تجارة الرّيش المنسية والنّساء اللواتي قضينَ على هذه المهنة

قبل سنوات من ظهور المطالبات بحقّ التّصويت اللواتي كنّ يتزينَّ بقبعات من الرّيش أقدمت مجموعة من النّساء الفيكتوريات على تغيير وجه الحفاظ على الطّبيعة في زمنٍ لم يكن صوت المرأة فيه مسموعاً

قد تبدو الحملة ضد الريش في القبعات غامضة اليوم لكن الطلب على الريش المحلي والغريب كان ضخمًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (غيتي)

قلّة قليلة من النّاس يُدركون أنّ "الجمعية الملكيّة لحماية الطّيور" (RSPB) وهي أكبر جمعيّة حمائية من حيث عدد الأعضاء في أوروبا، تأسّست على يد نساءٍ فيكتوريات عملنَ جاهدات من أجل وضع حدٍّ للوحشيّة التي اتّسمت بها تجارة الرّيش.

فمنذ 130 عاماً بالتّمام والكمال، أنشأت إيميلي ويليامسون، زوجة محامٍ من الطّبقة الوسطى، "جمعية حماية الطيور" (Society for the Protection of Birds) في أحد منازل مانشيستر. كما أنشأت إليزا فيليبس في لندن جمعية تحمل الأهداف نفسها تحت اسم "أصحاب الفراء والزّعانف والريش" (Fur, Fin and Feather Folk). وفي العام 1891، تقرّر دمج الجمعيّتين.

وفي السّنوات التي سبقت ظهور حركة المطالبة بحقّ المرأة بالتّصويت، استطاعت النّاشطات مديدات البصر، إيميلي ويليامسون وإليزا فيليبس وإيتا ليمون، أن يستفدن من كافة وسائل الاتّصال المتاحة آنذاك لكسب قلوب النّاس وعقولهم وتغيير السّلوك الاستهلاكي وإرساء أولى قوانين حماية الحياة البرية.

ومع ذلك، ظلّت حياة هؤلاء النّساء ومساهمتهنّ في الحفاظ على الطّبيعة والمطالبة بحقوق المرأة، عرضةً للتجاهل من قبل المؤرخين والحركة البيئية نفسها. وكادت قصتهنّ أن تضيع بالكامل وتُمسي طيّ النّسيان لو لم تتحدّث عنها تيسا بوس في كتابها المُلهم الذي صدر العام الماضي تحت عنوان "السيّدة بانكيرست صاحبة الرّيشة الأرجوانيّة" ((Mrs Pankhurst’s Purple Feather.

وفي كتابها، تقول تيسا بوس إنّ "هؤلاء النّساء (بعكس إيميلين وكريستابيل بانكيرست) لم يُنشدنَ الدّعاية أو الشّهرة أو المجد لأنفسهنّ والعمل المُضني الذي قمنَ به من دون الكشف عن هويّتهنّ لم يخدم مصلحتهنّ وضاع منه الكثير في غمار الزّمن،" لافتةً إلى أنّ "أيّاً منهنّ لم تطرح نفسها يوماً كمنقذة للطيور."

إنّه جزء مهمّش من التّاريخ الاجتماعي والثّقافي والسّياسي والبيئي الذي يحمل في طيّاته أمثولات مفيدة لكلّ ملتزمٍ في العمل النّشط والحفاظ على البيئة. وفي الوقت الحاضر، يُفترض بالحملة إياها وبالنساء اللواتي كنّ يتولّينَ إدارتها وبالتّجارة الهمجيّة التي أوجدها المجتمع لمعارضتها، أن تحظى باعترافٍ على نحوٍ أفضل.

وقد تبدو فكرة شنّ حملة منظّمة ضدّ استخدام الريش في القبعات غريبة في يومنا هذا، لكنّها لم تكن كذلك في أواخر القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مع اشتداد الطّلب آنذاك على أنواع الرّيش المحلية والأجنبية على السّواء لتزيين القبعات.

وبحسب ميرلي باتشيت، مؤرخة في "جامعة بريستول" وخبيرة في تجارة الريش، "كان من الممكن للمرأة في ذلك الوقت أن تضع طائراً كاملاً على رأسها. كما كان من الممكن للقبعة الواحدة أن تشمل رأس الطائر وجناحيه أو عدّة أنواع من الطيور. كانت زينة القبعات أشبه بما نُسمّيه اليوم بابتكارات فرانكشتاين."

ولكنّها كانت حتماً حائط الدعم لقطاعٍ واسع يتركّز بمعظمه في لندن ويقوم على استقدام الطّيور من أميركا الشمالية والمناطق المداريّة الواقعة تحت سيطرة الامبراطورية البريطانية. وفي تلك الحقبة، كان كلّ طلب شراء يتقدّم به أحد تجار لندن يتضمّن 6 آلاف ريشة لطيور الجنّة و40 ألف ريشة للطيور الطنّانة و360 ألف ريشة لأنواع طيور مختلفة من شرق الهند، يؤكد الكاتب وعالم الأحياء دينيس هولي.

وكانت لندن "القِبلة التي يؤمّها قتلة الريش من كلّ حدبٍ وصوب،" على حدّ تعبير ويليام هورناداي، المدير الأوّل لـ’جمعية نيويورك لعلم الحيوان‘ (New York Zoological Society) الذي كشف في دراساته أنّ لندن استلمت 130 ألف طائر بلشون في ظرف الأشهر التّسعة التي سبقت انتهاء القرن التّاسع عشر وأنّ طيور الجنّة الجميلة لم تسلم من وحشية التجار، حيث عُرض في مزادٍ واحدٍ فقط 1920 قطعة جلد من جلود طيور الجنّة تعود لأربعة تجار؛ وكان ذلك في فبراير (شباط) من العام 1911.

"لقد صُدمت تماماً من حجم الطلب، " تُعلّق الكاتبة تيسا بوس، "فأرقام المزاد لوحدها محيّرة. في الأمس، كانت المذابح تحصل بالجملة. ورغم ذلك، نحن لا نملك اليوم أدنى فكرة عنها."

وصحيح أنّ اجتثاث الغابات وفقدان الموائل لعبا دوراً في هلاك عددٍ كبير من الحمام المُهاجر وببغاء كارولينا، لكنّ اصطيادهما على نطاقٍ واسع من أجل ريشهما الملوّن كان العامل الأبرز لانقراضهما عامي 1914 و1910.

وفي ما يتعلّق بأنواع الطّيور الأخرى، فهي لم تنقرض لكنّ أعدادها تناقصت بشكلٍ كبير ومنها الغطاسيّات والبلشونات التي كانت مستهدفة بشكلٍ خاص. ولعلّ الغطاس المتوج الذي يتميّز بعرفٍ جميل من الرّيش هو أحد أكثر الطّيور إثارةً للإعجاب في المملكة المتحدة وقد كان على شفير الانقراض في بريطانيا وإيرلندا.

"ثمة أحاديث كثيرة عن متى بدأ عصر الأنثروبوسين أو العصر الجيولوجي البشري فعلياً وكيف اعتُبرت تجارة الرّيش إشارةً تحذيرية مبكرة عن سادس انقراض كبير في تاريخ الأرض،" تلفت باتشيت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فبحلول العام 1900، أشارت التقديرات إلى تعرّض نحو 5 ملايين طائر للقتل كل عام تلبيةً لاحتياجات هذه التجارة التي لقّب المناضلون الأوائل في ’جمعية حماية الطيور‘ روّادها بـ"مجرمي الألفيّة".

وما كانت كلّ الطيور تُقتل لأجل ريشها؛ بعضها كانت تُقتلع منه أجنحته فيما لا يزال حيّاً يُرزق. ثم يُصار إلى التخلّص منه في موسم العشعشة، تاركاً وراءه فراخاً صغيرة تُناضل في سبيل الحياة.

ولعلّ غياب الأدلّة الملموسة هو السّبب في نسيان أمر تجارة الريش، حيث أنّ القليل الباقي منها لا يكفي وحده للتذكير بالحجم الذي كانت عليه وبمدى تأثيرها على مجموعات الطّيور، شأنها شأن تجارة لحم السّلاحف.

وإزاء تجارة الريش الهدامة والضخمة، عمدت ’جمعية حماية الطيور‘ عام 1889 إلى إرساء القواعد التالية:

على أعضاء الجمعيّة أن يتصدّوا للإفناء الجائر والمتعمّد للطيور ويُسخّروا أنفسهم عموماً لحمايتها؛

على أفراد الجمعية من النّساء أن يمتنعنَ عن اعتمار القبعات المزيّنة بريش طيور لم تُقتل بغرض الأكل، باستثناء طائر النّعام.

لكنّ قرار استثناء النّعام من القاعدة ما لبث أن تحوّل إلى موضع خلاف، وكان لا بدّ من الاستغناء عنه مع شروع النّاس في تربية هذا الجنس من الطيور لأجل ريشه بين أواخر القرن التّاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

في البداية، كانت طيور النّعام تُطارد لأجل ريشها، لكنّ المستوطنين الرياديين الذين أنشؤوا "حاضنةً لبيض النعام" في كيب حوّلوها إلى موردٍ أساسي لتجارة الريش. ومع نجاح تنفيذ مشروع الحاضنة عام 1869، بات للمزارعين وسيلة ناجعة لتفقيس عدد كبير من البيض في وقتٍ واحد. ومذاك، أصبح ريش النعام أحد أكثر القطاعات قيمةً في جنوب إفريقيا.

في السّنوات الأولى، كانت ’جمعية حماية الطيور‘ تتألف بكاملها تقريباً من النّساء. وكانت إيميلي ويليامسون ومعها إليزا فيليبس وإيتا ليمون ودوقة بورتلاند وعشرات النّساء الأخريات، تُحاربن من أجل تغيير السّلوك الاستهلاكي والقوانين ذات الصلة في زمنٍ لم تكن فيه المرأة قادرة على التّصويت، فما بالكم تنظيم حملةٍ ناجحة للمطالبة بإجراء تعديلٍ كبير على القانون.

وإحقاقاً لغايتهنّ، لجأنَ إلى الشّبكات القائمة لنشر رسالتهنّ واستخدمنَ شبكتهنّ الخاصة من أمناء الفروع لتجنيد أعضاء جدد تعهّدن بعدم ارتداء الرّيش.

وعلى الرّغم من تمكنهنّ من لفت اهتمام الصّحافة، لم يصبّ هذا الاهتمام كلّه في مصلحتهنّ. وكانت النتيجة انتقاد الرّجال لهنّ وتعييرهنّ بالطّموح الزائد وقلّة الجدية، واستهزاء أغلبية وسائل الإعلام بهنّ واستعلائها عليهنّ، وتعرّضهنّ للتهميش (مؤقتاً) من قبل العديد من علماء الطّيور الذين كانوا، برأي بوس، "متملّكين جداً بطبيعتهم". فالطيور، بنظر كثيرين في تلك الحقبة، هي ملكٌ لرجال العلم وليس للنساء محبّات الطّيور.

الحقّ يُقال إنّ أولائك النساء كنّ فائقات الشّجاعة؛ ليس لأنّهنّ وقفنَ في وجه نساء أخريات من الطبقة الاجتماعية نفسها، بل لأنهنّ كافحنَ قطاعاً قوياً ومربحاً وتحدّينَ القواعد الاجتماعية التي كانت سائدة في أيامهنّ. وباعتبارهنّ من أوائل مناصري الحفاظ على الطبيعة، فقد كنّ معرّضات لخطر الإقصاء الاجتماعي في زمنٍ كان الرّيش فيه هو الموضة الشائعة والنظام الطبقي هو الذي يتحكّم بالمجتمع البريطاني. وهذا ما خلق توترا داخل المجموعة حديثة العهد ودفع باجتماعاتها السّنوية العامة إلى تجاهل سؤال أحد الأعضاء المتكرر لها عن  صيد طيور الطّرائد.

"أظنّ بأنّ طبقتهنّ كانت السّبب في عرقلة تقدّمهنّ،" تقول تيسا بوس، "أولاً لعدم قدرتهنّ على الاستفادة بفعالية من الفئات العاملة، وثانياً لظهورهنّ بمظهر الحملة الواعظة مثيلة ’جمعية الاعتدال‘ (Temperance Society) التي لا تعبأ بحرمان الطّبقة النسائية العاملة من القليل من المتعة".

وتُضيف بوس: "أتمنّى لو كنَّ أكثر تطرّفاً - ونزلنَ ربما إلى الشارع! ولكنهنّ لم يكنّ كذلك وفي ظلّ القيود الاجتماعية التي كنّ يُعايشنَها، يُمكن القول إنّ ما فعلنَه كان غاية في الشجاعة؛ وحملة ’الباز الصياد‘ (ريش طيور البلشون) التي أطلقنَها كانت شديدة التأثير وغير مريحة لكلّ المعنيين، لكنّ الأمانات المحلية كانت مرغمة على وضع حدٍّ لها، الأمر الذي مهّد الطريق لبروز حركة المطالبة بتصويت النساء."

وعلى أثر الحملة الأخيرة، زادت عضويّة الجمعية بوتيرةٍ سريعة واتسع حجم الدّعم الرّامي إلى تحقيق أهدافها وبرامجها. وفي العام 1904 وبعد مرور 15 عاماً فقط على تأسيسها، منحها الملك إدوارد السّابع ميثاقاً ملكياً. وبحلول العام 1908، وصل عدد أعضاء الجمعيّة إلى 20 ألف عضو وتجاوز عدد اللافتات الموزّعة باسمها الـ50 ألف لافتة. وهكذا تكون الجمعية قد انتشرت في شتى أنحاء العالم أو على الأقل في المناطق التابعة للامبراطورية البريطانية، ومهّدت للدّور الذي تضطلع به اليوم في مجال الحفاظ على البيئة العالمية.

وفي العام 1908 أيضاً، عُرض "مشروع قانون استيراد الرّيش" الذي ينصّ على منع توريد الريش إلى بريطانيا، للمرة الأولى على مجلس اللوردات. وكان مروره بطيئاً للغاية بوجود مصالح شخصيّة ضيّقة تُعرقله. ولكن على الرّغم من استمرار قطاع الريش بعد فرض حظرٍ وجيزٍ عليه خلال الحرب العالمية الأولى، خفّ وهجه. والحملة المنسّقة التي نظّمتها ’جمعية حماية الطيور‘ والدّعم الذي أولته نانسي أستور للحملة داخل البرلمان والمقالة الشديدة التأثير التي صدرت عن فيرجينيا وولف، كلّها عوامل أسهمت مجتمعةً في القضاء على تجارة الريش. وفي العام 1921، أُقرّ أخيراً مشروع القانون.

"كان الانسحاب من تجارة الرّيش تدريجياً،" تشرح لي باتشيت. "فالحرب العالمية الأولى وجّهت لها صفعةً قوية. وبعيد انتهاء المعارك، تغيّر وجه الموضة النسائية بشكلٍ جذري وأصبح مفهوم الزّينة أكثر ارتباطاً بالأكسسوارات البسيطة من القبعات الإدواردية الكبيرة."

وبالنّسبة إلى مقالة وولف، فقد سعت إلى تصحيح طريقة تفكير الكثير من المتسوّقات التي تفصل بين الرّيش الذي يُباع في المتاجر والطّيور التي أُخذ منها الريش.

وفي سياقها، صوّرت الكاتبة "امرأة من الطبقة المخمليّة وهي تنظر إلى واجهات المتاجر في لندن بحثاً عن اللمسات الأخيرة للزي الذي سترتديه إلى دار الأوبرا. ومن لندن نقلتها فجأة إلى منطقة البامبا الأرجنتينيّة حيث تتعرّض هذه الطيور للذبح وتُترك صغارها لتموت ببطء."

"في المقالة نقلةٌ جغرافية نوعيّة من شوارع مدينة لندن الحضرية إلى الأماكن التي يتعرّض فيها الطيور للقتل والسّلخ."

وما وفّر دعماً إضافياً لمشروع القانون هو تمرير "قانون الطّيور المهاجرة" في الولايات المتحدة عام 1918. يظهر أنّ جهود إليزا وإيميلي قد وجدت صداها في الولايات المتحدة وفي حملةٍ تُديرها امرأتان من بوسطن، هما: هارييت همنواي وقريبتها مينا هول. وبفضل هذه الحملة التي واجهت الكثير من التحديات نفسها ورزحت تحت ثقل الاستراتيجيات والضّغوط الاجتماعية ذاتها، نجحت هول وهمنواي في وضع نفسيهما في مواجهة تجارة الرّيش في الولايات المتحدة حيث كانت تتم النّسبة الأكبر من عمليات الصيد.

وعلى غرار ’جمعية حماية الطيور‘ في بداياتها، استقطبت الحركة المناهضة لتجارة الرّيش في الولايات المتحدة بشكلٍ أوّلي مؤيّدين من زبدة المجتمع. ولمّا نوت همنواي وهول إطلاق جمعيّتهما الجديدة، استعانتا بـ"كتاب بوسطن الأزرق" الذي يحوي سجلاً اجتماعياً بالجيّد والرائع من السّكان المحليين.

وأقامتا حفلات شاي بغرض تمكين معاصراتهما من التعرّف على مأساة طيور الأمة والالتزام بعدم وضع ريش في قبعاتهنّ. ومن بين النّساء اللواتي حضرنَ هذه الحفلات، عدد كبير رفض الالتزام وانسحب منها على جناح السرعة. لكنّ عدداً أكبر بكثير لم يُغادرها وقرّر الانضمام إلى المجموعة التي باتت، في فترةٍ وجيزة، تتألف من 900 عضو شديد التأثير. وفي العام 1897، اتخذت ماساتشوستس قراراً بحظر تجارة ريش الطيور البرية، تلتها قرارات محلية مماثلة في فتراتٍ لاحقة.

وكانت ’جمعية أودوبون ماساتشوستس‘Massachusetts Audubon Society) ) النّاجحة والمتخصّصة في الحفاظ على البيئة، الإرث الذي أفضت إليه جهود همنواي وهول ومهّد لإنشاء ’جمعية أودوبون الوطنية‘ National Audubon Society)).

وفي هذا الخصوص، تلحظ الكاتبة كايت كيلي أنّه "في غضون الأعوام القليلة التي تلت تأسيس ’جمعية أودوبون ماساتشوستس‘، قرر محبّو الطّيور في كلّ من بنسلفانيا ونيويورك وماين وكولورادو ومقاطعة كولومبيا الحذو حذو ماساتشوستس.

"وفي العام 1901، صوّتت فلوريدا لصالح حماية مواقع العشعشة شبه المدمّرة في إيفرغلايدس. وفي نهاية المطاف، تمكّنت همنواي من المساهمة في بناء شبكة وطنية للجمعيات المعنيّة" التي نظّمت بدورها حملة يُمكن إدراجها في قائمة الرّوايات التاريخية "غير المعروفة/ المنسيّة."

وصحيح أنّ طائر الأوك العظيم قد انقرض على نطاقٍ واسع خلال القرن السّابق، لكنّ الحملات التي شنّتها النّساء في ’جمعية حماية الطيور‘ (ونظرائهنّ في أميركا) لم تلقَ الصدى المرجو في زمنٍ لم يكن ناسه يؤمنون بقدرة البشر على التسبب بأضرار بيئية مهولة، ولم يكن القلق يُعشّش قلوبهم كما يُعشّش اليوم قلوبنا.

وطريقة تقديرنا للتاريخ تنبع إلى حدّ كبير من محيطنا وممّا نتعلّمه في صغرنا. فالشّخصيات السياسية العظيمة التي طبعت القرن الماضي وخلّدت ذكراها في أنحاء البلاد، حاضرة في مناهجنا التّعليمية وفي النّصب التّذكارية والتّماثيل واللّوحات المعلّقة على جدران المباني؛ وهي حيّة أبداً في ثقافتنا المعاصرة.

وفيما نتأهّب لدخول حقبةٍ بتنا فيها أكثر إدراكاً لحجم الانقراض الجماعي النّاتج عن أفعالنا البشرية وما يتعيّن علينا القيام به للحدّ من خطره، من المنطقيّ جداً أن نحرص على إيلاء الأشخاص الذين أزكوا التّحرّكات المناهضة لاستغلال البشر السّافر للطبيعة، الاعتراف اللائق والأهمية التي يستحقّونها.

للأسف، عالم الحفاظ على البيئة لا يعترف سوى بعددٍ قليل من الأبطال ونعني بهم: جاين غودال وجيرالد دوريل من العامة والمذيعان سير ديفيد أتينبورو وكريس باكهام. وقد آن الأوان لنساء ’الجمعية الملكية لحماية الطيور‘ أن ينضممنَ إلى صفوفهم.

"لا بدّ من تعليق لوحةٍ تذكارية على واجهة مسكن إيتا ليمون السّابق في ريدهيل،" تقول بوس. "أنا عن نفسي أحاول تحريك المسألة والعائلة التي تقطن المنزل حالياً متعاونة. لكن الأفضل برأيي لو نمنح إيتا ليمون وزوجها (فرانك) الذين ارتبط اسماهما بالجمعية الملكية، اعترافاً أكثر وضوحاً وعلانية."

"ولا ننسى أيضاً إليزا فيليبس التي تستحقّ تخليد ذكراها والتي تدأب ’الجمعية الملكية لحماية الطيور‘ في كرويدن اليوم على التحقّق ممّا يُمكن فعله لأجلها وأين،" تُتابع بوس.

وبالنّسبة إلى إيميلي ويليامسون، فقد نالت في الآونة الأخيرة، وفي الأول من شهر يونيو (حزيران) الماضي تحديداً، عربون اعترافٍ وتقديرٍ طال انتظاره، حيث عُلّق اسمها على جدار منزلها القديم الكائن في مانشيستر (على العنوان التالي: ذي كروفت، فليتشير موس، ديسبوري).

ومن بين الدّروس العديدة التي يُمكن استخلاصها من هذه الحملة، درس مهم بشكلٍ خاص للأزمة البيئية الحالية: إلى متى ستستمرّ التّقاليد الاجتماعية المتجذّرة والمضرّة بالبيئة بفرض نفسها كسلوكيات مجتمعية سائدة؟ ففي الأيام الأولى من حملاتها، اعتُبرت ’جمعية حماية الطيور‘ متطرّفة ومصدراً للإزعاجٍ، حيث أنها لم تكفّ عن توجيه أصابع الاتهام نحو أشخاص أبرياء يعتمرون قبعات ويُحاولون المضي قدماً في حياتهم.

وفي الوقت الحاضر، لا يسعى أحدٌ أن يُدير ظهره لالتزامٍ اجتماعي يحتّم عليه عدم وضع جزءٍ كبير من طائرٍ ميت على رأسه. ومع مواصلة عصر الأنثروبوسين تقدّمه دون هوادة، نرى أنّه من الضّروري لفت الأنظار إلى إمكانية تحوّل سلوكيات طبيعية بمفهومنا اليوم إلى سلوكيات غير طبيعية وغير مقبولة في غضون سنوات قليلة.

وعن تيسا بوس، فهي تقوم اليوم بجولة محاضرات للتوعية على الجهود التي قام بها المجتمع في حقبات تاريخية سابقة. ولمّا سألتُها عن رأيها بالأمثولات التي يمكن أن نستشفّها من النساء التي تحدثت عنهنّ في كتابها، أجابتني:

"أعتقد أنّ الأمثولة الأهم لنا جميعاً هي عدم الاستسلام. فالنّاس سيضحكون عليك ويستهزؤون بك (هنا تخطر في بالي غريتا ثانبرغ)؛ وقد تشعر في بعض الأحيان أنّك مجرد نقطة في بحرٍ واسع وأنّك تحارب قوة أعظم منك بكثير. مع ذلك، إياك ثم إياك أن تفقد الإيمان بقضيّتك واستمر في الدّفاع عنها."

"تقرّب من المجموعات التي تُشاركك الرأي نفسه حتى تجمع حولك عدداً كبيراً من المؤيدين. فكّر على مستوى الوطن (أو العالم): استعن بأمانات محليّة أو ما شابهها لاختيار أعضاء جدد ونشر رسالتك. في أيّامنا هذه، يُمكن لوسائل التّواصل الاجتماعي أن تُحقّق لك ذلك في وقتٍ قصير. أخيراً وليس آخراً، تذكّر أن الحملات التي تُبادر بها شخصيات نسائية تحظى إحصائياً بفرص نجاحٍ أكبر (وفقاً لموقع change.org)."

© The Independent