دونالد ترمب... من وعود بإمبراطورية اقتصادية إلى ديون صعبة وركود متعثر

الديون الخارجية عند أعلى مستوى وعجز الموازنة يتسع... والتحذيرات مستمرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحفيين بالبيت الأبيض، 9 أغسطس 2019 (أ.ب.)

على الرغم من التحذيرات المستمرة من المؤسسات الدولية بشأن الضبابية التي تخيم على آفاق مستقبل الاقتصاد العالمي، وضرورة أن تتوقف الحروب التجارية، يُصرّ الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على مزيد من الحروب التجارية، التي بدأت الولايات المتحدة نفسها تكتوي بنيرانها، سواء على صعيد الديون التي تجاوزت مستويات تاريخية وقياسية، أو الركود العنيف الذي ينتظر الاقتصاد الأميركي.

وبخلاف أزماته التي يفتعلها في الخارج، سواء في شكل الحروب التجارية أو حرب العملات، يصرّ ترمب أيضا على التدخل في اختصاصات البنك المركزي الأميركي، ونالت تصريحاته المستمرة رئيس الاحتياطي الفيدرالي بسبب سعر الفائدة الذي يراه مرتفعاً للغاية، والدولار الذي يجب العمل على خفضه أسوة بالصين وأوروبا اللتين تواصلان خفض قيمة عملتهما، وفقاً لتصريحات ترمب.

الرئيس الأميركي، وبما أنه في الأساس رجل أعمال قبل أن يدخل البيت الأبيض، تحرّك كثيراً في الملف الاقتصادي ووعد باقتصاد أميركي قوي، وبالفعل دفعه إلى تحقيق أرقام لم يحققها في 50 عاما، وبخاصة فيما يتعلق بالبطالة.

لكن في المقابل، بدأت الأزمات التي افتعلها ترمب خارجياً في التأثير على الاقتصاد الأميركي الذي لم يعد قادراً على تحمل أي مشكلة جديدة، لتبدأ المؤشرات السلبية في الظهور تباعاً.

ركود اقتصادي عنيف في غضون عام

في تقرير حديث، حذر "بنك أوف أميركا" من أن احتمالات حدوث ركود اقتصادي في الولايات المتحدة في غضون عام مقبل تتزايد في ظل رصد المؤشرات الاقتصادية الأخيرة.

وقالت ميشيل ماير، رئيسة قسم الاقتصاد الأميركي في البنك، إن هناك فرصة بأكبر من 30% لحدوث ركود اقتصادي في غضون الاثني عشر شهراً المقبلة بناءً على البيانات الأخيرة.

وأوضحت أنه طبقاً للنموذج الرسمي لبنك "أوف أميركا" فإن احتمالية حدوث ركود اقتصادي في غضون عام تقف عند 20%، لكن الرؤية الشخصية القائمة على مجموعة من البيانات الصادرة أخيرا تؤدي للاعتقاد إلى أنها أقرب إلى 30%.

وأشارت إلى أن بعض المؤشرات الاقتصادية تومض باللون الأصفر، وهو ما يشير إلى أن هناك ركوداً اقتصادياً يلوح في الأفق.

ومن بين الأسباب الداعمة لهذه الرؤية، أن العائد على سندات الحكومة الأميركية لأجل 10 سنوات دون العائد على أذون الخزانة التي يحل موعد استحقاقها بعد 3 أشهر، ما أدى لانقلاب جزئي في منحنى العائد.

وعلى الرغم من أن هذا الانعكاس يمثل علامة على الركود الاقتصادي، لكنه ليس مقلقاً مثلما الوضع بالنسبة إلى الفارق بين عوائد الديون الحكومية مستحقة السداد بعد عامين ونظيرتها التي يحين أجل سدادها بعد 10 سنوات، والذي لم يحدث بعد.

وأكدت ماير كذلك على أن 3 من بين خمسة مؤشرات اقتصادية تتبع دورات الأعمال الاقتصادية، وهي مبيعات السيارات والإنتاج الصناعي وإجمالي عدد ساعات العمل، تقف عند مستويات سبق وسجلتها قبل مرحلة الركود الاقتصادي السابقة.

لكن النقطة المضيئة للاقتصاد الأميركي تكمن في أن طلبات إعانة البطالة الجديدة في الولايات المتحدة لا تزال منخفضة نسبياً.

عجز الموازنة الأميركية يتسع مع زيادة المصروفات

على صعيد الديون، أشارت بيانات رسمية حديثة إلى اتساع عجز الموازنة في الولايات المتحدة الأميركية لنحو 120 مليار دولار خلال الشهر الماضي، مع قفزة كبيرة في المصروفات والإنفاق الحكومي.

وأظهرت بيانات صادرة عن وزارة الخزانة الأميركية أن الموازنة سجلت عجزاً بقيمة 119.7 مليار دولار خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، مقابل عجز قدره 76.9 مليار دولار مسجل في الفترة نفسها من العام الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت توقعات المحللين تشير إلى أن عجز الموازنة الأميركية سوف يبلغ 120 مليار دولار خلال الشهر الماضي. ومقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، فقد ارتفعت المصروفات والإيرادات خلال الشهر الماضي بنسبة كبيرة. حيث ارتفعت المصروفات بنسبة 23% لتصل إلى 371.04 مليار دولار مع ارتفاع الإنفاق على وزارة الدفاع والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.

كما صعدت الإيرادات إلى مستوى 251.35 مليار دولار بزيادة 13% مع ارتفاع ضرائب الرواتب ودخل الأفراد، إضافة إلى ضرائب الشركات.

وخلال العام المالي للولايات المتحدة، والذي يبدأ في أكتوبر (تشرين الأول) وينتهي في سبتمبر (أيلول) من كل عام، فإن عجز الموازنة للحكومة شهد اتساعاً في الفجوة بين المصروفات والإيرادات إلى 866.8 مليار دولار، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 27% عند المقارنة مع أول 10 أشهر من العام المالي 2018.

الدين الخارجي يسجل أعلى مستوى على الإطلاق

وللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، فقد تجاوز الدين العام مستوى 22 تريليون دولار، ما اعتبره خبراء دليلا على أن البلاد تسير في مسار مالي غير مستدام، يمكن أن يعرض الأمن الاقتصادي لكل أميركي للخطر.

وذكرت وزارة الخزانة الأميركية، في بيانات نشرتها في مارس (آذار) الماضي، أن الدين العام للولايات المتحدة بلغ 22.012 تريليون دولار، بزيادة قدرها 30 مليار دولار عن الشهر الفائت.

وأشارت تقارير إلى أن الدين الأميركي ارتفع بوتيرة أسرع بعد تمرير قانون ضريبي، قبل أكثر من عام كلف اقتصاد الولايات المتحدة 1.5 تريليون دولار، والذي تضمن تخفيضات شديدة في الضرائب، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وعد بتنفيذها.

إضافة إلى ذلك، فإن جهود الكونغرس لزيادة الإنفاق على البرامج المحلية والعسكرية، أضافت ديونا بأكثر من تريليون دولار خلال الأشهر الـ11 الماضية وحدها.

الحرب التجارية مع الصين تعزز غموض مستقبل الاقتصاد الأميركي

وعلى الرغم من التحذيرات الدولية المستمرة من تداعيات الحروب التجارية، بخاصة المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين، لكن لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى قرب توقف هذه الحروب، خصوصا مع التصعيد الأميركي المستمر، والذي يقابله ردود صينية سريعة.

وشهدت الأيام الماضية تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على سلع صينية بقيمة 300 مليار دولار، قوبلت برد انتقامي من جانب الصين عبر السماح لعملتها بالهبوط ليكسر الدولار حاجز الـ7 يوانات.

وفي تقرير حديث، قال بنك "غولدمان ساكس"، إن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين ستكون ذات تأثير سلبي على النمو الاقتصادي يفوق التوقعات السابقة.

وقال جان هاتزيوس، كبير الاقتصاديين بالبنك، إن المخاوف من أن الحرب التجارية سوف تؤدي لحالة ركود اقتصادي في الولايات المتحدة تتزايد، وتابع "لقد رفعنا تقديراتنا حول أثر الحرب التجارية على النمو الاقتصادي".

وأشار إلى أن المحركات التي دفعت البنك الأميركي لهذا التعديل هي أن التقديرات حالياً تشمل تأثيرات الثقة وعدم اليقين وأن الأسواق المالية قد استجابت بشكل ملحوظ للأنباء التجارية الأخيرة.

وخفض "غولدمان ساكس" تقديراته لنمو الاقتصاد الأميركي خلال الربع الرابع من العام الحالي بنحو 20 نقطة أساس ليصبح 1.8%، مستشهداً بأثر أكبر من المتوقع لأحداث الحرب التجارية الأخيرة.

وأوضح "هاتزيوس" أن الظروف المالية وعدم اليقين بشأن السياسة وثقة الشركات واضطرابات سلاسل التوريد ستسهم جميعها في نمو اقتصادي أقل من المتوقع كنتيجة للحرب التجارية.

وتوقع البنك الأميركي أن تدخل الجولة الجديدة من التعريفات التي أعلنها الرئيس الأميركي خلال الأيام الماضية، حيز التنفيذ في سبتمبر (أيلول) المقبل كما يستبعد إبرام صفقة تجارية قبل الانتخابات الرئاسية بالولايات المتحدة لعام 2020.

الدولار "القوي" يتحول إلى الهبوط

في سوق العملات ومع التلويح الأميركي بحرب جديدة في سوق العملات، تحول الدولار الأميركي "القوي" إلى الهبوط بشكل هامشي مقابل سلة من العملات الرئيسة خلال تعاملات أمس الاثنين، مع مخاوف بشأن الأوضاع التجارية بين أكبر اقتصادين بالعالم وعقب بيانات عجز الموازنة.

ويترقب المستثمرون حول العالم تطورات الاحتكاكات التجارية بين الولايات المتحدة والصين بعد تصاعد حدة التوترات في الأسبوع الماضي، ومع إعلان الرئيس دونالد ترمب بأنه غير مستعد لإبرام صفقة تجارية مع بكين.

وتراجعت الورقة الأميركية الخضراء مقابل نظيرتها الأوروبية الموحدة "اليورو" بنسبة 0.2%، لتصعد العملة الأوروبية إلى مستوى 1.1223 دولار.

كما تراجع الدولار أمام الين الياباني بأكثر من 0.4%، مسجلاً مستوى 105.22 ين. كما هبطت العملة الأميركية بنحو 0.4% مقابل الجنيه الإسترليني لتصعد العملة البريطانية إلى مستوى 1.2083 دولار.

وبالنسبة إلى زوج العملات (الدولار-الفرنك) فشهد هبوطاً بنحو 0.4% لتتراجع الورقة الأميركية الخضراء إلى مستوى 0.9690 فرنك.

وخلال تلك الفترة، فإن المؤشر الرئيس للدولار، والذي يتبع أداء الورقة الأميركية مقابل 6 عملات رئيسة، انخفض بنسبة هامشية 0.09% ليتراجع إلى مستوى 97.404، بعد أن سجل 97.738 في وقت سابق من التعاملات.