Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإيطاليتان صوفيا وأنتونيا تختبران الصداقة في نيويورك

 الأميركية نعومي كروبيتسكي تدخل كواليس المافيا الصقلية في رواية "العائلة"

الروائية الأميركية نعومي كروبيتسكي (دار غالميار)

تشهد الولايات المتحدة منذ سنوات، موجة من الإصدارات الأدبية تهدف إلى تدوين وجهة نظر المرأة في التاريخ. هكذا تحوّلت جميع الحقب والأمكنة إلى أطر لروايات جديدة تعيد التأمل في موضوعات لم نكن نعرفها إلا من وجهة نظر الرجال. روايات تجعلنا نكتشف أن القصة نفسها يمكن أن تُروى بطريقة مختلفة، وبتفاصيل لا يراها الرجال أو لا تثير اهتمامهم، لكنها ضرورية لمحاصرة موضوعها وإنارة كل جوانبه.

إلى هذا النوع من الأعمال تنتمي رواية الكاتبة الأميركية الشابة نعومي كروبيتسكي، "العائلة"، التي صدرت عن دار "بوتنام" عام 2021، واقتحمت فور صدورها قائمة صحيفة "نيويورك تايمز" لأفضل الكتب مبيعاً. ظاهرة نادرة بالنسبة إلى كتاب شابة مجهولة، دفعت دار "غاليمار" الباريسية إلى شراء حقوق ترجمتها إلى الفرنسية، وإلى إصدار هذه الترجمة حديثاً في سلسلة "من العالم أجمع".

"العائلة" تغوص بنا داخل عالم المافيا الإيطالية في نيويورك من وجهة نظر فتاتين، صوفيا وأنتونيا، نرافقهما من الولادة حتى سن الرشد، أي من 1928 إلى 1948. فتاتان تعيشان في مبنيين مجاورين، وتجمعهما صداقة حميمة منذ نعومة أظافرهما لأن والديهما صديقان ينشطان داخل المافيا نفسها، ووالدتيهما صديقتان تمضيان معظم وقتهما سوية، في منزل الواحدة أو الأخرى. وكل نهار أحد، بعد القداس، تجتمع عائلتاهما مع عائلات أخرى في منزل "العرّاب"، تومي فيانزو، لتقاسم لحظات سعيدة والتلذذ بأطباق إيطالية شهية.

العلاقة التي تربط صوفيا وأنتونيا هي في الواقع أكثر من صداقة حميمة. فمنذ أن كانتا طفلتين، قررتا أن تكونا شقيقتين مدى الحياة. "أراكِ، إذاً أنا موجودة"، تقول أنتونيا لصوفيا، وترد صوفيا عليها بالجملة نفسها، كما لو أن الأمر يتعلق بتعويذة. في المدرسة، تعيش هاتان الفتاتان حياة منفصلة عن زملائهما، الذين يتجنبونهما بإيعاز من أهلهم، لأن والديهما، في نظر هؤلاء، مجرمان خطيران. وهو ما يعزّز روابطهما. لكن هذا لا يعني أنهما متشابهتان، فأنتونيا عاقلة ومنضبطة، وفي غرفتها المرتّبة دائماً، كل شيء يركن في مكانه، بينما صوفيا مغرية، فضولية وعاصفة، يغضبها أقل شيء ويجذبها التقاتل مع الأخيرين. ولذلك، لا تتردد وهي طفلة في إيقاع صبي على الأرض، ترغب في الانتقام منه، وجرحه، ثم في تحدّي سلطة والدها، في سن الرابعة عشرة، برفضها الذهاب إلى الكنيسة كل نهار أحد.

وإثر مشاهدتهما كل يوم خضوع والدتيهما لحياة مجبولة بالقلق والانتظار، تقسم صوفيا وأنتونيا باكراً على عدم الزواج من رجل يعمل لصالح "العائلة". وحين "يختفي" والد أنتونيا فجأة، في إحدى الليالي، لا تتزعزع صداقتهما، على الرغم من وقوف أفراد "عائلتهما" خلف هذه المأساة، ومن الاكتئاب الذي سيتسلط على والدة أنتونيا، ومن تباعُد تطلعاتهما شيئاً فشيئاً. فبينما تقرر أنتونيا متابعة دراستها وتمضي معظم وقتها في المطالعة، تستسلم صوفيا لرغبتها في الإغراء وإحاطة نفسها بالمعجبين.

قصة شاملة

هكذا نتابع قصة هاتين الفتاتين من خطواتهما الأولى في المدرسة إلى اختبارهما المتزامن للأمومة، مروراً بانبثاق أحلامهما الطفولية، ثم المراهِقة، وبظروف زواجهما. نشاهدهما بالتناوب كشخصين مختلفين، وفي الوقت نفسه، كفردَين يصعب تمييزهما عن سائر أفراد "العائلة". فتاتان، تجعلنا شخصية كل منهما الخاصة وطموحاتها المختلفة، نتوقع أن تحققا نفسيهما بطريقة فردية. لكن كيف يمكن أن يحصل ذلك في ظلّ أجيال كاملة من النساء اللواتي عجزن قبلهما عن التحرر من ظروف حياتهن الصعبة؟ كيف تنجزان ذلك في كنف "عائلة" هي ملجأ وسجن في آن واحد، لا تنفك تحاصرهما بقوة، دافعةً بهما إلى عين الإعصار؟

وفعلاً، تتشابك تحت أنظارنا التقاليد والأحلاف والولاءات والضرورات الاقتصادية بطريقة تتحوّل فيها إلى شرك يحول دون تمكّن أي شخصية من شخصيات الرواية، وليس فقط صوفيا وأنتونيا، من شقّ قدر آخر غير ذلك المبرمَج سلفاً لها: تنظيف المنزل وطبخ الـ "باستا" وتربية الأولاد، للنساء، وإرهاب التجار الذين يرفضون "الحماية" أو يعجزون عن تسديد كلفتها العالية، للرجال. ولا عجب في ذلك، فمواجهة تاريخ طويل من الارتهان والتحرر منه مسألة إعجازية في البيئة الموصوفة.

ولذلك، على رغم قسمهما المبكر، تتزوج بطلتا الرواية من شابين ينتميان إلى "العائلة"، لكنها يتوقان إلى الانعتاق منها: صوفيا من سول اليهودي الذي فرّ من جحيم الحرب في ألمانيا لينتهي فرداً في صفوف المافيا، ثم عاشقاً مجبراً على التخلي عن هويته ودينه وثقافته وحتى اسمه للاقتران بها. وأنتونيا من باولو الذي لن يتردد في استثمار موهبته في التزوير لتحسين موقعه داخل محيطه وتحقيق تطلعات حبيبته. وبما أنه يتعذّر على مَن ينتمي إلى المافيا الإفلات طويلاً من العنف الذي يتحكم بعالمها، ينزلق أحد هذين الشابين في مكيدة تنذر بتكرار السيناريو الذي توارى فيه والد أنتونيا...

قيمة هذه الرواية تكمن أولاً في تمكّن صاحبتها من إثارة فضولنا بحياة بطلتيها، وبالتالي في جعلنا نتابع بشغف كبير تطور علاقة صوفيا وأنتونيا من أخوة حميمة إلى حد الانصهار في سن الطفولة، إلى صداقة فاترة في سن المراهقة، لا تلبث حرارتها أن ترتفع مجدداً إثر حَمَل كل منهما. وفي هذا السياق، تُسقطنا كروبيتسكي بمهارة لافتة، داخل أفكارهما ورغباتهما التي لا يحول تناقضها أحياناً دون توقهما المشترك إلى شيء آخر، إلى مكان بعيد عن عبء "العائلة" وقيودها. تسرد لنا من وجهة نظر كل منهما حياتهما المشتركة التي تصلح لأن تكون عيّنة من حياة جميع النساء اللواتي أتين من صقلية إلى نيويورك مطلع القرن الماضي. حياة تدور معظم أحداثها داخل فضاء واحد، المنزل، في الوقت الذي يمضي الرجال طوال ساعات النهار والليل في الخارج. رجال هم في معظم الأحيان آباء وأزواج جيدون، ولكن ما أن يعبروا عتبة منازلهم، يجرّهم عملهم السرّي إلى عنف رهيب يلفّه صمت الـ "أوميرتا" المطبق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وللشهادة على هذا الصمت تحديداً وتصوير وقعه، نشاهد في الرواية تصفية حسابات ومغلفات مليئة بالنقود تنتقل من يد إلى أخرى. لكننا نبقى على جهلنا بما يتعلق بتفاصيل عمليات الابتزاز الممارسة على التجار أو بائعي المشروبات الكحولية المحظورة، ثم بآليات المتاجرة بالأوراق المزوّرة التي كان يحتاجها آلاف الفارّين من جحيم أوروبا إلى أميركا، بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.

باختصار، رواية آسِرة نتلقاها كبيان في الأخوّة الممكنة بين فتاتين، وأيضاً كمحاولة ناجحة لاستكشاف كواليس عالم المافيا من منظور هاتين الفتاتين. ولكتابتها، لجأت كروبيتسكي إلى لغة سلسلة، حميمية، موقّعة شعرياً، تتألف من جُمَل مكثّفة وقوية تحثّ على التأمل، وتقف خلق دقة وصف شخصيات الرواية ومهارة تجسيدها. وصفٌ من الداخل، لما يعتمل في قلب هذه الشخصيات ويدور في ذهنها، وهو ما يفسّر نجاح الكاتبة في إثارة اهتمامنا بها، وبالنتيجة، في تقديم معالجة فريدة لموضوعها العام، المطروق كم من المرات روائياً وسينمائياً.

ولأن "العائلة" هي روايتها الأولى، لن نلوم كروبيتسكي على قليل من الإطناب في عملية سردها، مقابل سرعة كبيرة في ختم قصتها. فالحبكة المشوّقة والمتينة التي تتمكن من تشييدها فيها، تمسك بأنفاسنا حتى الصفحة الأخيرة، عطفاً على عمق التأملات التي تسيّرها لدى تفحّصها وسبرها طباع شخصياتها وسلوكها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة