قضية جيفري إبشتاين... قصة العبادة المثيرة للاشمئزاز لآلهة المال في أميركا

عقيدة المال بدأت قبل قرون من الزمن في أميركا ولقد آمنت بلادنا دائماً بأنك تستطيع أن تفعل ما تشاء بحياة البشر طالما أن لديك ما يكفي من المال لتوزعه

لائحة الاتهام بحق الميليارير جيفري إبشتاين التي نشرها مكتب المدعي العام في نيويورك يونيو 2019 (غيتي)

كانت قيمة ثروة جيفري إبشتاين تقارب ملياري دولار عندما تم اعتقاله. إبشتاين، المدان بتعديه الجنسي على الأطفال والذي كان معروفاً لسنوات طويلة في أوساط النخبة على أنه ممول وشخصية نشطت في مجال الأعمال الخيرية، تربطه صلات بالعديد من الرجال البيض الأثرياء بمن فيهم الرئيس السابق كلينتون والرئيس الحالي دونالد ترمب - وهما رجلان اتُهما شخصياً بالسلوك الجنسي الوحشي.

ومن المثير للاهتمام، أن مصدر ثروة إبشتاين المدهشة هو لغز غير معروف. لا أحد يعلم بالضبط أين أو كيف أصبح غنياً جداً، وعلى أي شخص في سن تمكّنه من تذكر مؤامرة بيرني مادوف (الذي يعد أكبر محتال مالي معترف به في تاريخ العالم والولايات المتحدة) أن يدرك إشكالية هذا الأمر. بصرف النظر عما إذا كان إبشتاين قد جمع أمواله بأساليب قذرة أم لا، فالحقيقة هي أن الأمر، في أميركا، مقبول إلى أن يتم القبض عليك.

أميركا مبنية على وهم الثروة. إنها نظام مُثقل بالائتمان،  حيث يمكن لأفراد معينين - وخاصة الرجال البيض - أن يحققوا ما يزيد عن الوصف عن طريق الخداع (بالإضافة إلى المصرفيين والمخربين، ألقوا نظرة على وادي السيليكون للحصول على دليل يُثبت ذلك). في هذا البلد يمكنك أن تعرّف عن نفسك كملياردير عصامي، كما في حالة دونالد ترمب، بينما تقوم بنفس الوقت بإعلان إفلاسك رسمياً ست مرات خلال حياتك وترث كل ثروتك تقريباً - الأمر الذي ما زال بالنسبة للكثيرين ركيزة النجاح المالي في أميركا. الغاية لا تبرر الوسيلة فقط ؛ بل إنها تطمس ما إذا كان أي شخص يكترث بالوسيلة أساساً.

بلدنا هي دولة تنمو ديونها الوطنية بقمية تريليونات، وسوق الأوراق المالية فيها متدهور، ولديها أزمة معطَّلة من ديون القروض الطلابية، وفي الوقت نفسه، هي موطن لبعض أغنى الشركات في العالم. وكثيراً ما يستخدم الرجال البيض الأقوياء الثروة لإساءة معاملة الناس من المجتمعات المهمشة وقمعهم.

إبشتاين ليس سبباً جذرياً، بل هو عَرَض لما يتيحه المال في هذا البلد دائماً. الثروة والجشع يتقاطعان لإيذاء أولئك الذين يتعرضون للإساءة أكثر من غيرهم. إنك لا تحصل على القدرة على إدارة حلقة للإتجار بالجنس عندما تكون غنياً ومعروفاً إلى هذا الحد لأن الآخرين لا يعرفون ما تقوم به أو لأنهم غير متورطين. بل لأن الأغنياء يتجولون كالمسعورين في مجتمعنا. لأن علاقاتهم، وقدرتهم على الوصول، وعدم خضوعهم للتدقيق الأخلاقي، كلها أمور مردّها إلى المال. وفي النهاية، هذا بلد قد بُني على ظهور العبيد.

وحيثما يذهب المال في أميركا، يتبعه التناقض الأخلاقي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الآونة الأخيرة، أثار المرشحون الديمقراطيون لانتخابات عام 2020 قضايا مثل الحي المالي ’وول ستريت’، والبنوك الكبرى، والمليارديرات الذين يكدسون الثروات في هذا البلد - وهي نقاشات أتت بالتزامن مع حوارات حول دفع تعويضات عن العبودية. لقد أدركت مجتمعات السود والملونين بشكل كبير خطر اكتناز الثروة بينما نحن قابعون في الدرك الأسفل لمعظم الطبقات الاقتصادية في هذا البلد. يحاول مرشحون مثل إليزابيث وارن وبيرني ساندرز تغيير الحكاية الأميركية. لكن ترمب لا يزال يحظى بتأييد أكثر من 40 في المئة من الناخبين، وما زالت الفجوة في ثروتنا تزداد اتساعاً:  هذه هي الحقيقة الصعبة الصادمة. ببساطة، بعض الأشخاص ليس لديهم القدر الكافي من الاهتمام.

لا يزال يُنظر إلى المليارديرات على أنهم آلهة. وما زالت المخاوف من أن المهاجرين "سيأخذون وظائف" البيض هي التي تقود حملة إعادة انتخاب ترمب. ولا تثير تعليقات من قبيل كيف يمكنك ببساطة أن "تعاشر ما تشتهي من النساء" إن كنت غنياً ومشهوراً بما يكفي، غضب الكثيرين في قاعدة الرئيس التي تزداد راديكالية. لقد آمنت بلادنا دائماً بأنك تستطيع أن تفعل ما تشاء بحياة البشر طالما أن لديك ما يكفي من المال لتوزعه.

المفارقة المحزنة هي أنه وعلى الرغم من أن ناخبي ترمب يخسرون وظائفهم وتأميناتهم، إلا أنهم يجدون صعوبة في التخلي عن معبودهم الوهمي. فعبادة المال بدأت هنا قبل عقود من الزمن.

الحلم الأميركي - وهو وهم يحمي أصحاب الثراء الفاحش ويبيع فكرة أن أي شخص في أميركا يمكن أن يصبح مليونيراً - يُبقي الرأسمالية بكل أبّهتها المستبدة على قيد الحياة، ويسمح للأفعال البشعة التي يرتكبها إبشتاين و وينشتاين و ترمب بحق هذا العالم أن تمر دون محاسبة. السؤال الآن هو ما إذا كنا نريد معالجة الأعراض أو البدء في العمل على السبب الجذري.

© The Independent

المزيد من آراء