وأفضل وسيلة لإثبات استقلالية البنك هي التركيز على الاقتصاد. وبلا أدنى مجال للشك فإن الفيدرالي سيرغب في تجاهل الحرب التجارية، ولكن للأسف هذا ليس خياراً.

ومثلما قال "باول" مراراً فإن الحرب التجارية أحد أبرز التهديدات الرئيسة لنمو الاقتصاد الأميركي، والخيار الوحيد أمام الفيدرالي حال تصعيد الحرب التجارية هو خفض معدلات الفائدة بشكل أسرع والتأكد من أن الشعب الأميركي يفهم السبب في ذلك.

عائدات الخزانة الأميركية تهوي لمستويات جديدة

في سياق متصل، واصل العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً التراجع خلال تعاملات أمس الخميس، مسجلاً مستوى قياسياً متدنياً جديداً. حيث هبط العائد بمقدار نقطة أساس واحدة عند 2.014 بالمئة، وذلك بعد أن انخفض أدنى مستوى 2 بالمئة عند 1.9689 بالمئة في وقت سابق من التعاملات.

ومع ذلك لا يزال العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً أعلى من العائد على سندات ذات نفس فترة الاستحقاق في بعض الاقتصادات الكبرى مثل ألمانيا واليابان.

وكان العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً تجاوز يوم الأربعاء الماضي أدنى مستوى على الإطلاق تم تسجيله قبل ذلك في يوليو (تموز) من العام 2016، حينما وصل إلى مستوى 2.09 بالمئة.

وخلال تلك الفترة ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار نقطة عند 1.59 بالمئة. فيما هبط العائد على سندات الخزانة لأجل عامين بمقدار نقطة واحدة مسجلاً 1.571 بالمئة. وانعكس منحنى العائد بين السندات ذات فترة استحقاق عامين و10 أعوام للمرة الأولى منذ العام 2007.

الدولار "القوي" يواصل ارتفاعه أمام العملات الرئيسة

في سوق العملات، تحول الدولار الأميركي إلى الارتفاع أمام العملات الرئيسة بعد بيانات اقتصادية إيجابية في المجمل وتفاؤل بشأن النزاع التجاري مع الصين.

وأظهرت بيانات اقتصادية حديثة ارتفاع مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة بأكثر من التوقعات خلال الشهر الماضي، كما زادت ثقة بناة المنازل لأعلى مستوياتها في العام الحالي.

كما ارتفع مؤشر "إمباير ستيت" الصناعي بعكس التوقعات، بينما انخفض النشاط الصناعي في فيلادلفيا بأقل من التوقعات، في حين ارتفعت طلبات إعانة البطالة بأكثر من التقديرات.

وكانت الورقة الأميركية الخضراء قد تعرضت لضغوط هبوطية في وقت سابق من تعاملات أمس الخميس، مع إشارات متلاحقة بشأن ركود الاقتصاد العالمي وسط انقلاب منحنى العائد على السندات.

وارتفع الدولار أمام اليورو بنحو 0.4 بالمئة إلى 1.1099 دولار، بينما ارتفع أمام الين بنسبة 0.3 بالمئة عند 106.19 ين. وتراجعت العملة الأميركية أمام الجنيه الإسترليني بنحو 0.4 بالمئة مسجلة 1.2107 دولار، فيما زادت أمام الفرنك السويسري بنسبة 0.4 بالمئة إلى 0.9768 فرنك.

وخلال تلك الفترة ارتفع مؤشر الدولار الرئيسي الذي يقيس أداء العملة أمام 6 عملات رئيسة بنحو 0.2 بالمئة إلى مستوى 98.193.

الإنتاج الصناعي الأميركي يواصل تراجعه

كما كشفت بيانات حديثة تراجع الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة بعكس التوقعات خلال الشهر الماضي، بفعل أداء قطاعي الصناعات التحويلية والتعدين.

وكشفت البيانات الصادرة عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي، اليوم، أن الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة تراجع بنسبة 0.2 بالمئة في شهر يوليو (تموز) الماضي، مقابل نمو بنحو 0.2 بالمئة في يونيو (حزيران) السابق له بعد التعديل بالرفع.

ووفقاً لوكالة "رويترز"، كانت توقعات المحللين تشير إلى أن الإنتاج الصناعي في أكبر اقتصاد حول العالم سوف ينمو بنسبة 0.1 بالمئة خلال الشهر الماضي.

وبحسب البيانات، فإن إنتاج قطاع التعدين تراجع بنحو 1.8 بالمئة في الشهر المنقضي بعد زيادة 0.6 بالمئة في الشهر السابق له. كما انخفض قطاع الصناعات التحويلية بنحو 0.4 بالمئة مقابل نمو 0.6 بالمائة في يونيو (حزيران) الماضي.

في حين ارتفع إنتاج قطاع المرافق بنسبة 3.1 بالمئة في يوليو (تموز) الماضي، مقابل هبوط بنحو 3.3 بالمئة في يونيو (حزيران) الماضي.

وعلى أساس سنوي، فإن الإنتاج الصناعي الأميركي ارتفع بنسبة 0.5 بالمئة في شهر يوليو (تموز) الماضي، مقارنة مع الفترة المماثلة من عام 2018.

وبالنسبة إلى مؤشر استغلال القدرة الصناعية فقد تراجع بنحو 0.3 بالمئة خلال الشهر الماضي، مسجلاً 77.5 بالمئة على عكس توقعات استقراره عند 77.8 بالمئة.