الحرب التجارية "الأميركية - الصينية" تزحف بالاقتصاد العالمي نحو ركود "صعب"

منطقة اليورو تدخل في دائرة التراجع... و"الألماني" يتجه إلى الانكماش

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ (أ.ف.ب)

عمَّقت الحرب التجاريَّة من مخاوف دخول العالم في دائرة من الركود والانكماش. وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي بعض التنازلات بخصوص الرسوم الجديدة التي كان يعتزم فرضها على منتجات صينية بقيمة 300 مليار دولار، جاءت بيانات كثيرة مخيبةً للآمال لتزيد من المخاوف المتعلقة بالحروب التجاريَّة التي يشعلها الرئيس الأميركي.

وأظهرت بيانات رسميَّة، أن الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو سجَّل نمواً طفيفاً في الربع الثاني من عام 2019، إذ فقدت اقتصادات في المنطقة قوتها الدافعة، بينما انكمش الاقتصاد الألماني، أكبر اقتصاد أوروبي بفعل تباطؤ عالمي مدفوع بالنزاعات التجاريَّة والضبابيَّة المتعلقة بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.

وقال مكتب الإحصاءات التابع للاتحاد الأوروبي "يوروستات"، إن نمو الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو التي تضم 19 دولة بلغ 0.2% في الربع الثاني من العام مقارنة مع الربع السابق، ليتباطأ مقارنة مع النمو البالغ 0.4% في الشهور الثلاثة الأولى من العام.

وتتفق التقديرات الأوليَّة للناتج المحلي الإجمالي التي تشمل نمواً بنسبة 1.1% على أساس سنوي في الربع الثاني من العام الحالي، مع توقعات خبراء الاقتصاد.

وتوقَّع خبراء اقتصاد انخفاضاً أقل حدة للإنتاج الصناعي بنسبة 1.4% على أساس شهري و1.2% على أساس سنوي.

نمو ضعيف بحركة التجارة العالميَّة
وأظهر مسح حديث أن "الآفاق الاقتصادية تدهورت في جميع أنحاء العالم مع تصاعد النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين".

وقال معهد "إيفو" الاقتصادي الألماني، إن "مسحه الفصلي الذي يشمل نحو 1200 خبير في أكثر من 110 دول أظهر أن مقاييسه للأوضاع الحالية والتوقعات الاقتصادية تدهورت في الربع الثالث".

ووفق بيان، قال كليمنس فوست رئيس المعهد "يتوقع الخبراء نمواً أضعف بكثير للتجارة العالميَّة"، مضيفاً أن "توقعات التجارة بلغت أدنى مستوياتها منذ بداية النزاع المتعلق بالرسوم الجمركيَّة في العام الماضي".

وأضاف "يتوقع المشاركون أيضاً ضعفاً أكبر للاستهلاك الخاص، وانخفاضاً أكبر لأنشطة الاستثمار، وتراجعاً في أسعار الفائدة القصيرة والطويلة الأجل".

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تصريحات يوم الجمعة، إنه ليس مستعداً لإبرام اتفاق تجاري مع الصين حتى إنه شكك في عقد جولة مباحثات في سبتمبر (أيلول)، ما أجج مخاوف جديدة في الأسواق المالية تستبعد أن ينتهي النزاع قريباً.

وتشكّل الولايات المتحدة والصين وجهتين تصديريتين مهمتين لشركات التصنيع الألمانيّة، ولذلك فقد أثر النزاع الذي شهد فرض أكبر اقتصادين في العالم رسوماً جمركيَّة متبادلة، بشكل كبير على منتجي السلع الألمانية.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يكون الاقتصاد الألماني، وهو الأكبر في أوروبا، انكمش في الربع الثاني، وتُنبئ مؤشرات المعنويات إلى أن الوضع لن يتحسن كثيراً في الربع الثالث.

ومن المقرر أن يصدر مكتب الإحصاءات الاتحادي الألماني البيانات الأوليَّة للناتج المحلي الإجمالي في الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران) يوم الأربعاء. وتوقَّع استطلاع سابق، أن تظهر تلك البيانات انكماشاً نسبته 0.1% مقارنة بذات الفصل من العام الماضي.

شركات الصناعات الألمانيَّة تتضرر بشدة
في سياق متصل، أظهرت بيانات أن تراجع الصادرات أدى إلى انكماش الاقتصاد الألماني في الربع الثاني من العام، إذ تضررت شركات الصناعات الأوليَّة جراء تباطؤ عالمي أججته النزاعات بشأن الرسوم الجمركيَّة والضبابية المتعلقة بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.

وانخفض الناتج المحلي الإجمالي 0.1% على أساس فصلي، وهو ما يتماشى مع استطلاع سابق أجرته وكالة "رويترز" لآراء محللين، إذ أثار عدة مراقبين احتمالات حدوث انكماش آخر في الربع الثالث من العام، بينما يقترح القطاع الصناعي أنه على الحكومة أن تتخلى عن ميزانيتها المتوازنة، وأن تبدأ تحقيق نمو عبر تحفيز مالي.

وكشفت بيانات أعلنها مكتب الإحصاءات الاتحادي، اليوم الأربعاء، أنه بعد التعديل في ضوء عوامل التقويم، تباطأ معدل النمو السنوي في أكبر اقتصاد أوروبي إلى 0.4% في الربع الثاني من العام مقارنة مع 0.9% في الربع الأول. وبالنسبة إلى عام 2019 بأكمله، تتوقع برلين تسجيل نمو لا تتجاوز نسبته 0.5%.

ويضع كثيرٌ من خبراء الاقتصاد تعريفاً للركود بأنه "تسجيل انكماش لفصلين متعاقبين".

وعلى الرغم من أن البيانات الفصليَّة الرئيسية الصادرة اليوم الأربعاء تتفق مع التوقعات، فإن الأسواق تشعر بالقلق، إذ انخفض العائد على سندات الحكومة الألمانيَّة القياسيَّة لأجل عشرة أعوام إلى مستوى قياسي متدن عند -0.624%.

وأصبح الاستهلاك المحلي أحد المحركات المهمة للنمو بألمانيا في السنوات القليلة الماضية، إذ يستفيد المستهلكون من ارتفاع قياسي في التوظيف وزيادات بالأجور تتجاوز معدل التضخم وانخفاض تكاليف الاقتراض.

وجاءت هذه المساهمات الإيجابية من ذلك المصدر في الربع الثاني من العام، إذ زاد استهلاك الأسر والإنفاق الحكومي وتكوين إجمالي رأس المال الثابت خلال هذا الربع حسبما ذكر مكتب الإحصاءات، لكن محللين يشيرون إلى أن الأثر الإيجابي لتلك العوامل ينحسر.

فتور كبير في النشاط الصناعي
وفي الصين التي تواصل ردودها السريعة على القرارات التي يعلنها الرئيس الأميركي بحقها، فقد تعثّر أداء اقتصادها بوتيرة تفوق التوقعات كثيراً في يوليو (تموز)، مع تباطؤ نمو الإنتاج الصناعي إلى أدنى مستوى في أكثر من 17 عاماً، في ظل زيادة تأثير الحرب التجارية المتصاعدة بين بكين وواشنطن على الشركات والمستهلكين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستمر فتور النشاط في الصين على الرغم من اتخاذ مجموعة من الخطوات المتعلقة بالنمو على مدى العام الفائت، ما يثير تساؤلات بشأن الحاجة إلى حوافز أكثر سرعة وقوة حتى لو خاطرت بكين بتراكم مزيدٍ من الدين.

وبعد تحسُّن متذبذب في يونيو (حزيران) الماضي، قال محللون إن أحدث بيانات تدل على فتور الطلب بشكل عام في الشهر الماضي بما يشمل الإنتاج الصناعي والاستثمارات ومبيعات التجزئة.

جاء ذلك بعد إقراض مصرفي أقل من المتوقع ومسوح جاءت نتائجها قاتمة للمصانع، مع عودة الانكماش لأسعار المنتجين، ما يعزز توقعات بالحاجة إلى مزيدٍ من الدعم على مستوى السياسات قريباً.

وكشفت بيانات من مصلحة الدولة للإحصاء أن نمو الإنتاج الصناعي تباطأ على نحو ملحوظ إلى 4.8% في يوليو (تموز) على أساس سنوي، وهو ما يقل عن أكثر التوقعات تشاؤماً في استطلاع سابق، ويمثل أقل وتيرة للنمو منذ فبراير (شباط) من العام 2002.

وتوقّع محللون تباطؤ نمو الإنتاج الصناعي إلى 5.8% مقارنة مع يونيو (حزيران) عندما سجَّل معدل نمو 6.3%، وزادت واشنطن بقوة بعض الرسوم الجمركية في مايو (أيار) الماضي.
وفي وقت سابق من الشهر الماضي، أعلنت وزارة الصناعة في الصين أن بلادها ستحتاج إلى "جهود شاقة" لتحقيق هدف النمو الصناعي لعام 2019 بنسبة بين 5.5 و6%.

وتباطأ النمو الاقتصادي للصين إلى ما يقترب من أدنى مستوى في ثلاثين عاماً عند 6.2% في الربع الثاني من العام، وظلت الثقة في مجال الأعمال متزعزعة، ما أثر سلباً في الاستثمارات.

ونمت استثمارات الأصول الثابتة 5.7% في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ويوليو (تموز) الماضيين على أساس سنوي، وهو ما يقل عن توقعات بزيادتها 5.8%، ولتسجل تراجعاً مقارنة مع قراءة سابقة.

لكن القراءات المسجّلة في مختلف القطاعات كشفت عن خسارة أكثر وضوحاً لقوة الدفع في مجالات حيوية في مستهل الربع الثالث.

وارتفعت مبيعات التجزئة 7.6% في يوليو (تموز)، ما يقل بكثير عن متوسط التوقعات بزيادتها 8.6%، وأضعف من أكثر التوقعات تشاؤماً، وقفزت المبيعات 9.8% في يونيو (حزيران)، وهو ما توقع كثير من المحللين أن يكون "مؤقتاً".

وشهدت الأشهر القليلة الماضية تصاعداً مفاجئاً في حرب تجارية مستمرة منذ عام بين واشنطن وبكين، ما زاد من المخاطر التي يواجهها اقتصاد البلدين، وأوقد مخاوف من حدوث ركود عالمي.

لكن الصين التقطت أنفاسها نوعاً ما يوم الثلاثاء، بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيرجئ فرض رسوم جمركية على بعض الواردات الصينية، ومنها الهواتف المحمولة وسلع استهلاكية أخرى في محاولة واضحة لتفادي تأثير الرسوم على مبيعات فترة ما قبل عطلة عيد الميلاد في الولايات المتحدة.

لكن الرسوم الجديدة ستُطبق في الشهر المقبل على نحو نصف قائمة مستهدفة من السلع الصينية، قيمتها 300 مليار دولار. ويقول محللون إن "فرصة إبرام اتفاق تجاري دائم بعد التصعيدات في الآونة الأخيرة تضاءلت بشدة".

المزيد من اقتصاد