يجب أن يغيِّر البشر أنماطهم الغذائية ويكفوا عن تدمير الأرض قبل فوات الأوان

يقول مستشار أممي إن "الأرض لم تشعر بهذه الضآلة قط، ولم ترزح نظمها الإيكولوجية الطبيعية يوماً تحت وطأة تهديد مباشر كهذا"

انعدام التوازن البيئي يقضي على الحيوانات والغابات بداية والإنسانية قد تصبح الضحية ان عجز البشر عن تغيير انماط عيشهم (أ.ف.ب) 

يفيد تقرير أخير لمنظمة "الأمم المتحدة" أنه يتوجب على البشر بشكل عاجل أن يغيروا أنماطهم الغذائية ويتوقفوا عن تدمير الأرض كي تتمكّن من امتصاص المزيد من الكربون إذا كان هناك أي أمل بتجنب المستويات الكارثية لظاهرة الاحتباس الحراري.

يشير أول تقرير شامل للمنظمة حول العلاقة بين تغيّر المناخ وبين تحوّل الأراضي إلى الزراعة الأكثر استدامة، إلى أن إجراء تغييرات في نظامنا الغذائي وخفض هدر الغذاء، ستساعد كلها في معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري.

وفقاً للتقرير الصادر عن "اللجنة الدولية حول التغيرات المناخية" IPCC)) التابعة لـ"الأمم المتحدة"، تسبّب النشاط البشري في تدهور شديد للأراضي وبإزالة الغابات وتدمير الموائل الطبيعية. هكذا، أدى ذلك كله إلى إطلاق التربة كمية كبيرة من ثاني أكسيد الكربون في الجو.

وتذكيراً، كانت الأراضي الطبيعية على امتداد قرون وسيلة مهمة لامتصاص ثاني أكسيد الكربون والاحتفاظ به، لكنها على العكس من ذلك باتت حالياً مسؤولة عن إطلاق  ثلث غازات الدفيئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الوقت نفسه، فإن حرائق الغابات الناجمة عن تغير المناخ، وذوبان الطبقة الجليدية، والتصحّر تمثل كلها ضغوطاً إضافية على الأرض تؤدي بها إلى نفث المزيد من غازات الدفيئة في الغلاف الجوي مجدداً.

في هذا السياق، قال البروفيسور ديفيد ريي من جامعة إدنبرة الأسكتلندية، الذي كان  قد قدّم نصائحه لمؤلفي التقرير، إن الوضع يمثل " عاصفة مثالية . فهناك مساحة محدودة من الأرض وعدد متزايد من البشر مُحاصرين بحالات طوارئ مناخية.. أضف إلى ذلك أن غلال المحاصيل تنوء تحت وطأة تغيّر المناخ، والمواد الغذائية الأساسية مثل القمح والذرة والأرز كلها معرضة للخطر. وباعتبار أن نظامنا الغذائي هو عبارة عن شبكة عالمية فإن الأزمات التي تعانيها المزارع على بعد آلاف الأميال منّا تتردّد تأثيراتها في أطباق طعامنا".

وأضاف أن " الأرض لم تشعر بهذه الضآلة قط، ولم ترزح نظمها الإيكولوجية الطبيعية يوماً تحت وطأة تهديد مباشر كهذا".

جدير بالذكر أن التربة تحتوي حالياً على 1% فقط من إجمالي الكربون على الكوكب، علماً أنها احتوت سابقاً على ما يصل إلى 7%.

يشير تقرير "الأمم المتحدة" إلى أن الهروب من هذه الحلقة المفرغة يستلزم أن يسارع البشر، وبصورة عاجلة، إلى التوقف عن قطع الغابات المطيرة وتجريف التربة واستنزاف أراضي الخث او النباتات المتعفة. كذلك تساعد الزراعة المستدامة وإعادة زرع الغابات وحماية الموائل في الحدّ من ظاهرة الاحتباس الحراري.

بدورها، قالت ديبرا روبرتس الرئيسة المشاركة للفريق العامل الثاني لـ"اللجنة الدولية حول التغيرات المناخية" الذي أسهم في إعداد التقرير، "إن النظم الغذائية المتوازنة التي تقوم على الأغذية النباتية مثل الحبوب الصلبة والبقوليات والفواكه والخضراوات من جهة والأغذية ذات المصدر الحيواني المنتجة في شكل مستدام ضمن نظام انبعاثات غازات الدفيئة المنخفضة من جهة ثانية، تتيح فرصاً كبيرة للتكيف مع تغير المناخ والحد منه".

كذلك يجب أن تبقى الأرض قادرة على الانتاج حفاظاً على الأمن الغذائي في ظل زيادة عدد السكان. في هذا المجال، تشير الدراسة إلى أن التنويع يجب أن يشكِّل الأولوية للنظم الزراعية، إذ يصمد النمط المختلط الذي يجمع بين الانتاج  الزراعي والحيواني، أو الأراضي البور والحراجية، أمام تغيّر المناخ، كذلك فهو يعمل على تحسين حالة التربة وتخزين الكربون والتنوع البيولوجي.

في ما يتعلّق بالمملكة المتحدة مثلاً، قال البروفيسور بيرس فورستر من جامعة ليدز البريطانية، وهو لم يشارك في الدراسة، إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوفر للمملكة المتحدة فرصة لوضع سياسة زراعية يمكنها أن تجعل الأراضي مخزناً للكربون بدلاً من أن تكون مصدراً له. وأوضح أن "الاتحاد الوطني للمزارعين" في البلاد يسعى إلى وصول صافي انبعاثات الكربون الناتجة عن الزراعة إلى الصفر بحلول عام 2040، وهو طموح قابل للتحقيق وفقاً لباحثي "اللجنة الدولية حول التغيرات المناخية".

من جانبها، ذكرت فيكي هيرد من "سوستاين"، وهي مؤسسة خيرية بريطانية تدافع عن الغذاء والزراعة، "أن تقرير اللجنة الدولية حول التغيرات المناخية يقترح تبني ممارسات زراعية تتوافق مع الطبيعة بدلاً من إجبار الأرض على الإنتاج من خلال استخدام الأسمدة الاصطناعية بإفراط. وتتمثل الخطوة الرئيسة في إنهاء الدعم المؤذي للمحاصيل الأحادية الكبيرة، مثل الذرة وقصب السكر وفول الصويا،  وللوقود الأحفوري أيضاً".

في المقابل، يشير البروفيسور ريي إلى أن أحد الأمثلة الجيدة على الحراجة الزراعية المزج بين مزارع الموز ومزارع البن مثلاً لأن أشجار الموز تظلل نبات القهوة. وعبر تنويع المحاصيل يصبح المزارع أقل اعتماداً على الزراعة الأحادية التي قد تتعرّض للخطر جرّاء الإصابة بمرض ما أو مواجهة الطقس القاسي.

في سياق متصل، قال متحدث باسم جمعية "باستور فيد لايف ستوك" PFLA إن نمو الحبوب بكثافة أدّى إلى تدهور التربة وحرمان المزارع الصالحة للزراعة منها بشكل واضح. أما الحلّ فيكمن في الاعتماد من جديد على الماشية وحيوانات الرعي كجزء من نظام زراعي مختلط، إذ تساعد الماشية والروث الذي تتركه خلفها في إعادة بناء خصوبة التربة وصحتها".

يُذكر أن العلماء يعتبرون خفض انبعاثات غازات الدفيئة من القطاعات كافة ضرورة اساسية إذا أردنا الحفاظ على الاحترار العالمي في مستوى أقل من 2 درجة مئوية، إن لم يكن 1.5 درجة مئوية.

يبقى أن التقرير الأحدث الصادر عن "اللجنة الدولية حول التغيرات المناخية" يستند إلى دراسة أجرتها الهيئة الدولية في العام الماضي ودعت فيها إلى اتخاذ إجراء "غير مسبوق" لتصفير انبعاثات الكربون بحلول عام 2050 والحدّ من الاحترار العالمي الخطير.

© The Independent

المزيد من مناخ وجيولوجيا