كتاب "مرآة الخدعة" لـ جيا تولينتينو.. دليل شامل للصمود في عالم يزداد عزلة

لم يسبق لكتاب آخر أن تناول الحالة المرافقة للألفية بنفس طريقة مجموعة مقالات تولينتينو، كما يقول آدم وايت فيما يلي

الكاتبة جيا تولينتينو وغلاف كتابها "مرآة الخدعة" (إلينا مد)

قضت جيا تولينتينو العقد الماضي وهي تؤدي دور الخبير الذي نلجأ إليه أولاً لمعرفة ماهية وجودنا في القرن الحادي والعشرين. وغالباً ما يضاعف عملها ككاتبة في مجلة "ذا نيو يوركر" قيمة كتاباتها محولاً إياها إلى نوع من دليل للنجاة وجودياً، مدفوعاً بصورة منتظمة بمدى غرابة  أن يتوجب على جيل بأكمله التنقل في عالم نعيشه بصورة متزايدة على الإنترنت، إذ باتت السُمّية، ورعب الرأسمالية، وكراهية الذات أجزءاً لا تتجزأ من وجودنا اليومي منذ زمن طويل.

تستخدم تولينتينو في أفضل أعمالها صعود الإنترنت لرسم خريطة مخاوفنا الجماعية. وتكتب في "مرآة الخدعة"، وهو أول مجموعة مقالات خاصة بها، عن ذكرياتها الأولى في العالم الرقمي، وعن صفحتها على موقع "أنجلفاير" التي ملأتها بروابط من كل حدب وصوب، وإشارات إلى مسلسل "دواسون كريك" الذي كان ذائع الصيت في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة. ثم تبدأ بعد ذلك باستكشاف كيف تعرّض الأمر برمته الى التحريف، وكيف أصبحت الاحتمالات التي لا نهاية لها لشبكة الإنترنت أكثر قسوة ووضاعة، إلى الحد الذي بدأنا نشعر معه أننا صرنا تحت رحمة عالم الإنترنت الذي شوّه شخصياتنا في العالم الحقيقي. وتذكر في إحدى فقرات الكتاب "في حين أننا كنا ذات مرة قادرين على التعبير عن أنفسنا بكل حرية على الإنترنت.. فقد بتنا الآن مقيدين بأغلال بوجودنا على الإنترنت".

يعطي هذا الغوص العميق في ثقافة الإنترنت على مجموعة المقالات عدداً من اللحظات الأكثر بلاغة. وتتحدث الكاتبة عن السبل التي أدت فيها  بنية الإنترنت إلى إظهار أبشع دوافع الشبكة العنكبوتية، وذلك من خلال تحويلها أمور تافهة إلى  أشياء كبيرة الأهمية وبهدوء. وتُقدر تولينتينو  أن إطلاق اسم "مجهول" لجميع مستخدمي موقع "فورتشان - 4Chan" ،وهو منصة مصوّرة باللغة الإنكليزية،  أفسح في المجال فقط لتوسيع نطاق التصيد والكراهية. وأنه لا ينبغي لنا أن نُفاجئ بمدى الأهمية التي صارت تتمتع بها الهوية على الإنترنت في الوقت الذي تتمحور أسس وسائل التواصل الاجتماعي الكثيرة حول صفحات الملفات الشخصية والسير الذاتية التي يكتبها أصحابها.

وتلجأ الكاتبة على استحياء إلى تاريخها الصحافي لاستكشاف السبب الذي أدى إلى انحراف الأمور إلى هذا الحد، ولا سيما الحركات ذات المظهر الايجابي  التي خلّفت من دون قصد مشاكل عميقة. إن الحملات المناهضة لفوتوشوب التي أدت إلى إبراز الموقع النسائي سيء السمعة "جيزيبيل - Jezebel" الذي كانت تولينتينو عضوة فيه في فترة سابقة، أثارت دون أن تدري توقعات بأن النساء يجب أن يسعين وراء الجمال "الطبيعي" الذي "لا يتطلب أي تدخل تقريباً". وتتأمل في فصل آخر، ظهور المقالات الفكرية التي تحتفي بـ "النساء الصعبات"  وتلك القصص التي أعادت تقديم أمثال كيم كارداشيان، أو لينا دونهام، أو كايتلين جينر في إطار أيقونات نسوية تعرقل الحالة الراهنة بشكل  مهم. وتجادل بأن الموضوع لا يتعلق بما إذا كان ينبغي أن نجعل من هؤلاء النساء أيقونات أم لا، لكن في كون هذا السلوك قد ادى إلى تأثير تدريجي غير متوقع، ما أدى إلى إخضاع شخصيات أكثر خطورة من الناحية السياسية مثل إيفانكا ترمب لإعادة صياغة مماثلة ، لمجرد كونها امرأة ذات سلطة. تقول المؤلفة  "عملت الناشطات النسويات بجد، بنوايا حسنة، لتبرير الصعوبة التي تواجهها الإناث إلى أن انتفخ هذا المفهوم وبات شاملاً ... بات غطاء للدفاع، احتفاء مفروغاً منه، فخ الوهم الذاتي الذي يمكن أن يخفي أي خطيئة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ينتهي المطاف بالعديد من المقالات في "مرآة الخدعة" متفرعة في اتجاهات مختلفة بشكل كبير. مثلاً يبدأ المقال المعنون "أنا في تلفزيون الواقع" برحلة تثير الحنين تعود بها تولينتينو إلى ظهورها عندما كانت مراهقة في سلسلة من برامج تلفزيون الواقع باتت طي النسيان، قبل أن يتحول إلى استكشاف لافت للأمراض العقلية والمراهقة وكيفية تقديم الشخص لنفسه للآخرين. ويمكن القول إن مقال "كوني متفائلة دوماً"هو أقوى قطعة في الكتاب  تدور ظاهرياً حول ثقافة ارتداء الملابس الرياضية في الحياة اليومية، والعلاقة الغريبة لهذه الصيحة بالطبقة الاجتماعية و ما تنطوي عليه من فرط الشهوة الجنسية، إذ ترى أنه من الممكن النظر إلى "الملابس الرياضية كنوع من ملابس الغواية الجنسية لمرحلة الرأسمالية المتأخرة". بيد أن المقال يتشعب بشكل دقيق حين يمضي في مناقشة عسيرة تجمع بين جمال الأنثى، والسيكولوجيا التي تقف وراء السَلَطة المفرومة، والوقت الذي أمضته تولينتينو في "هيئة السلام" التطوعية التابعة لحكومة الولايات المتحدة وتاريخ الرياضة التي تعرف باسم "بار ميثود".

في مثل هذه النقاط تكون خلفية تولينتينو أكثر وضوحاً في الكتاب، فهي تمثل لغة الإنترنت وقدرته التي تسبب الدوار على تحويل الأنظار، وغزارة معلوماته، والأفكار التي تتحول فيه إلى أفكار أخرى. ومن خلال تحكمها بالعمل فقط كمؤلفة، أصبح كتاب "مرآة الخديعة" برمته آسراً بلا نهاية ، وتتعاقب المقالات بانسيابية إذ يفضي أحدها إلى الآخر بدل أن تتراكم بشكل فوضوي. إنه أسلوب عرض محفوف بالمخاطر ونجاحه غير مضمون دائماً،  فالمقال الذي تتعقب فيه حياتها الخاصة من خلال البطلات الأدبيات اللواتي ترعرعت وهي تتابعهن، لم يتمتع بالإنسجام على الإطلاق حقيقة،  لكنه مع ذلك  كان جديراً بالقراءة دائماً.والحق أن الاسلوب  كان في بعض الحالات أكثر جدارة بالقراءة منه في حالات أخرى، وهذا أمر طبيعي في أي مجموعة من المقالات.

تجد تولينتينو، في نهاية كل مقال لها هنا، صعوبة في العثور على أي إجابات حقيقية. وفي بعض الحالات، تكاد تستميت في بحثها  عند التسليم باحتمال الانهيار الاجتماعي والاقتصادي، أو الحديث عن عدم جدوى التكهن بشأن أشياء موجودة هنا بالفعل، سواء اعترفنا بها أم لا. ولكن هناك شيء يبعث على الارتياح العميق في حقيقة أنه عند كل سؤال عميق ومثير للجدل نوجهه لأنفسنا عن الإنترنت أو الرأسمالية أو كيف نعيش ونتنفس في عام 2019 ، فإننا نجد أمامنا تولينتينو، تطرح تلك الأسئلة أيضاً بطريقة أكثر بلاغة وعمق مما يمكننا أن نفعل على الإطلاق.

صدر كتاب "مرآة الخدعة: تأملات في الوهم الذاتي" من تأليف جيا تولينتينو عن دار فورث إيستيت للنشر، ويباع بسعر 14.99 جنيهاً استرلينياً.

© The Independent

المزيد من كتب