المأزق التاريخي والخلل الحضاري ما زالا يشغلان الفكر العربي  

إشكالية الحداثة والتأصيل والدور المنتظر للفلسفة منذ النهضة

اسئلة الحداثة في العالم العربي (يوتيوب)

يهيمن إشكال الحداثة على الفكر العربي الحديث. فمنذ غزو نابليون لمصر عام 1798 إلى الآن، لا تزال الأسئلة التي طرحتها هذه الإشكالية التاريخية على العرب تستعاد وتتكرر لتتابع دورانها في الدوامة ذاتها. فهل الحداثة غزو ثقافي يستهدف تراثنا وقيمنا وثقافتنا أم إنها نموذج للنهوض الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يجب اقتداؤه لتجاوز محنة فواتنا التاريخي؟ هل نرفضها باعتبارها تحدياً لهويتنا أم نقف منها موقفاً انتقائياً، نأخذ منها ما يلائمنا ونطرح ما لا يتفق مع حضارتنا وإرثنا الأيديولوجي؟ هل الحداثة وافد غريب على التراث العربي أم أن جذورها ضاربة في هذا التراث بما ينطوي عليه من قيم ومبادئ وتصورات؟

على خلفية هذه الأسئلة الإشكالية ووجهت الحداثة بأشكال شتى من الممانعة، تراوحت بين رفضها بالكامل أو قبولها مجتزأة ومبتورة من سياقها التاريخي، وصولاً إلى تأصيلها في التراث العربي بإسناد القيم والمبادئ التي بشرت بها إلى أصول ثاوية في هذا التراث تؤكد أسبقيته وريادته، وتبرر تالياً تبنيها والأخذ بها، لا باعتبارها حديثة ووافدة، بل بوصفها وجهاً من وجوه حضارتنا المتعددة الوجوه والجوانب، والحاوية لكل القيم والمبادئ الفكرية والاجتماعية والسياسية.

في هذا الاتجاه التأصيلي ذهب النهضويون الأوائل. قال رفاعة الطهطاوي "إن الإفرنج يعترفون لنا بأننا كنا أساتيذهم في سائر العلوم وبقدمنا عليهم"، ورأى خير الدين التونسي أن "مخالطة الأوروبيين للأمة الإسلامية كان ابتداء التمدن عندهم"، واعتبر فرنسيس المراش أن كل ما يفخر به الغرب من علوم، إنما أخذ عن العرب سرقة واختطافاً، وذهب محمد عبده إلى أن مدنية الإسلام كانت السبب الرئيس في نهوض أوروبا، ورأى رشيد رضا أن الحكم الدستوري أصل من أصول ديننا استفدناه من الكتاب المبين لا من معاشرة الأوروبيين.

مقولات تتردد

هذه المقولات ما زالت تتردد في الفكر العربي مطلع هذا القرن، حيث ذهب راشد الغنوشي إلى أن قيم الحداثة ما هي إلا "بضاعتنا ردت إلينا". ورأى أحمد شكري الصبيحي أن نظرية العقد الاجتماعي ومفهوم الاجتماع المدني، ليسا غريبين عن ثقافتنا العربية الإسلامية، أما حسنين توفيق إبراهيم فيؤكد أن مفهوم المجتمع المدني وقيم الحرية والمساواة والاختلاف هي من صميم الإسلام. حتى أن أحمد الموصللي لم يتردد في القول إن منظومة حقوق الإنسان في الإسلام سبقت المنظومة الغربية لهذه الحقوق، وإن الشورى الإسلامية تستوعب الديمقراطية، وهذا ما كان الأفغاني والكواكبي ورضا قد سبقوا الموصللي إليه باعتبارهم الصيغة البرلمانية مساوية لصيغة أهل الحل والعقد التراثية. ومن اللافت أن يذهب محمد عابد الجابري، صاحب نقد العقل العربي، إلى أن النظرة الرشدية إلى العلاقة بين الدين والفلسفة "صائبة فعلاً، ملهمة حقاً" وأن الأسس النظرية لفلسفة حقوق الإنسان في الثقافة الغربية لا تختلف عن نظيرتها في الثقافة العربية الإسلامية. وعليه لا إمكانية للتجديد، وفق الجابري، إلا من داخل التراث والاحتكام إليه، كما لا بد من الامتلاء بالثقافة العربية والتراث الإسلامي عند الخوض في الحداثة الأوروبية وقضاياها، وإمكان تبني أو اقتباس أي شيء منها، وما الطريقة الأقوم لذلك سوى الطريقة الرشدية التي توجب وضع قضايا الحداثة واحدة واحدة في ميزان الشرع.

لكن هذه الأحادية المرجعية عند الجابري باتت مفوتة وغير ذات جدوى في رأي أبو يعرب المرزوقي، فالدواء الرشدي لم يعد صالحاً الآن و"إشكالية العلاقة بين الحكمة والشريعة في الشكل الذي عالجها فيه ابن رشد لم تعد ذات دلالة بالنسبة إلينا، في حين أن أكثر من 99 في المئة من التشريعات أصبحت عندنا وضعية". ومن هنا فإن استعادة الرشدية في رأي المرزوقي، ما هي إلا "تنغيص حياتنا من جديد بمشكلات جدودنا".

على الضد من محاولات التأصيل، رأى محمد أركون أن قيم الحداثة- الحرية، التسامح، استقلالية الشخص البشري- هي من صنع المجتمعات الأوروبية الحديثة ولم تعرفها المجتمعات السابقة لا في الجهة الإسلامية ولا في الجهة المسيحية، وما ادعاء الخطاب العربي امتلاك هذه القيم قبل الحداثة الأوروبية سوى مغالطة تاريخية حقيقية وعملية تبجيلية محضة. فلا يمكن للتأويل أن يردم الهوة بين فضاءين مختلفين بالكامل، فضاء أساسه "المؤمن" وآخر أساسه "الإنسان". وليس بالإمكان إقحام مفاهيم المساواة والتعدد والحرية في الفضاء التراثي كما ليس بالإمكان زج مفاهيم الشورى والعدل والحق في الفضاء الحداثي.

الثنائية المربكة

إزاء هذا السجال المتمادي المتجدد بين المرجعيتين التراثية والحداثية، نرى أنه بات لزاماً على الفكر الفلسفي الخروج من هذه الثنائية العقيمة التي أربكت فكرنا العربي واستنفدته على مدى القرنين الماضيين، والتصدي للأسئلة الكبرى التي باتت تتطلب أجوبة تتلاءم مع التطور التاريخي والثورة المعرفية الراهنة.

من هذه الأسئلة سؤال العقلانية. فالفكر العربي يواجه تحدي النكوص الراهن إلى ما قبل إسهامات الفكر النهضوي العقلانية، فضلاً عن الإسقاط المربك للعقل بوصفه مرجعية أولى في الوجود السياسي والاجتماعي في موازاة تقدم اللاعقلانية والخرافة والاحتكام إلى الماضوية في كل الشؤون السياسية والاجتماعية. فلماذا لم تتجذر العقلانية في تفكيرنا وفي سلوكنا؟ ولماذا أخفقت إبداعاتنا العقلانية بعد ثمانية قرون على العقلانية الرشدية؟ وما معنى احتدام الصراع والمواجهة بين العقلين الديني والحداثي في هذه المرحلة من تاريخنا؟

والفكر الفلسفي معني بالإجابة عن إشكالية الهوية الذي يهدد بتمزق الأمة العربية عصبويات ما قبل وطنية، فهل الأمة هي أمة مواطنين أم هي أمة العقيدة أم هي أمة الأثنية أو الطائفة أو القبيلة؟

الفكر الفلسفي معني بالإجابة عن إشكالية التخلف بعد قرنين على بدء النهضة العربية، حيث لا نزال تابعين لغيرنا في كل حاجاتنا، عاجزين حتى عن تأمين غذائنا وكسائنا بأنفسنا.

وهناك الاستبداد الملازم لتاريخنا وتعثر قيام مجتمعاتنا المدنية، وهناك العلاقة المأزومة بين الفرد والمجتمع، وبين النخبة والشعب. وهناك التجزئة، حتى على مستوى الدولة القطرية. وهناك العلاقة المتوترة سواء بالآخر أو بالتراث، فضلاً عن إشكالية العلمنة والعلاقة بين الدين والدولة.

كل ذلك بات يتطلب انصراف الفكر الفلسفي العربي إلى البحث عن أجوبة تخرج الأمة من مأزقها التاريخي وتحررها من الخلل الحضاري، الذي لا يزال يحاصرها منذ بدء النهضة العربية حتى الآن.

إن أول واجبات المفكر أن يعيش تحت وطأة الأزمة وأن يتمثلها دوماً أمامه، هذا ما قاله قسطنطين زريق قبل ثلاثة أرباع القرن. فهل سيتمثل مفكرونا مقولته هذه، ويكفون عن الانشغال اللامجدي بإشكالية الحداثة والتأصيل ويتجهون إلى بناء تصورات جديدة وناجعة لتجاوز الاستعصاء النهضوي العربي المربك؟

المزيد من ثقافة