عرض سوري راقص على ايقاع تشريقي لفيفالدي وأوبرا كارمن

"خمس حركات" تكسر البناء الكلاسيكي على مسرح سعد الله ونوس

من عرض "خمس حركات" الراقص في دمشق (اندبندنت عربية)

لا تكاد تغيب العروض الراقصة عن ريبرتوار المسرح السوري، حتى تعود وتطل من جديد بقوة، منجزةً حيزها الجديد ولو عبر مساحات مختبر قسم الرقص في المعهد العالي للفنون المسرحية، الذي قدم آخر عروضه لهذا الموسم بعنوان "خمس حركات"، متخذاً بنية العمل السيمفوني الكلاسيكي بعد إلغاء الحركة الأولى "تتنفس الصرخة" من العرض، إثر إصابة مصممها وراقصها محمود توهان بنوبة قلبية مفاجئة.

حذف الحركة الأولى التي غالباً ما تأتي في الأعمال السيمفونية سريعة "على نمط سوناتا"، أضاع على "خمس حركات" مقاربة لافتة، لكنه في الوقت ذاته، قدم تحذيراً لجهة خطورة اللعب ببنية كلاسيكية لا يزال المسرح الجسدي السوري في بحث دائب لتلافيها، فمن المعروف أن الموسيقى في العمل الراقص ليست عنصراً تزيينياً، بقدر ما هي بمثابة مايسترو لأجساد الراقصين، ونوتة جوهرية في خلق التصور العام للعرض. لكن ما يحدث منذ سنوات أن معظم العروض الراقصة في البلاد ظلت تستعير مقطوعات موسيقية لتؤدي عليها، وذلك يعود لعدم وجود مؤلفين موسيقيين قادرين على إنجاز مثل هذا النوع من الأعمال ذات الصبغة التجريبية، التي يُرتكز عليها في بناء العمل المسرحي الراقص، لا سيما في أعمال الرقص المعاصر، إذ يحتاج هذا النوع من التأليف إلى تمويل كبير لإنجازه، ناهيك عن خبرات أكثر تخصصاً في الكتابة لهذا النوع من المسرح.

أسباب تدفع الراقص السوري عادةً إلى استعارة مقطوعات كلاسيكية وتجريبية من الألبومات العالمية، والعمل على غرارها، من دون أن يجد راقصو وراقصات سوريا من يكتب وفقاً لتصوراتهم وبحوثهم، مما يؤدي إلى تقديم ما يشبه "قدود" راقصة على مقطوعات معينة، تلزم الراقص المسرحي وتجعله مقيّداً بها، وهذا بدوره سيحد من حرية الخيارات الفنية. فليس الرقص هنا من يتبع الموسيقى، بل على العكس تماماً، إذ تُنجَز الأعمال الموسيقية الخاصة للرقص بالتوازي مع مختبر العرض الراقص المفتوح على تأمل وبحث كبيرَيْن، للوصول إلى شكل العرض الجديد، مقتفيةً التنويع مع الموسيقى، لا الارتهان المطلق لمقطوعات جاهزة ومنجزة سلفاً، غالباً ما تتضارب سياقاتها مع سياق العروض المقترحة.

الحركة الثانية من العرض كانت بعنوان "رنين" لهدية الحسن، التي رقصت بالشراكة مع كل من رهف الجابر وهاني حمود وسدرة حواصلي وحسان نادر وسالي داؤد، فذهبت نحو التعويض عن النقص الفادح في بنية العرض، مستخدمةً موسيقى من تأليف كل من عمر حواصلي وحسان نادر وأسامة لقطيني، بمرافقة كل من مجد فضة ورهف الجابر في إلقاء مقاطع نثرية عن الأنا والآخر، واغتراب الإنسان في زمن الحرب عن محيطه "نص مجد منذر".

تأصيل موسيقي

نشاهد في هذه الحركة رغبة في تأصيل بنية موسيقية صوتية لبناء مشهدية مسرحية راقصة، قد لا تكون متينة من حيث مقترحها، فالنص المرافق للموسيقى أو الذي تناوب معه، ظل بمثابة تعليق "برّاني" على هيجان الجسد ورفضه،  إذ الرقص هنا هو الدراما، ولا يقبل القسمة على اثنين، فالحركة ليست وصيفة للدراما في العروض الراقصة، بل هي الدراما بحد ذاتها، مما يدل على قصور في فهم طبيعة المسرح الراقص، ومدى خصوصيته وفرادته في سوق الدلالات والإسقاطات، من دون المصادرة على الجسد ولغويته الباهظة على الخشبة.

"داخلي مظلم" كان عنوان الحركة الثالثة من العرض الذي قُدِّم على مسرح "سعد الله ونوس" بمثابة مشروع تخرّج لقسم الرقص، وفي هذه الحركة التي صممتها ورقصتها رند شهدا بشراكة كل من رهف الجابر وسارة بيطار وزين العابدين سليمان ومايا عيسى وغسان العبد الله، نعود إلى مشكلة بنيوية في تحقيق العرض الراقص، إذ اعتمدت شهدا بإشراف درامي من بترا جومر على موسيقى "الشتاء" من "الفصول الأربعة" لفيفالدي، جنباً إلى جنب مع أداء حي ومباشر للمغنية كريستينا إسحاق من أوبرا كارمن لجورج بيزيه، إذ نلاحظ هنا ضعفاً واضحاً في تكوينات الجسد ودخوله في متاهة حركية تمنعه من التحقق الدرامي الفجائعي، وذلك وفق خلطة موسيقية غير متجانسة ومدرسيّة، بدت مشتتة وغير متآلفة، على عكس ما حققته الحركة الرابعة من العرض بعنوان "قابل للكسر" من تصميم ورقص سارة المنعم بشراكة لافتة من زميلها مجد عريج، إذ بدت هذه الحركة الأكثر إتقاناً في جسم العرض، بل الأكثر اقتراباً من حرية الجسد وتفوقه في إنجاز تصاعد درامي شعري، مطوّعة مقطوعتي "الرافعة" و"الخبرة" للموسيقي لودوفيكو إيناودي، جنباً إلى جنب مع مقطوعة "الساعة الزرقاء" لفيديريكو ألبانيز.

الجهد الذي بذله كل من المنعم وعريج كان بالتوازي مع عمل سينوغرافي محكم لكل من كارول مقدسي وهايدي مسعد، اللتين قدمتا مقترحاً عملياً للرقص، تمثل في كتلة جدار متحرك، تخللته كوى مضاءة، ساعدت الراقصين وقدمت لهما مجالات للعب حر وخارج عن المألوف في عروض الرقص السوري، فعلى امتداد عشرين دقيقة تقريباً حقق كل من مجد وسارة انسجاماً قلّ نظيره في إدارة الجسد وتطويعه وبث عوالمه الداخلية للمتفرج. أتى ذلك وفق ثنائية تتالت تحولاتها المبهرة على الخشبة، بعيداً من اللجوء إلى استعراضات مجانية، بل أخذت هذه الحركة شكل عرض مستقل عن اللوحات الأربع، منجزةً توأمة من السباحة في الضوء على جدار تنمو الحركة عبره وحياله، من غير الحاجة إلى لوي عنقها، بل بسلاسة واستسلام لشغب الجسد الراقص، وتماهٍ مطلق مع متطلبات فن الرقص المعاصر.

من هذا التلوين الخطر والمدهش، تم توليد مشروع ياسر خطاب الذي قدم الحركة الخامسة من العرض، وجاءت بعنوان "إعادة تكوين" بشراكة مع كل من خاتشيك كجه جيان وصبا رعد وهاني حمود وسارة بيطار وشيرين الشوفي، إضافة إلى أحمد مغربي وكرمل سليمان. رقص هؤلاء على موسيقى من تأليف كل من كريستيان موزسبيال في مقطوعته "تريو" وميركان ديدي في مقطوعته "ياكاموز" لتكون خاتمة "خمس حركات" سريعةً وخاطفة في بنائها، وقدرتها على التنويع الجماعي مع الموسيقى، مصدّرةً مناخها الخاص في توزيع وإدارة الحركة مع الراقص الشريك، مبحرةً في عباب مسرح القسوة الراقص، حيث تنمو الحركة بشكل انهدامي ومباغت، وتتخذ من المساحة الفارغة مساحة لها في إطلاق كامل طاقة جسد جماعي، جسد يعي خبرات عديدة في التقاط التوازن الحذر، والتحكم بالكتل الراقصة في سبيل رسم تشكيلات متينة ومتجاورة، واللعب على البعد الفجائعي الدرامي، وصولاً إلى سيمفونية جسدية قوامها ارتطامات أجساد الراقصين وتناولهم للحرب من زاوية مختلفة، وبحثهم عن توليفة أكثر تحرراً وانعتاقاً من صياغات المسرح الدرامي، وبمساندة من نورس عثمان ويزن الداهوك في بناء الدراما من الجسد، لا خارجه.

على الجانب الآخر من العرض، نشاهد فقراً وعدم دراية في تصميم إضاءة "خمس حركات"، إذ عانى الفضاء من انفلاش واضح في بؤر الضوء (تصميم ضياء النجاد وحيدر الحامض وحسن خليل وماهر بهنسي ومحمد الزعبي)، فلا تزال عروض الرقص تعاني فهماً بدائياً لوظيفة الضوء في هذه النوعية من التجارب، وذلك لاعتمادها على وظيفة الإنارة، وتقديم منابع متباينة للضوء، بدلاً من البحث عن إضافات صميمة في بناء الحركة، وتنظيفها من ظلالها الزائدة، لا سيما في إطار اقتراح مناخ عام لبقع ولونيات متضاربة، أطّرت حركة الراقصين من غير مشاركتهم في تقديم حلول بين فضاء اللعب وفضاء الفرجة، ليبقى الضوء محايداً، باستثناء مواضع نادرة من العرض، تمكن فيها المصممون من رسم أرضيات ملائمة لما يراه الجمهور على الخشبة، لكن مع الأسف على حساب جماليات، حُرم الراقصون منها بأنانية واضحة.

 

    

المزيد من ثقافة